الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيري والمراوحة في ذات المكان !

كيري والمراوحة في ذات المكان !

د. فايز رشيد

” جولة كيري الجديدة قد تقود إلى جولة جديدة من المفاوضات الصهيونية مع الجانب الرسمي الفلسطيني, هذه إن حصلت ستحمل معها تدميرا جديدا للقضية الفلسطينية والمشروع الوطني, الذي يعاني من أزمات عديدة عنوانها: الانقسام الفلسطيني وعدم تجاوزه, وإصرار السلطة الفلسطينية على نهج المفاوضات مع العدو رغم تجربة لها فاشلة امتدت 22 عاما”
ــــــــــــــــــــــــــ
استبق كيري جولته الجديدة في المنطقة, بدعوته المسبقة للفلسطينيين والإسرائيليين بالتهدئة، ووقف أعمال العنف في الضفة الغربية والقدس، ذلك بحسب المتحدث باسم الخارجية الأميركية “جون كيربي”. ونقل المتحدث باسم الوزارة عن “كيري”، دعوته الطرفين لاتخاذ خطوات من شأنها وقف أعمال العنف وتحقيق السلام، وذلك في الموجز الصحفي اليومي له، مساء الأربعاء الماضي, وجدد كيري وصفه لعمليات الطعن التي يقوم بها الفلسطينيون ضد الإسرائيليين بـ”الأعمال الإرهابية”، لكن اللافت في الأمر أنه خلع نفس التوصيف على العمليات المماثلة التي يقوم بها “الإسرائيليون” بحق الفلسطينيين في مدينة ديمونة جنوبي إسرائيل، وذلك بعد أن تهرب عن وصفها بذلك خلال تصريحات أدلى بها الأسبوع الماضي.
جدير ذكره: أن العدوان الصهيوني على أهلنا في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة متواصل حتى اللحظة (الجمعة 16 أكتوبر الحالي)، وهو ابتدأ منذ الأول منه. وذكرت وزارة الصحة الفلسطينية في بيان صحفي الأربعاء (قبل يومين)، أن 32 فلسطينيا استشهدوا (حتى تلك اللحظة)، بينهم سبعة أطفال وأم، في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، منذ بداية الشهر.
لولا الضوء الأخضر الأميركي لما تجرأت “إسرائيل” على القيام بكل هذه الجرائم الفاشية, المشابهة تماما لما اقترفته حليفتها الاستراتيجية تجاه سكان أميركا الأصليين من الهنود الحمر. إن ورقة الضمانات الاستراتيجية الأميركية للكيان عام 2004 تؤكد ذلك، كما تاريخ العلاقة بين الطرفين، من خلال تسابق مرشحي الرئاسة والرؤساء الأميركيين الفائزين في كسب الرضا الصهيوني واللوبي الممثل له في أميركا. لذا فإن ما تقترفه إسرائيل من جرائم سيُفسّر أميركيا “بأنه دفاع عن النفس” , وأن الفلسطينيين, المحتلة أرضهم والذين يدافعون عن حقوقهم في الحياة, حتى لوقاموا برشق دبابات الاحتلال وقطعان مستوطنيه ومستعربيه, بالحجارة سيتهمون بـ “الإرهاب”! . يدرك زعيم الليكود وائتلافه الحكومي أن حليفته الاستراتيجية ستدافع عن جرائمه في مجلس الأمن ( الذي سينعقد مساء اليوم الجمعة) وستحميه من أي قرار إدانة لمذابحه بحق شعبنا.
ليس من الصعب على المراقب استشراف أهداف جولة كيري وأنه سيزور دولة الكيان, ورام الله للالتقاء بكل من نتنياهو وعباس, وأعلن مسبقا: أنه قد يجتمع بهما في لقاء ثلاثي في العاصمة الاردنية عمان, باعتبارها مكانا مناسبا للقاء العتيد. من زاوية أخرى, فإن نتنياهو دعا عباس إلى لقاء بينهما دون شروط مسبقة. كيري سيمارس ضغطا على الرئيس عباس من أجل الاجتماع برئيس الوزراء الصهيوني, الاجتماع الذي سيمتص انكشاف الجرائم الصهيونية أمام الرأي العام الشعبي على المستوى الدولي, وسيخفف من انعكاسات حدة كثافة الإجرام الصهيوني والقتل العمد للفلسطينيين, حتى لأولئك الأطفال الذاهبين إلى بيوتهم, والذين قد يشُك (مجرد شك) الجنود الصهاينة في نواياهم, فيقومون بإطلاق الرصاص على الأماكن القاتلة في أجسادهم ( منطقتا القلب والرأس)!. كيري لا يرى هذا المشهد بكامله! هو يوازن بين المغتصب للأرض والمزنّر بأحدث أنواع الأسلحة والمحتلة أرضه من الفلسطينيين العُزّل إلا من الإرادة والحجر والسكين !؟ وبين الجلاد القاتل السوبر فاشي الصهيوني! هل يُعقل هذا؟. ما نقوله هو حقائق يعرفها القاصي والداني, فالعلاقات الأميركية “الإسرائيلية” على درجة من التحالف الاستراتيجي الذي يقع خارج إطار الدخول في مرحلة تناقض, وهي خارج إطارالتدخل الفعلي من قبل أي إدارة أميركية حتى لمجرد إدانة جريمة إسرائيلية, وليس الجرائم ,كالتي يقترفها الكيان حاليا بحق شعبنا .
إن ما يبدو في بعض الأحيان من وصول حدث معين إلى مستوى الأزمة في العلاقة بين الطرفين هو محض خيال! هذا ما لا نقوله نحن فقط وإنما تثبته الوقائع . خذ مثلاً أوباما نفسه وخطابه الشهير في جامعة القاهرة والموجّه للمسلمين والعرب، ومراهنات كثيرين من العرب والفلسطينيين والمسلمين على الجديد في مواقفه من “إسرائيل”. أوباما باختصار تنصّل من كل وعوده، وأصبح يردد الحل والتسوية “الإسرائيلية”. أوباما ابتلع إهانة نتنياهو له وتحدّيه, بإلقاء خطابه في الكونجرس وعدم التنسيق مع الإدارة الأميركية! ماذا فعل الرئيس الأميركي ووزير خارجيته كيري ردّا على الإهانة؟ ذلك أيضا رغم تطاول نتنياهو عليهما في قلب عاصمة بلديهما! هكذا عوّدتنا الدولة السوبر عظمى في علاقاتها “الإسرائيلية”: كل شيء مسموح للكيان وقادته.
جولة كيري الجديدة قد تقود إلى جولة جديدة من المفاوضات الصهيونية مع الجانب الرسمي الفلسطيني, هذه إن حصلت ستحمل معها تدميرا جديدا للقضية الفلسطينية والمشروع الوطني, الذي يعاني من أزمات عديدة عنوانها: الانقسام الفلسطيني وعدم تجاوزه, وإصرار السلطة الفلسطينية على نهج المفاوضات مع العدو رغم تجربة لها فاشلة امتدت 22 عاما, أما السلطة الثانية في غزة فهي تطمح إلى عقد هدنة دائمة مع العدو الصهيوني مقابل تنازلات بسيطة للعدو, لا تلغي حقيقة احتلاله لقطاع غزة. أية مفاوضات مع العدو ستزيد من شهيته للمزيد من التنازلات الرسمية الفلسطينية. وهذا ما سيضغط باتجاهه كيري. أية مفاوضات جديدة مع الكيان, وستعمل على تجيير مكاسب الهبة الشعبية الفلسطينية الجارية حاليا إلى غير ما هو مفترض عليه في استثمارها.
إن أحد المقررين الأساسيين للسياسات الاستراتيجية الأميركية (وخاصة بالنسبة لإسرائيل) وإضافة إلى المجمع الصناعي العسكري المالي المتعاون مع الإيباك (فيما يخص دولة الكيان), هو التجمع الصهيو – مسيحي الداعم الأساسي للكيان. بالتالي, من الخطأ المراهنة على جولة كيري!, والسلطة مطالبة حتى بعدم الاستجابة لضغوطاته من أجل المشاركة في اللقاء الثلاثي العتيد المنتظر.

إلى الأعلى