السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ

كلمات

زهير ماجد

يحاربوننا بالكلمات .. ونكبر بالكلمات

وحدوا أنفسكم واقهروا التعصب والأوغاد..
اقضوا على الخطب المضللة والسفسطة
المخزية والتاريخ الكاذب .. لاتتركوا
الجهل يخضع العلم . فولتير

يغود الكاتب إلى قلمه، هو لم يتركه في الاساس، وانما اراد استراحة ظل العقل يشتغل بلا انقطاع، لم يهدأ في السياسة وكلما فكر بالاحداث انفعل. انها اليقظة المرجوة لمن ارادوا التفكير بصوت عال او حتى بأشدها انخفاضا. لانعرف من اشتاق للآخر، القلم أم الكاتب، الحروف والكلمات أم مفكرها، سيان في هذه الحال، لأن هنالك وحدة بينها جميعا.
استراحة الكاتب شبيهة بأسلحة المحارب، فهو يجلس لينظف سلاحه، ويعيد النظر بخططه، ثم يعيد ملء مخزن سلاحه بالرصاص. أما الكاتب، فوسيلته تظل هي هي، الفكرة او الافكار لأن عالمنا عالم الجملة وليس المفرق، وآلية التعبير، ويمكن له ان ينظف ايضا بعض ماذهب اليه في السابق او يخفف منها.
كان الشاعر شيللي يقول اللهم اجعلني مفهوما، لكن الشاعر بابلو نيرودا سعى في بعض ماكتبه إلى الغموض الجميل .. لكن كاتبا بلا قرّاء مشكلة، ولأن مشكلة القراءة في عالمنا العربي نعيد فيها ونقول دائما حول اشكاليتها، تشعرنا ككتاب بالأسى وبإحساس من النعاس الدائم .. الكلمة المكتوبة مثل السمكة لاتعيش إلا في بحرها، اي جمهورها .. عالمها استثنائي، أغار كثيرا حين أزور الغرب لأرى كم هي القراءة مقدسة لدى أناسه، وكم هي مبجلة وأساسية في حياتهم. كيفما ذهبت ترى الكتاب او المجلة او الصحيفة في ايديهم، لا ايمان بالفراغ، عمل او قراءة. اما عندنا، رغم اننا امة موهوبة، فان من اخترع الهاتف الخلوي انما من اجل تحويل فراغ شعوبنا الى ماهو اشد فراغا ومضيعة للوقت، كل من يحمل جهازا اما انه يتحدث الوقت الطويل عليه، او يحرك اصابعه في ألعاب مختزنة فيه.
يقول الصديق الشاعر السوري نزيه ابو عفش ان الشاعر او الكاتب لديه فقط عدد سنوات التجلي المهم في كتابته والباقي إعادة لما كتب باشكال ومعان مختلفة. اكتشف بعد عمر ان مراحل كتابتي مرت بأشكال مختلفة .. لدى نزيه الحق فيما قاله، مع أن بعض الكتاب يتمنى لو انه يعيد ماكان كتبه في عمر معين .. النضج مشكلة، لأن ماهو خارجه يتحول إلى تجربة غير مغرية لكاتب حاذق مجرب ناضج. تشبيه الشاعر نزيه أقرب إلى عملية الحب التي أشدها المرة الاولى وقعا على النفس، ومن يتخلص منها ينجو بأعجوبة، لكنه بعد ذلك سيتحول إلى ماهر باعتبار أن ماقاله في المرة الاولى سيعيد تكراره مع فتاة قد تكون احلامه او لاتكون.
اذكر ان حبي للكتابة بدأ مبكرا، فمواضيع الانشاء يوم كنت طالبا أرضت كثيرا معلم العربية وكانت ملاحظاته انها اكبر من عمري .. وحين كبرت قليلا نفدت جريدة كتبتها بخط يدي، ثم جاء اليوم الذي رأيت فيه اسمي في احدى الصحف التي كانت تدعى في تلك الايام ” الى الامام “، وكان الموضوع موت الثائر الأممي تشي جيفارا .. فلقد صببت غضبي في كلمات لاأعرف من أين جاءت، هل هي من مخزون سابق، وهي كذلك، ام عملية توثب للدخول في عالم التعبير وما يحتاجه من افكار.
اليوم اقول ان اجمل الكلمات هي التي لم نكتبها او نقلها بعد كما يقول الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، وأن أجمل البلاد هي التي لم نرها بعد، وأجمل الأطفال هم الذين لم يولدوا بعد، وأنني ممتن للحياة التي امتدت بعمري كي يظل الكتاب صديقي والقلم رفيق الدرب، وإن كنا نكتب اليوم من خلال الحاسوب الذي يحتاج لمهارات من هم ولدوا معه وبصحيح العبارة فهؤلاء ابناء الحاسوب، اما نحن فمن ذاك القديم الذي رأى دائما في حاسوبه عالما لايمكن التفاهم معه بكل ماهو متوفر فيه. القلم يكتب بشكل سيال، اما الحاسوب فحرفا حرفا، صف حروف تنضح بالمعنى.
اعرف كاتبا عربيا يكتب بغزارة لكنه اصر على ان يكون القلم رائده في الكتابة. يشعر هذا الكاتب انه متخلف بعدما صار العالم في مكان آخر وهو مازال يشم رائحة الحبر والورق. لاشك ان هنالك كثيرا من الكتاب الذين يكتبون باشكال مختلفة، وكل منهم له اسلوبه الخاص في التعبير.
يعود الكاتب ليقول مافي داخله من عالم الحياة، ليجد ان متراسه هي الحقيقة، وعالمه هو العلم والمعرفة، ولسوف يشعر دائما بمدد التاريخ الذي يستند اليه، وان مايكرهه هو سفسطة الكلام النيء الذي لابراءة فيه. يذهب دائما الى الكتاب الذي يقترب من روح اهتمامه ومن احاسيسه ومن معنوياته ومن انتمائه وهي العروبة التي هي اقدس الاقداس والشعور الذي يظل حنينا مهما تقلبت الاحوال.
كيف للكاتب ان يخرج على ماضيه الذي كان، للوقوع في افخاخ مرحلة حالية سوف تعبر لكن اثمانها غالية. ثمة كثيرون من راقت لهم لعبة نقل البندقية من كتف، او بالاحرى نزعها نهائيا ضمن احساسهم بان المال الاصفر بديل. في الزمن العربي المعاش لابديل عن البندقية، ثمة عدو ثم اعداء، ثمة من يريد قتل بلاد بأكملها، وثمة من يساعد على ذلك من ابناء جلدتنا. اكثر الاوقات حاجة للرصاص هو اليوم، من لايكتب بالرصاصة فهو واهم، ” الكلمة اللي ماتكنش رصاصة خداعة وخاينة ” كما يقول شاعر مصري، وبكثير من الظن، فنحن امناء في ظروفنا الحالية على ان نسجل لاجيال قادمة أملا لاأن نترك لهم وحوشا كاسرة تقتل فيهم جسدهم الغض وافكارهم اللينة الطرية. اجيالنا القادمة بحاجة للكلمة التي كلما قرأوها عرفوا اننا من اخلص لهم تخليصهم من محن ومصاعب.
ولهذا يعود الكاتب ليقول ماهو عالم الغد من اجل انسان الغد العربي. للكلمات سحرها ووقعها على النفس البشرية، تبدأ الحروب بالكلمات احيانا، واحيانا بأسباب غير مبررة.. والعالم الذي اعتاد على حروبه او حروب الآخرين ، لاينقصه سوى ان يتفهم الآخر الآخر بكلماته وبسرها وبمضامينها.
بالكلمة تعمر بيوت، وبها تخرب.. ومن خلال الكلمة يبدأ حب عميق وبها ينتهي .. وبالكلمات يتفق العالم، تكتب المباديء بالكلمات وكذلك النصوص، بدأت الحياة بالكلمة، وعليها قامت حضارات استمر بعضها، لكن اكثرها انهار بفعلها ايضا. الخطيب المفوه يحرك شعبه بالكلمات، كان شيشرون خطيب روما الفصيح، وكان كذلك زعيم كوبا فيدل كاسترو، لكن اعنفهم كان ادولف هتلر، ومع شخصيته القوية وكاريزماه المعروفة، لم يكن لستالين قدرات خطابية، فيما عرف العالم العربي خطيبا رائدا هو جمال عبد الناصر.
تظل الكلمة ذاكرة الناس ومحط انفعالاتهم السلبية او الايجابية .. والناس كلهم من اقصاهم الى اقصاهم يعيشون عليها، يقتاتون منها وجودهم، هي حنين حين يراد لها ان تكون، وهي غضب وتوتر، ولكل مقام مقال كما قيل .. الا يبدأ المسلمون حروبهم بكلمة الله اكبر، تركيب نفسي لايمكن تجاوزه إطلاقا لأنه يساعد على العزيمة والقدرة ويمنح القوة، انه ايمان بخصائص فولاذية.
نحن لاننتبه الى أهمية عنصر الكلمة في حياتنا مع انها قائمة عليها وكأن دنيانا تجميع كلمات .. لنتصور حياتنا الاجتماعية فارغة من الكلمات وصامتة ..! هل يمكن التفاهم ، مع ان للنظرات احيانا سحرها .. عندما يدرس طالب المسرح او السينما فان التركيز الاقصى في التعبير هو في العيون، وقديما قيل انها صورة الروح .. اكثر الاغنيات شيوعا تلك التي تتناول العين كأن تصبح رمزا للماضي ” رجعوني عينيك لايامي اللي راحوا ” كما تقول احدى الاغنيات.
يتحدث الانسان يوميا آلاف الكلمات ومن خلالها يتعرف على يومياته ومطالبه ويؤمن مسيرته الدائمة. اذا عدنا الى السينما الصامتة في بدايتها، سنجدها مغفلة، عندما ادخل الحوار تغير مضمون الصورة صار لها معنى وصارت اكثر تأثيرا.
بالكلمات يعود الكاتب اذن ليبث وجدانه .. انه يتعرف على قرائه دون ان يراهم .. لابد من قاريء ولو واحد فكيف اذا كانوا كثرة او قلة .. واجمل القراءات هي النقدية، تلك التي لاتقبل تمشية الحال بل التوقف عند الافكار وتفسيرها وتشريحها .. تظل ذاكرة الكلمات مؤثرة اذا خضعت للنقد.. اذا قيل فيها مايوجب قوله من تعليق يخرج عن الشخصنة ، حيث عالمنا مركب منها بكل اسف.
وبالكلمات الموهوبة يتحرك العالم، هذا الزعيم يخاطب شعبه، وذاك يحثهم على فعل ما، وذاك يأمرهم مثلا .. فماذا لو كانت الكلمات دبلوماسية ايضا، وتلك لها خصائص لايعرفها الا اهلها الدبلوماسيين، هم يتعلمونها، يصبح لكل كلمة معنى غير المتعارف عليه احيانا، يمكن لكلمة غير مدروسة ان تطيح بتفاهم كبير او باتفاق كاد ان يقع، او ربما الى استنفارات وحروب.
مايحصل للعالم العربي اليوم سفسطة وحرب ناعمة تقاد بالاعلام وبالتصريحات وبالكلام المنمق الذي هو سم في دسم، ويراد لعالمنا ان لايماشي التقدم، ان ينجح الجهل في السيطرة عليه .. لذلك يقتلون فيه الوقت والزمن المنتج، يحرضون ابناءه على بعضهم البعض، ثمة اكثر من جيل معرض للجهل والامية، ألم يقل وزير الدفاع الاميركي السابق رامسفيلد انه سيعيد العراق الى العصور الجاهلية .. لهذا تنفق اموال الغرب ، وعلى هذا تتم الاتفاقات .. يخافون من العرب امتلاك الوعي الذي يؤدي الى نصرة الذات . اذا احصينا عدد المكتبات العربية التي تم تدميرها من قبل الغزاة لكانت بالعشرات وربما اكثر ، هكذا حرضت زوجة هولاكو زوجها على تدمير مكتبات بغداد كي لايتمكن العرب من التقدم كما قالت له.
هكذا تصبح العودة الى الكتابة مليئة بالحقيقة الساطعة .. وكلما توغلنا في الحقيقة، عرفنا اكثر .. العربي اليوم هدف ليس للقتل فقط ، بل للتجهيل ، فلا تسلموا بما يقوله الغرب حتى لو كان كلاما طيبا لأن في باطنه سموم مدروسة بعناية.
سوف نظل نكتب، انها الكلمات الصافية التي تود لو يقرأها كل عربي من مسقط إلى المغرب ..

زهير ماجد

إلى الأعلى