الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مركب الإتحاد الأوروبي التائه في بحر الأزمات

مركب الإتحاد الأوروبي التائه في بحر الأزمات

د.أحمد القديدي

” نعم يا للهول ونحن عاجزون عن وضع أيدينا على مصائرنا والتحكم في مجرى تاريخنا. ولسنا وحدنا في هذا الوضع بل إن القارة الأوروبية بإتحادها وتراثها السياسي وعلاقاتها المتينة مع هذا المشرق تشكو اليوم من هزال دولها وهشاشة مؤسساتها وقلة حيلتها أمام تفاقم الأزمات الخطيرة في عقر ديارها وفي العالم من حولها ولا حول لها ولا قوة أمام سونامي الأحداث المتلاحقة!”
ــــــــــــــــــــــــــــ
كان زمان! غنت أم كلثوم! كان زمان و في مارس 1916 وقع وزير خارجية فرنسا (بيكو) مع وزير خارجية بريطانيا (سايكس) معاهدة تحمل اسميهما. كان ذلك منذ قرن. و دارت الأيام ! كما غنت أم كلثوم أيضا حتى وصل العالم إلى إتفاقية مستنسخة مع بعض التحوير وتحمل اسمين مختلفين لرجلين آخرين وزيرين للخارجية هما (جون كيري) و(سيرجي لافروف) وتلك الأيام نداولها بين الناس ! تغيرت القوى العظمى ولكن الذي لم يتغير هو المشرق الإسلامي الضحية! لأن كلا من الثنائي (سايكس- بيكو) والثنائي (كيري – لافروف) يتقاسمان مع الأسف بعد قرن من الزمن نفس التركة لذات الرجل المريض! يا للهول! كما صرخ فقيد المسرح العربي يوسف وهبي في أحد أفلامه الأبيض وأسود! نعم يا للهول ونحن عاجزون عن وضع أيدينا على مصائرنا والتحكم في مجرى تاريخنا. ولسنا وحدنا في هذا الوضع بل إن القارة الأوروبية بإتحادها وتراثها السياسي وعلاقاتها المتينة مع هذا المشرق تشكو اليوم من هزال دولها وهشاشة مؤسساتها وقلة حيلتها أمام تفاقم الأزمات الخطيرة في عقر ديارها وفي العالم من حولها ولا حول لها ولا قوة أمام سونامي الأحداث المتلاحقة!
اليوم تواجه أوروبا أكبر موجة مهاجرين من نفس هذا الشرق الأوسط وتعجز آلياتها المشتركة صلب إتحادها عن الإتفاق حول حلول ولو مؤقتة واستعجالية للمعضلة وصدق أحد الشباب التوانسة هذا الأسبوع حين كتب على جداره بالفيسبوك قائلا: “نحن في تونس عدد مواطنينا 11 مليونا واستقبلنا عام 2011 ما يقارب مليوني من الأشقاء الليبيين دخلوا على أفواج من حدود (راس جدير) وأكرمناهم كما أكرمونا هم في ليبيا حين هاجرت قبائل تونسية إلى ليبيا منذ أحداث سنة 1911 ثم أحداث 1952 ! و كذلك فعل الشعب التونسي مع أشقائنا الجزائريين إبان الثورة المباركة من 1956 إلى 1961 ! و اليوم أوروبا القارة المتحدة ذات ال508 ملايين ساكن (حسب إحصاءات منظمة يورو ستات سنة 2015) عجزت عن إيواء 456 ألف من البؤساء السوريين والعراقيين والأفارقة الفارين من الحروب والناجين من القصف والإرهاب والإبادة.
كتب هذا الأسبوع الخبير الفرنسي (رينو جيرار) في صحيفة (لوفيجارو) يقول :”إن لأميركا استراتيجية ولروسيا استراتيجية وللصين استراتيجية إلا نحن في الإتحاد الأوروبي فبالرغم عن مؤسساتنا الإتحادية العريقة والراسخة وبالرغم من 28 دولة تشكل الإتحاد و 751 عضوا منتخبا في البرلمان الأوروبي و55000 من كبار الموظفين يعملون في مختلف مؤسسات الإتحاد فإننا نحن المواطنين الأوروبيين نشعر أننا في مهب الريح ولا يحمينا أحد من مخاطر هذه العولمة المفروضة علينا! ويحلل الخبير الفرنسي أسباب فشل الإتحاد الأوروبي فيقول :”إن لفشلنا أسبابا ثلاثة أولها إخفاق التنسيق الاقتصادي منذ أن اجتمعت قمة أوروبية في لشبونة عاصمة البرتغال سنة 2000 ووضعت ميثاق تنمية مشتركة في خطة عشرية تمتد إلى 2010 التزمت فيها الدول الموقعة بوضع القارة الأوروبية في طليعة اقتصاديات المعرفة أي القائمة على تكنولوجيات الاتصال والخبرة الرقمية ثم العمل على تحقيق التشغيل الكامل للخريجين والوافدين على أسواق الشغل مع تحسين نوعية الحياة وتحقيق الرفاهية! ويتساءل الخبيرأين هذه الأحلام الطوباوية اليوم ونحن غارقون في عكس هذه الأمنيات لم نصل إلى درجة ابتكار حلول لمعضلة لم نتوقعها وكان المفترض أن ننتظرها ونستعد لها وهي معضلة الهجرة! ويفسر الخبير الفرنسي هذا الفشل بعدم إلزامية القرارات الأوروبية والمناورات الانتخابية في كل الدول والتي تدفع السياسيين للكذب والتسويف والديماجوجيا.
السبب الثاني هو فشل الإتحاد في فرض المنظومة القانونية الأوروبية على المجتمع الدولي بينما تعتبر فرنسا نفسها أم القانون الحديث منذ القرن الثامن عشر لأن الولايات المتحدة هي التي فرضت المنظومة القانونية الأميركية على العالم و أحدث مثل على هذه الحقيقة هو الحكم الذي أصدرته محكمة أميركية ضد بنك (بي إن بي) الفرنسي بتغريمه بدفع 9 مليارات دولار للخزينة الأميركية كتعويض على ما يعتبره القانون الأميركي مخالفة لقوانين الاستيراد بتمويل صادرات سودانية و إيرانية وكوبية (وهي إجراءات لا تخالف القوانين الأوروبية ) و بذلك تصبح واشنطن المصدر الأساسي للقانون الدولي !
أما السبب الثالث للإخفاق الأوروبي هو بالطبع عجز الإتحاد عن الوصول إلى حلول إنسانية وسياسية وقانونية لموجات المهاجرين الراهنة لأن هذه الموجات تحولت بسبب السياسات الداخلية لكل دولة أوروبية من قضية إنسانية إلى إشكالية حضارية طرحت على المجتمعات الأوروبية صدامات مع الإسلام ذاته و مع ثقافات مختلفة كأنما أصبحت تهدد الهوية الدينية والعرقية حسب تعبيرات المتطرفين اليمينيين الأوروبيين ! وقد هب الرئيس الفرنسي فؤنسوا هولند ونظيرته الألمانية أنجيلا ميركل يوم الثلاثاء الماضي إلى البرلمان الأوروبي في بروكسل وألقى كل منهما خطابا على المنتخبين الأوروبيين لتوضيح خطتهما المشتركة والمعروضة على أعضاء الإتحاد وهي خطة مرتجلة ولكنها تنقذ ما يمكن إنقاذه من مصالح الدول الأعضاء باقتراح توزيع عادل للمهاجرين على كل دولة أوروبية حسب رغبتها وفي حدود أمكاناتها و بالتوازي تنفيذ خطة لإعادة ما تبقى من المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية ثم العمل على مساعدة البلدان المجاورة لسوريا على تحمل أعباء إيواء ملايين المهاجرين في مخيمات تشرف عليها المنظمة الأممية إلى جانب الاستعداد لما هو أخطر في المستقبل في حالة ما إذا استمرت الحروب الأهلية في المشرق الغربي وتمدده الى ليبيا واليمن وبلدان أخرى تتأثر حتما بأوضاع العالم العربي المتفجر. هذه مصائب الإتحاد الأوروبي ومخاوفه الكبرى وهي حقائق جديدة فرضتها عولمة فوضوية طاغية.

إلى الأعلى