السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : الحل.. سياسي بامتياز

العين .. الثالثة : الحل.. سياسي بامتياز

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

وضع مصدر رسمي في المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أمام الرأي العام حقائق مثيرة، بعضها كان يتداول اجتماعيا، والأخرى كانت غائبة، والمصدر يعتقد أنه بذلك يقوم بالتهيئة النفسية المجتمعية لخطوات حكومية جديدة، ولم يعتقد أن انكشافاته سيكون لها ردة فعل عكسية، فعندما يقول إن عدم وصول سعر برميل النفط الى (60) دولارا أميركيا، فإن ذلك لن يغطي مرتبات الموظفين، وهو بذلك يحاول أن يفتح النفسيات لقبول الخطوات المقبلة، غير أن رسالته لم تصل، مما أخذت منحى آخر تماما شكلا ومضمونا، حيث وصلتنا كتلويح (…) بضرورة قبول الخطوات الحكومية المقبلة مقابل الحفاظ على المرتبات، وفي كلتا الحالتين، فإننا نتساءل عن ادارة الحكومة للازمة النفطية منذ بداية عام 2015 عندما بدأت عملية انهيار الأسعار تأخذ صفة التنازل المستمر دون وجود أية مؤشرات للصعود؟
كما كشف المصدر نفسه عن حقيقة أخرى، وذلك عندما أوضح أن تغطية المرتبات واستخراج برميل النفط ينبغي أن يكون سعر برميل النفط أكثر من (70) دولارا حتى يمكن تغطية النفقات ودفع المرتبات، ونفطنا لم يتجاوز (50) دولارا غالبا ومنذ فترة زمنية طويلة نسبيا، وهذا يعني كذلك أن استخراجنا للنفط فيه خسارة للدولة، فهل تعويض هذه الخسارة سيكون من خلال رفع الدعم عن المحروقات وفرض ضرائب على التحويلات المالية، ورفع نسبة بعض الرسوم … – وفق التسريبات – وكشف كذلك المصدر أن (90%) من حجم الأيدي العاملة العمانية في القطاع الخاص تعمل في (10) شركات فقط ، وغالبية الشركات الأخرى تشغل (10%) ، وهذا خلل يدلل على قصور غالبية الشركات في تحمل مسئوليتها الوطنية من جهة، كما توضح أن غالبية الشركات في بلادنا غير منتجة لفرص العمل، فماذا تستفيد منها الدولة؟ ربما الضرائب، إذن ما مركزية عوائد النظام الضريبي في موازنة البلاد؟ فكيف لم يصبح أحد مصادر الدخل البديلة؟ وهل كل الشركات تدفع الضرائب بانتظام؟ وما هو تأثير الـ(10) الشركات التي توظف (90%) على عملية مساهمتها الضريبية ؟ لم نسمع في يوم من الايام حالة شركات للقضاء بسبب تهربها الضريبي؟
هناك خطأ واضح في إدارة الواقع بعد اندلاع الأزمة النفطية، فاستمرار الانفاق كما هو مخطط – مؤشر استدلالي – والرسائل التي تخرج من مرحلة التهيئة النفسية المجتمعية تشير الى عدم امتلاكنا لقدرات كافية لمقاومة انهيار اسعار النفط ، فهل استمرار مثل هذه الأزمات لم تكن ضمن الرؤى الاستشرافية لعقولنا الوطنية؟ تلكم الرسائل تنقصها الواقعية، ورغم كل ذلك،لايزال الغموض والسرية يكتنفان الخطوات الحكومية المقبلة، وهما بذلك يتركان للتسريبات والغموض يشكلان الرأي العام بصورة سلبية، ويثيران المجتمع الى حد السخرية والتهجم من بعض الكتابات ومن بعض البرامج الإعلامية، إلى متى سيظل الصمت ملازما الخطوات الحكومية؟ ربما حتى معرفة الرأي العام ونضوجه، فهل ما تم تسريبه حتى الآن ينضج الرأي أم يثيره ؟ ومن يجهل طبيعة المجتمع العماني يخطأ في كيفية التعامل معه، ويخطأ كذلك في التخاطب معه، وهذه الإشكالية يغرق فيها الأداء الحكومي عندما يحاول الآن حل قضية تداعيات الأزمة النفطية من المنظور المالي فقط، ومن الزوايا الاجتماعية غالبا، ويغرق فيها كذلك بعض الكتاب الصحفيين الذين لم يقدروا وعي هذا المجتمع حق قدره، ولا مبلغ فهمه، ولا الوسائل الاتصالية الجديدة التي يعبر به عن آرائه بكل حرية وشفافية دون رقيب ودون حراس بوابات الفكر والرأي الآخر، إذن ينبغي الاعتداد بقوة الرأي العام، لأنه قد أصبح رقما فاعلا من أرقام الحسم أو التأثير على الخيارات والاختيارات التي تمس جوهر التنمية الشاملة في بلادنا، كان يفترض من الفريق المالي أن يبادر مع تعاظم الانهيار في الاسعار النفطية الى إعادة النظر في الخطتين السنوية والخمسية، واعداد خطة واحدة مركزة على الأولويات الانفاقية والاستثمارية بحيث لا تمس توازناتنا الاجتماعية ولا الاقتصادية، بدلا من الاستمرار في الانفاق والاستثمار وكأننا أمام أزمة سوف تختفي بين ليلة وضحاها، طالبنا في مقالات سابقة بوقف مشاركتنا في المؤتمرات والندوات المستنزفة للأموال كمعرض اكسبو ميلانو .. الخ وبدأ وضعنا وكأننا نصرخ في واد سحيق، وحتى الآن لم نلحظ أي متغيرات باتجاه التعامل الايجابي مع هذه الأزمة، فمشاركتنا في معرض للكتاب بالمانيا نموذجا استدلالي أخر، المشهد بدأ لنا متناقضا تماما بين التصريحات التي تخوفنا من الازمة المالية وبين التصرفات والممارسات الحكومية، لن نعيد ما قلناه في مقالنا السابق ،، الحكومة ..أولا،، والذي اشرنا فيه الى صور عديدة تعكس لنا استمرار اشكالية الانفاق الحكومي وكأننا في وضع طبيعي، وتقدم لنا الحكومة كإثبات إدارتها للازمة، سبع منشورات تتعلق بالحد من استخدام السيارات الحكومية، ولم يحدث ذلك – وبشأن عقلنة فاتورة الكهرباء ولم يحدث و.. الخ وفي العموم كلها مجالات لا تنفذ للإدارة الحقيقية للازمة التي تتمكن من خلالها توفير سيولة مالية لازمة، وهذه قدرة غائبة أو مغيبة، فكيف ترسل لنا رسائل بانعدام القدرة الكافية للمقاومة ؟
بكل صراحة، يمكن القول إن الأزمة الراهنة في جوانب كثيرة منها فوق وزارة المالية، بمعنى أن حلها سياسيا وليس ماليا خالصا، فتقليص حجم الانفاق على بعض الوحدات الحكومية ،، قرار سياسي ،، والتقليص من حجم الوحدات الحكومية واللجان ،، قرار سياسي ،، والقرار السياسي ينبغي أن لا يطلق يد الهوامش المالية حتى لا تمس جوهر السياسة الاجتماعية للدولة أو حتى تحسين الوضع الاجتماعي، فبلادنا تتوفر فيها قدرات كافية للمقاومة وليس كما يخرج من رسائل التهيئة النفسية المجتمعية .. فهل الضرورة تحتم تشكيل فريق من الحكومة ومجلس عمان والقطاع الخاص لتقديم مرئيات عاجل للقرار السياسي؟

إلى الأعلى