السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / (الوطن الأقتصادي) يفتح ملف الخطة الخمسية التاسعة (6)

(الوطن الأقتصادي) يفتح ملف الخطة الخمسية التاسعة (6)

مرتضى اللواتي:
ينبغي إيجاد سياسات عملية لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتعزيز القيمة الاقتصادية المضافة
ـ نظامنا التعليمي لا يتجاوب مع مقتضيات العصر ولا بد من ايجاد الحلول للمشكلة

ـ بقاء أسعار النفط في حدود ٦٠ دولارا للبرميل هي بالكاد تكفي لبند رواتب موظفي الحكومة

ـ الاهتمام بالتنمية البشرية يقتضي بناء اقتصاد قوي ومتنوع قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل

ـ نجاح أي سياسية اقتصادية مرهون بإجماع الجميع للعمل من أجلها والبذل في سبيلها

ـ من الصعب الاستمرار في أساليب الإنفاق السابقة دون مواجهة تبعات اقتصادية صعبة وعلينا تهيئة المجتمع

ـ هناك جهات رقابية مستقلة قادرة على مراقبة العملية التنفيذية بمجملها أكثر من مدخل التحقيق والتفتيش والعقاب

أكد مرتضى بن حسن اللواتي رئيس سابق للجنة الاقتصادية بمجلس الدولة وأحد المساهمين في الإعداد للرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 أن واحدة من أولويات الخطة الخمسية التاسعة هي إصلاح جذري وشامل للنظام التعليمي مطالبا بإعطاء اهتمام أكبر للتعليم الفني والتقني والمهني وجعله يتجاوب وبسرعة مع المتغيرات السريعة وتحفيز مواطنينا على العمل في المهن المختلفة وزيادة الاعتماد على الذات وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب مع إيجاد تحولات فكرية وثقافية تساهم فيها كل الفئات والأطراف الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ويكون للمؤسسات التعليمية والإعلامية الدور الريادي فيها.
وقال اللواتي في حديث لـ(الوطن الاقتصادي) من المهم أن تنصب الجهود خلال فترة الخطة القادمة على إكمال المشاريع التي تم البدء بها وتعديل أو تأخير المشاريع الاخرى وبذل محاولة حقيقية لإعادة التوازن للميزانية العامة للدولة وتخفيف الضغوطات التي قد يتعرض لها الريال العُماني وبذل كل الجهود لايجاد فرص عمل للمواطنين عن طريق الوقوف على حجم المشكلة وجذورها وبذل كل الجهود لمنع حصول ركود اقتصادي أو التقليل من اثاره حيث إن أي ركود قد يفرز اثارا اجتماعية مضرة وغير محمودة.
وأوضح اللواتي أن من التحديات الكبيرة التي نواجهها هي في كيفية تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل المختلفة القادرة على استيعاب الباحثين عن العمل اللذين سيزدادن سنويا، فالنفط هو السلعة الوحيدة تقريبا الموجودة كمصدر للإيرادات الحكومية، وكلما نستخرج النفط فان ذلك يؤدي الى خصم مستمر من الثروة دون ان تتحول الى دخل إنتاجي مشيرا أن التحديات التي نواجهها هي في كيفية السيطرة على الإنفاق الاستهلاكي.
وهذا نص الحوار

* يرى مراقبون ومتابعون أن هناك الكثير من التحديات التي تواجهها السلطنة خاصة فيما يتعلق بتطوير التعليم وتنويع مصادر الدخل وتوفير فرص العمل واستثمار الفرص والمقومات الاقتصادية المختلفة.. كيف ترون أهمية أن تعمل الخطة الخمسية القادمة على النهوض بهذه القطاعات وتعزيز مكانتها ودورها في مسيرة العمل التنموي خلال السنوات القادمة؟
** بالفعل نحن نواجه كما هو الحال في بلدان عديدة، تحديات كثيرة ومتنوعة في عالم يتطور ويتغير بسرعة، تحديات تنويع مصادر الدخل وتحديات تعليمية وفنية واجتماعية وتوفير الفرص للداخلين لسوق العمل وزيادة الإنتاجية وجذب الاستثمارات وزيادة الميزة التنافسية للبلد وهي كلها قضايا مترابطة مع بعضها البعض وعلينا مواجهتها معا مؤسسات وافراد.
من أحد مفاتيح التنمية الحقيقية هو التعليم ومشكلتنا الكبرى أن هذا الموضوع لم يعط الاهتمام النوعي الكافي بغض النظر عما قيل وكتب في المؤتمرات والندوات التي عقدت والدراسات التي عملت، إن نظامنا التعليمي لا يتجاوب لا مع مقتضيات العصر ولا مع مقتضيات التنمية ولا بد من قيام حملة أقرب الى الجهاد لحل هذه المشكلة، وهذا الهدف يجب ان يكون في اولوية الاولويات وهذا يتطلب إصلاحا جذريا وشاملا للنظام التعليمي الذي لا يقود الطالب إلا الى شيئين في معظم الاحوال: وظيفة كتابية صغيرة او المواصلة للذهاب الى الجامعة. والجامعات نفسها في معظم الاحوال تعاني من مشاكل وأوجه قصور عديدة لا بد من الانتباه لها.. فمن ناحية نحن لسنا بحاجة الى هذا العدد من خريجي الجامعة وثانيا ان من يدرسون في الجامعات لا تتناسب تخصصاتهم مع يتطلبه الاقتصاد من تخصصات وثالثا أن المستويات التحصيلية ليست جيدة وهذه الحالة تقودنا الى تناقضات غريبة: زيادة اعداد الباحثين من خريجي الجامعات في الوقت الذي نستورد فيه آلاف المهنيين من الخارج وأن نحو ٨٥ في المئة من الوظائف التي نحتاجها هي لخريجي الكليات والمعاهد الفنية والتقنية والمهنية التي هي الاخرى تعاني من مشاكل عديدة ومزمنة.
إن أكثر الوظائف الكتابية الصغيرة وحتى بعض الوظائف المهنية والفنية معرضة لخطر الزوال لان التكنولوجيا الحديثة لها القدرة في أن تحول الاعمال التقليدية الى أعمال فائضة عن الحاجة.. هناك دائما وظائف جديدة توجد واخرى تنقرض وعلينا الاهتمام بشكل جدي بهذا الموضوع وتلك ايضا من التحديات التي نواجهها.
إن المجتمعات الاقدر على التكيف ومواجهة التحديات هي تلك التي يتوافر لها رأس المال والمعرفة العلمية والخبرات الفنية والقوة العاملة الماهرة وسياسات وأنظمة عمل مرنة وبنوك معرفية وأنظمة اجتماعية وقانونية متقدمة وأدوات تساعد على إيجاد بيئة تنافسية.
من أحد التحديات الكبرى التي نواجهها هو كيفية تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل المختلفة القادرة على استيعاب الباحثين عن العمل اللذين سيزدادن سنويا. النفط هو السلعة الوحيدة تقريبا الموجودة كمصدر للإيرادات الحكومية. وكلما نستخرج النفط فان ذلك يؤدي الى خصم مستمر من الثروة دون ان تتحول الى دخل إنتاجي، وانفاقنا يزداد بشكل غير طبيعي كلما زادت اسعار النفط. ومن التحديات التي نواجهها هي في كيفية السيطرة على الإنفاق الاستهلاكي.. من السهل جدا أن نقول أن لدينا قدرة على الاقتراض لتمويل العجز، إلا أن ذلك سيوصلنا الى نقطة حرجة ويصبح الاقتراض صعبا ولا يمكن تبريره اقتصاديا كما سيكون الاقتراض نفسه صعبا جدا وسوف تفرض علينا التزامات وشروط غير محمودة العواقب. سيكون من الصعب الاستمرار في أساليب الإنفاق السابقة دون مواجهة تبعات اقتصادية صعبة وعلينا تهيئة المجتمع لذلك. ان السنوات القادمة سوف تشهد زيادة في اعداد الباحثين عن عمل دون وجود فرص حقيقية لتشغيلهم تتناسب مع مؤهلاتهم وميولهم وإمكانياتهم ورغباتهم. البعض يطرح فكرة إحلال المواطنين في مواقع عمل الايدي العاملة الوافدة، لكن ذلك ليس عملا سهلا وقد يكون محفوفا بالمصاعب. فكما نعلم أن القدرات الفنية التي يتمتع بها الوافدون لا تتوفر لدينا حتى لو حصلوا على نفس الشهادات كما أن الكثيرين من المواطنين ليسوا راغبين في العمل في نفس الوظائف لاسباب عديدة هذا بجانب أن قوانين العمل بصيغتها الراهنة لا تساعد كثيرا.
كل ذلك يتطلب إعطاء اهتمام اكثر للتعليم الفني والتقني والمهني وجعله يتجاوب وبسرعة مع المتغيرات السريعة وتحفيز مواطنينا على العمل في المهن المختلفة وزيادة الاعتماد على الذات وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب. وايضا يتطلب إيجاد تحولات فكرية وثقافية تساهم فيها كل الفئات والأطراف الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ويكون للمؤسسات التعليمية والإعلامية الدور الريادي فيها.

* نود من خلالكم التعرف على الجوانب ذات الأهمية الاقتصادية والخدمية والاجتماعية للخطة الخمسية القادمة خاصة في هذه المرحلة التي تشهد فيها المنطقة والعالم العديد من التقلبات والتحولات السياسية والاقتصادية؟
** في اعتقادي سيكون صعبا في ظل التطورات التي تشهدها السوق النفطية من التخطيط للخطة الخمسية الجديدة في ظل عدم اليقين الذي يكتنف السوق النفطية والتي تشكل عوائدها العمود الفقري للخطط والسياسات الانفاقية للحكومة وعدم وجود مؤشرات ممكن الاعتماد عليها لمعرفة القاع الذي سوف تصل اليه قبل معاودة الارتفاع، علما ان الأموال المتأتية من عائدات النفط كانت تشكل نحو ٨٢ في المائة من مجموع الإيرادات الحكومية في السنة الماضية كما أن نحو ٨ في المائة من الإيرادات الاخرى هي كانت انعكاسا لعائدات النفط.. أن سعر التعادل حتى لا يكون هناك أي عجز في الميزانية هو في حدود ١١٠ دولارات للبرميل في ظل معدلات الانتاج الحالية.. واي انخفاض عن هذا السعر سوف يحدث عجزا في الموازنة العامة للدولة لا بد من ايجاد بدائل لتغطية بشكل أو اخر، علما ان بند الرواتب فقط في الحكومة للموظفين يستهلك نحو ٦٠ دولارا للبرميل.. بمعنى اخر اذا ظلت اسعار النفط في حدود ٦٠ دولارا للبرميل فإنها بالكاد سوف تكفي بند الرواتب لموظفي الحكومة، وذلك بسبب التضخم الكبير الذي حدث في الجهاز الوظيفي الحكومي والزيادة الكبيرة التي حصلت في الرواتب، حتى أصيب الجهاز الوظيفي بالترهل حسب وصف استعمله معالي يوسف بن عبدالله علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية. كما ان الإنفاق العام زاد خلال السنوات الخمسة الماضية بشكل غير مسبوق.
وعليه في اعتقادي وبما أننا ايضا مقبلون على اعداد رؤية عمان ٢٠٤٠، فإن الجهود يجب أن تنصب خلال فترة الخطة القادمة على إكمال المشاريع التي تم البدء بها وتعديل أو تأخير المشاريع الاخرى وبذل محاولة حقيقية لإعادة التوازن للميزانية العامة للدولة وتخفيف الضغوطات التي قد يتعرض اليها الريال العُماني وبذل كل الجهود لايجاد فرص للعمل للمواطنين عن طريق الوقوف على حجم المشكلة وجذورها وبذل كل الجهود لمنع حصول ركود اقتصادي أو التقليل من اثاره حيث أن أي ركود قد يفرز اثار اجتماعية مضرة وغير محمودة.
إن أولويات أية لحظة من الزمن، تحددها الظروف والمستجدات المحيطة بتلك اللحظة من الزمن وعليه فإن العمل الآن يجب أن ينحصر أولا في كيفية تقليل العجز الذي قد يكون ضخما واعداد البلد للتحولات الكبيرة المنتظرة والضرورية والإعداد لرسم الأهداف الرئيسية للرؤية المستقبلية ورسم السياسات والاستراتيجيات والخطط واجهزة الرقابة المختلفة لرصد مسار التنفيذ ضمن مؤشرات كمية ونوعية واضحة.. وكل ذلك سوف يتطلب خلال السنوات القادمة:
١- اعداد جهاز وظيفي نشط وكفء ومرن يكون قريبا من اللحظة التي سوف تبدأ الرؤية المستقبلية القادمة التنفيذ.
٢- خطط واضحة للتحول الاقتصادي الشامل الذي اصبح ضروريا.
٣- الإصلاح الشامل والجذري للمنظومات التعليمية والتدريبية والفنية والمهنية .
٤- إيجاد السياسات والخطط والاستراتيجيات للتحول الحكومي الشامل
٥- الإعداد الشامل للبلد للتحولات القادمة الضرورية

* القطاع الخاص العُماني يعتبر واحدا من المرتكزات الاساسية التي تضعها الحكومة ضمن أولوياتها عند الإعداد للخطط الخمسية، ما هي الجوانب التي ترون ضرورة التركيز عليها عند الإعداد للخطة القادمة بالنسبة لتعزيز دور واسهامهات القطاع الخاص في العملية التنموية؟
** بداية توجد ثلاثة أسباب على الاقل تبرر تطوير مؤسسات القطاع الخاص وإعطاء أهمية اكثر له. فمن ناحية ـ وكسبب اول ـ تتضاءل بسبب ظروف مختلفة من الناحيتين النسبية والحقيقية من مواردنا النفطية، ومن جهة اخرى تزداد متطلبات التنمية وتبعاتها، ومن جهة ثالثة فإن القطاع الخاص يكتسب في بلدان عديدة قواعد جديدة وأهمية متزايدة، ومن جهة اخرى توجد لدى البنوك بلايين من الريالات على شكل ودائع تنتظر استثمارها لو وجدت مشاريع استثمارية وسياسات واضحة. وفي الحالتين، سواء أكانت الدولة تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها أو من فائضه، فان هناك مشكلة في كلتا الحالتين. في الحالة الاولى كيف يتمكن القطاع الخاص الحقيقي أن يتمم ويكمل، وفي الحالة الثانية كيف يتمكن من أن يستوعب الفوائض. في الحالة الاولى يكون هناك فائض كبير في اعداد الموظفين في الأجهزة الحكومية دون وجود الحاجةً لهم وفي الحالة الثانية تزداد مشكلة الباحثين عن عمل وما قد تفرزها من تداعيات.
ورغم الاهتمام الذي كان من المفترض أن يعطى للقطاع الخاص وتطويره فأنه يلاحظ تعثرا في هذا الموضوع نتيجة الاعتماد الكبير على النفط والذي أفرز أنشطة خدمية غير قابلة للتصدير بدل التركيز على الأنشطة والخدمات القابلة للتصدير مثل الصناعات المختلفة والسياحية مع عدم وجود سياسات واضحة وتضارب الجهات المسؤولة والبيروقراطية وايضا عدم وجود البيئة المناسبة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية وتضارب المصالح والخلط بين الخاص والعام، كلها ساهمت في عدم تطوير القطاع الخاص بالشكل المرغوب والمطلوب.
ما زال القطاع الخاص محدودا ويشكل عمودها الفقري المؤسسات الصغيرة التي تندرج في ما يسمى بـ”التجارة المستترة” وقيمتها المُضافة قليلة جدا وليست قادرة على توفير فرص العمل للمواطنين ولذلك ينبغي إيجاد سياسات عملية لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تتمكن ان تساهم في إيجاد القيمة المُضافة.
السياسات التي بجب الاهتمام فيها تتمثل في الاهتمام بالانتاج السلعي والخدمات القابلة للتصدير مثل السياحة.. طبعا كل ذلك سوف بحتاج الى سياسات واضحة مع انفتاح للبلاد وتذليل كل العراقيل التي تقف أمام تدفق السياح وتشجيع الاستثمارات وايجاد بيئة عمل مناسبة وجذابة وقوة عمل ماهرة وبيئة تنافسية وقوانين عمل مرنة قابلة للتحقيق. أما الاعتماد في تنظيم سوق العمل بشكل مطلق على ضوابط ادارية واجرائية في شكل قرارات منظمة لسوق العمل على الورق او ضاغطة لقواعد مثل منح المأذونيات أو ضاغطة على تحديد الحدود الدنيا للرواتب الاجور أو منع الوافدين من القيام ببعض المهن، فهي عديمة الجدوى، لانها لا تعالج المشاكل الهيكلية المتراكمة، عن طريق إعطاء الاولوية للأدوات والقرارات الاقتصادية والتنموية والتعليمية والتدريبية التي تستهدف سوق العمل، اضافة الى تصحيح المسارات الاقتصادية والاجتماعية.
كان من المفروض ان يكون التعليم الفني والمهني جسرا يربط المسافة بين التعليم العام وسوق العمل، الا ان ممارسات التعليم الفني والمهني والتقني حفلت وما زالت تحفل بالكثير من أوجه قصور التعليم ، واصبح التعليم الفني والمهني حمالا لتناقضات كل من التعليم الضعيف وسوق العمل المشوه مع.

* يمثل العنصر البشري واحدا من المرتكزات المهمة والرئيسية التي أولتها الحكومة اهتماما ورعاية خاصة في برامجها وخططها.. من وجهة نظركم كيف يمكن ان تسهم ايضا برامج وخطط الحكومة في الخطة الخمسية القادمة للنهوض بالعنصر البشري وايلائه جانبا من الرعاية والاهتمام؟
** بالتأكيد فان بناء القوة البشرية العمانية كان من صلب الاهتمامات ولكن مع الاسف فإن النتائج المحققة لم تكن بمستوى الاهتمامات الموضوعة وذلك لاسباب عديدة. ولا بد ان ندرك الان أن واجب التعليم هو إيجاد كفاءة اقتصادية وليس اي شيء اخر. وعليه آن الأوان ان ندرك ان جميع المتغيرات المؤثرة ولمتأثرة بتنمية الموارد البشرية متداخلة ومتشابكة، الامر الذي يستدعي معالجتها معا كبرنامج متوازن ومتكامل للتغيير والتطوير والإصلاح .
الاهتمام بالتنمية البشرية يقتضي بناء اقتصاد قوي ومتنوع لكي يكون قادرًا على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل في وظائف مختلفة وتحقيق النمو الاقتصادي المتنوع سوف يحقق ايضا فوائد اقتصادية وتوفير أموال متزايدة يسهل الاستمرار في الإنفاق على الموارد البشرية. والبلدان التي احرزت تقدما مستمرا وفعالا في التنمية الاقتصادية هي التي اهتمت بداية بتنمية الموارد البشرية. وكل ذلك يؤدي الى احراز تقدم مستمر في جميع جوانب التنمية الاجتماعية ونوعية الحياة أو التنمية البشرية الشاملة.
وكان لإهمال الجانب النوعي للتنمية البشرية آثار نحن نواجهها، وكان ذلك الاخفاق سببا رئيسيا لعدم قدرة السياسات التنموية من الوصول الى أهدافها المرسومة والمعلنة. وعلى سبيل المثال فإن كل خطة كانت تتحدث عن توفير آلاف من فرص العمل ولكن تلك الفرص كانت في أغلبيتها للايدي العاملة الوافدة.
اتجه مفهوم التنمية البشرية الى صفة الاختزال القائمة على مؤشرات الكم وتغييبها لمؤشرات الكيف والمحتوى والمضمون. فمؤشرات التعليم والتدريب مثلا اختزلت في عدد السنوات الدراسية وعدد المدارس أو الطلبة وحصة التعليم من الإنفاق العام، وليس في محتوى التعليم والبرامج أو مستويات الهيئة التدريسية. ومن المفارقات التي تدعو الى التأمل وجود آلاف من الوظائف الفنية والمهنية التي يشغلها الوافدون وغياب العنصر الوطني بهذه المهن.
ان كلا من التعليم بجميع فروعه، العام والتعليم الفني والمهني وحتى الجامعي، من جهة وسوق العمل المشوه من جهة اخرى، لا يفيان بالمهام التي كان من المفروض ان يقوما بهما تنمويا، فكلاهما جزئي في ممارساته وفي إصلاحاته التي تحفل بردود الفعل الآنية لعلاج ظواهر وأعراض مشكلات محددة تطفو على سطح المجتمع، اكثر من العمل الجاد والمنظم لتناول هذه المشكلات من جذورها.
لعل الأمثلة على ذلك هو اعداد المتسربين من التعليم العام ومستويات الخريجين من الثانوية او المعاهد التقنية والمهنية ومستويات الجامعات ولا سيما الخاصة واعداد المقبولين في التعليم العالي والتعيين المدعوم للخريجين في معظم المؤسسات والهيئات الحكومية وحتى فرض نسب تعمين غير واقعية على القطاع الخاص. ونتج عن كل ذلك ان كلا من التعليم وسوق العمل ينفي الاخر ويحاصر أدواره، فمحدودية المهارات والمعارف واخلاقيات العمل التي يقدمها كل من التعليم والتدريب الذي يتلقاه وعدم ايلائه عمقا أكبر لمفهوم روح العمل والاعتماد على النفس أو غرس روح الابتكار اضافة الى القوانين المنظمة للعمل توجد نوعا من عدم المبالاة والنظرة الدونية الى العمل اليدوي. و كل ذلك يجعل كلا من التعليم والتدريب في حالات واضحة، لا يوفر ما يطلبه العمل من مهارات وكفاءات ومن ناحية اخرى يفضي الى إنحسار الاقتصاد وانشغاله بالخدمات والنشاطات غير المنتجة وبالتالي كل ذلك يؤدي الى ضعف التنافسية والاقتصاد.
ويبدو واضحا الآن أن الجهود التدريبية التي قصد منها تلافي السلبيات في النظام التعليمي، واجهت هي الاخرى معوقات غير قليلة، وكان من أهم تلك المعوقات غياب التنسيق بين الجهات المختلفة والنقص في مدخلات التدريب والافتقاد الى التخطيط العلمي الجيد، ووهن دور رجال الاعمال والقصور في تحديد الاحتياجات التدريبية المتبدلة، وتقليدية وقصور أساليب التدريب ومضامينه.

* كونكم متابعين للحراك الاقتصادي التي تشهدها السلطنة نود التعرف على تقييمكم وقدرة الحكومة على استثمار المقومات والفرص التي تزخر بها السلطنة في العديد من القطاعات الحيوية؟
** الأهداف التي تم اعدادها في استراتيجية التنمية الشاملة المعتمدة من قبل مجلس التنمية في عام ١٩٧٥، والتي اعتمدت عليها الخطة الخمسية الاولى ١٩٧٦ ـ ١٩٨٠، وبعد ذلك في كل الخطط الخمسية اللاحقة، كانت تتخلص في الآتي:
١ـ العمل على تنويع مصادر جديدة للدخل القومي تقف الى جوار الإيرادات النفطية وتحل محلها في المستقبل.
٢ـ زيادة نسبة الاستثمارات الموجهة الى المشروعات المغلة للدخل وعلى وجه الخصوص في مجالات الصناعة والتعدين والسياحة والزراعة والأسماك.
٣ـ دعم النشاط التجاري المحلي وازالة صعوبات النقل والتخزين ومختلف العوائق التي تنتقص من اكتمال الاسواق التجارية وذلك بهدف زيادة النشاط التنافسي فيها وكفالة مستوى معقول من الأسعار.
٤ـ استكمال مقومات اقتصاد قيام اقتصاد وطني حر يرتكز على نشاط القطاع الخاص على أساس المنافسة الحرة البعيدة عن الاحتكار وذلك عن طريق تقرير الحوافز والاعفاءات الضريبية المناسبة، وعن طريق تقديم القروض للمشروعات الإنتاجية بشروط معقولة، وعن طريق المساهمة في رأسمال المشروعات الحيوية بما يتناسب والموارد المتاحة.
٥ـ بناء القوة البشرية العمانية المنتجة للمساهمة في التنمية واحلال العمانيين محل الوافدين.
بالطبع ان ما أنجز يعتبر كبيرا جدا قياسا بالأوضاع التي كانت موجودة في تلك الفترة. ومع ذلك يبقى الشيء الكثير التي يجب أن نركز عليه في الفترة القادمة ولا سيما في مجال بناء القوة البشرية المنتجة التي سبق وان تحدثنا عنها. كذلك هناك الكثير من العمل الذي يجب الاشتغال عليه بغرض تنويع مصادر الدخل المختلفة.
لدينا خمسة موارد عموما النفط والشمس والبحر والصحراء والمورد البشري.
النفط اكتشاف واستخراج وتكرير وتصدير واستخراج مشتقات عديدة منها تستعمل في الصناعة وتعطي قيمة مضافة عالية وتوفر فرص عمل.. فكيف نستفيد من كل مورد وما هي الدراسات المعدة وما هي المشاكل؟
والشمس مصدر طاقة عظيمة فكيف نستثمرها من أجل طاقة بديلة؟
والبحر يزخر بالاف الكائنات الحية، فكيف نستغلها؟ هناك ثروة سمكية هائلة فكيف ننشئ جيلا جديدا من الصيادين العمانيين ليقوموا بطرق الصيد الجديدة؟ كيف ننشئ الصناعات السمكية المختلفة لايجاد قيمة مضافة وتوفير فرص عمل.. لدينا ارض زراعية محدودة، فماذا نزرع واين نزرع ومتى نزرع.. كيف يمكن ان نستخدم العلوم الحيوية في الزراعة لكي نتمكن ان نزرع في المياه المالحة مثلا؟
لدينا الصحراء والجبال والأودية والجزر والسواحل، كيف نستثمرها لجذب عشرات الألوف من السباح لتوليد مداخيل متجددة وتوفير فرص عمل كبيرة وذات قيمة عالية؟ وما هي المعوقات والسياسات؟
عندنا الموقع الاستراتيجي لعمان، كيف نستثمره؟
ما هي القطاعات الإنتاجية والخدمية الرائدة لتوسيع القاعدة الاقتصادية وتوفير فرص عمل؟
ممكن جدا ان ننوع من مصادر الدخل وتوفير فرص عمل منتجة للمواطنين اذا ما استفدنا من كل هذه المقومات والفرص؟

* الخطة الخمسية التاسعة هي اخر الخطط الخمسية التي تأتي ضمن توجهات الرؤية المستقبلية للاقتصاد العُماني والتي ربما ان الرؤية لم تتمكن من تحقيق الأهداف والتوجهات التي بنيت عليها لاسباب عديدة يربطها البعض بجوانب ومتغيرات اقتصادية وسياسية. من وجهة نظركم ما هي الأسباب التي حالت دون تحقيق هذه الرؤية النتائج المرجوة منها؟
** إجمالا لكي تتمكن اية رؤية من أن تصل الى النتائج المرجوة منها خلال منظور زمني محدد فانها تحتاج ادارة فعالة وبالتالي بإدارة أية سياسة تتطلب ما يلي:
١ـ ان تكون الأهداف المرجو تحقيقها موضع اجماع أو أغلبية مقتنعة بها وعلى استعداد للعمل من اجلها والبذل في سبيلها.
٢- ان تكون الأهداف واضحة ومحددة، لانه ليس اخطر في السياسة، اية سياسة، من غياب الرؤية غير الواضحة والتحركات التي لا ترى لنفسها مقصدا تركز بصرها عليها باستمرار.
٣ـ ان تكون لهذه الأهداف إمكانية فعلية أو مضمونة تسمح بتحقيقها، فليست هناك فائدة من أهداف مهما كانت واضحة ومحددة، اذا كانت الوسائل والأدوات الضرورية، ليست موجودة وليست محتملة .
٤ـ من الضروري ان يكون أي هدف من أهداف الرؤية أو التخطيط معبرا عنه بمقادير، كمية ونوعية قابلة للتحقيق والمتابعة وتقويم الأداء من جهات مستقلة مصحوبة بسياسات وخطط واجراءات وكذلك بتوفير الوسائل الضرورية لتحقيق هذه الأهداف، حتى لا تتحول الى مجرد احلام.
٥- يفترض ان تكون هناك سلطة تخطيطية مركزية لها قدرة التصرف على أصدار قرارات تنفيذية ومتابعتها في مجمل الاقتصاد الوطني وان تكون التغييرات شاملة لكل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية.
٦ـ ان تتكفل الحياة العامة بان تعطي لإدارتها اصلح وأنضج العناصر المهيأة لتحمل المسؤولية، وطنية او اجنبية، بما توفر حدا مأمونا من فرص النجاح.
٧ ـ ان تكون هناك جهات رقابية مستقلة قادرة على مراقبة العملية التنفيذية بمجملها، ومراقبة أية صعوبات أو انحرافات وان تكون الرقابة من مدخل الاهتمام والمناقشة والمتابعة اكثر من مدخل التحقيق والتفتيش والعقاب.
لو لاحظنا بعض الدول النامية التي اتبعت هذه الطرق لرأينا انها تمكنت بدرجة كبيرة من النجاح ان تحقق النتائج المرجوة.. وقدرتنا على تنفيذ هذه الشروط أدت الى عدم قدرتنا على تنفيذ الأهداف بالطريقة المطلوبة والتي جعلت الرؤية المستقبلية تواجه العديد من المصاعب.

إلى الأعلى