الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف: مستويات الصراع

أصداف: مستويات الصراع

وليد الزبيدي

قد يتصور البعض أن الصراع مصطلح يدور ويتحرك وينشط ويخفت في عالم السياسة والتجارة فقط ، لكن الواقع والحقائق تؤكد أن الصراح ملازم للبشرية منذ بداياتها وتتحكم فيه عوامل عديدة تتحدد في ضوء طبيعة الصراع وعناصر القوة والضعف فيه ومدياته الزمانية والجغرافية، ولأن النفس البشرية تتوق لما هو أقرب إلى احتياجاتها فإن النظرة إلى الصراع ارتبطت بالثقافة العامة لدى البشر بعناوين واضحة تقترب وتبتعد في ضوء أهميتها لهم وعلاقتها بطموحاتهم ورغباتهم وحاجاتهم اليومية والدائمية، ولأن السياسة تصدرت اهتمامات الناس وطغت على حياة الأمم والشعوب، فإن مفهوم الصراع بمستواه الأعلى ارتبط بشكل أو بأخر بذاك المتعلق بالتنافس على استحواذ الامبراطوريات على أوسع مساحات من الأراضي في العالم، ورغم الحديث عن اهداف تبشيرية لهذه الحملة أو تلك وأن الهدف الرئيسي من جرائها يرتبط بقضية دينية وعقدية، فإن السمة الأعم لتلك العمليات التوسعية التي تتم بالقوة العسكرية وتهدر خلالها الدماء لا تبتعد في جوهرها عن البحث الدؤوب وبذل الجهود في سبيل الوصول إلى أهداف ذات طبيعة نفعية، ولهذا فقد ارتبط الحديث عن الصراعات في العالم في مرحلة لاحقة بالاستعمار، ورغم محاولة تغليف هذا المصطلح بسمة التثقيف والتعليم وادخال الدول والمجتمعات في خانات حضارية أو حداثوية في مراحل لاحقة إلا أن الأمم والشعوب بقيت نظرتها إلى جميع الحملات الاستعمارية من زاوية محددة لا يمكن الابتعاد عنها بصورة مطلقة والاقتراب من تلك المزاعم، فالجميع يرى في الحملات الاستعمارية عبارة عن مشاريع واسعة تحركها مصالح دول وتتحكم فيها قوى وشركات عظمى، ويتصدر ذلك المستوى الأعلى للصراع الذي يضع في طواحينه متعددة الأشكال والألوان والأنواع أعداد كبيرة من البشر سواء كانوا من الدولة الطامحة في بسط سيطرتها عبر صراع مسلح أو شبه مسلح، أو شعوب الدول المستهدفة في مشروع الصراع ذاك.
لكن الصراع في مستوياته الأخرى قد لا يقل أهمية وخطورة عن ذاك الذي ينشب أو ينمو لأهداف كبيرة، وفي حال نظر البعض إلى الصراع في مستواه الأعلى ولم يتركوا مساحة لنقاش الصراعات بمستوياتها الأخرى، فإن تقدير الموقف في الكثير من التداعيات قد يكون متضمنا أخطار غير منظورة من قبل الكثيرين، وهنا نتحدث عن صراعات النفس البشرية ومالذي يحركها وكيف يمكن التعاطي معها على مستوى الذات وقدراتها، وهل يمكن اخمادها بذريعة أن بعض الصراعات يجب أن لا تظهر بصوت عال، وأن الجدران الاجتماعية وبعض التقاليد تفرض اطواقا على تلك الصراعات الداخلية ، التي تحتم طيها بالإرغام ووضعها تحت وسادة يعتقد البعض أنها ابدية ، لكنها قد تتململ وربما تنفجر في ظرف وتوقيت سييء.
وثمة الصراعات البينية، التي قد يخطيء البعض ويتصورها كبيرة ويزيد من كيانها فيكون انفجارها في غير محله وبدون أي حاجة، وبذلك قد يحطم هذا الصراع – الوهم الكثير، وتلحق خسائر فادحة بهذا الطرف أو ذاك.
وفي حال فهم الكثيرون مستويات الصراع قبل الحكم عليها ومآلاتها فإن التحكم بها قد يكون الحل الأنجع.

إلى الأعلى