الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / أسعار النفط .. بين الأماني والواقع

أسعار النفط .. بين الأماني والواقع

أبدى وزير الطاقة القطري والرئيس الحالي لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) محمد بن صالح السادة في 11 اكتوبر الجاري تفاؤله باحتمالات ارتفاع أسعار النفط العام المقبل. وأعلن إنه يرى مؤشرات على احتمال ارتفاع أسعار النفط في 2016 مع انتعاش الاقتصاد العالمي وزيادة الطلب. وأضاف الوزير في بيان إن أسعار النفط “بلغت أدنى مستوى لها” وإنه يرى علامات تحسن في السنة القادمة. وأضاف إن نمو إجمالي الناتج الداخلي في 2016 يتوقع أن يصل إلى 3,4% مقابل 3,1% متوقعة في 2015 وإن هذا سينعكس في زيادة الطلب العالمي على النفط بما بين 1,3 إلى 1,5 مليون برميل يوميا.
وقال البيان إن زيادة العرض من الدول المنتجة من غير أعضاء أوبك خلال السنوات الخمس الماضية تراجع بشكل كبير في 2015 ومن المرجح أن يسجل هذا النمو قيمة سالبة أو صفرا في 2016. وفي المقابل، توقع البيان تحسن الطلب على نفط أوبك من 29,3 مليون برميل في 2015 الى 30,5 مليون برميل في 2016 بفضل زيادة الطلب من الأسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء. وأضاف السادة إن أسعار السوق المنخفضة حاليا دفعت شركات النفط إلى خفض نفقاتها بحوالي عشرين بالمئة هذه السنة من 650 مليار دولار في 2014. وقال إن التوجه إلى خفض الاستثمار في قطاع النفط يمكن أن ينجم عنه “نقص في الإنتاج في نهاية المطاف”.
كما ذهب الى ذلك وزير النفط الكويتي علي العمير عندما أعلن في 12 اكتوبر الجاري إنه ليست هناك حتى الآن أي دعوات من أعضاء أوبك بتغيير سقف الإنتاج الذي اتفقت عليه المنظمة وإن خروج كميات كبيرة من النفط عالي التكلفة من السوق سيساعد في تحسن الأسعار في 2016. واشار إلى قرار أوبك في نوفمبر 2014 بالإبقاء على سقف الإنتاج دون تغيير “ليس هناك اليوم أفكار أو على الأقل مطالبات بتغيير أو على الأقل بإحداث نوع من التغيير الكبير في قرار أوبك السابق. وأضاف “اليوم القراءة تشير إلى أن كثيرا من النفط ذي الكلفة العالية بدأ يخرج من السوق وهذا سيساعد على تحسن الأسعار. وقال:”هناك مشاهد على أن النمو العالمي سيتحسن على بداية 2016 وهذا سيصب في صالح تحسن الأسعار.
بالطبع نأمل تحقق التوقعات التي ذهب اليه المسئولان. غير أنها في الواقع توقعات لا تدعمها أدلة واضحة ومؤكدة. فالمراقب لأسواق النفط العالمية لا يرى ما يدلل على وجهة النظر المتفائلة هذه. ومرد ذلك:-
أولا: تخفيض صندوق النقد الدولي توقعاته بنمو الاقتصاد العالمي متأثرة بانخفاض أسعار السلع الأساسية وضيق الأوضاع المالية العالمية. حيث خفض صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير الصادر في مطلع شهر أكتوبر الجاري توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي للمرة الثالثة خلال العام الحالي بسبب ضعف أسعار السلع الأساسية، حيث خفض الصندوق بنسبة 0,2% توقعاته لنمو اجمالي الناتج المحلي العالمي للعامين 2015 و2016 الى 3,1% و3,6% بالتوالي، مقارنة مع المعدل المتوقع في تقرير شهر يوليو الماضي.
ثانيا: بالنسبة لتوقع بيان رئيس أوبك تحسن الطلب على نفط المنظمة من 29,3 مليون برميل في 2015 الى 30,5 مليون برميل في 2016 بفضل زيادة الطلب من الأسواق المتقدمة والناشئة على حد سواء. ففضلا عن عدم التدليل على ذلك التوقع، فان المعطيات تشير الى عكس ذلك من عدة نواح:
• تظهر بيانات لقطاع النفط جمعتها مؤسسات مهمة تصدر توقعات لسوق الطاقة أن كبار مصدري النفط في العالم ضخوا أكثر من نصف مليار برميل فوق المطلوب في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي. كما تفيد تقديرات أن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) ضخت في المتوسط 31.20 مليون برميل من النفط يوميا بين يناير وسبتمبر 2015 أي ما يزيد أكثر من مليوني برميل يوميا فوق حجم الطلب على إمدادات المنظمة، وليس هناك أي مؤشرات او نية للتراجع عن هذا الاتجاه.
• كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية مزيدا من تراجع الطلب على النفط في العام المقبل جراء تراجع النمو الاقتصادي العالمي.
ثالثا: بعيدا عن ذلك، فحتى لو حدثت هذه الزيادة في الطلب ـ كما ذهب رئيس أوبك ـ فإن هناك منتجين عائدين لأوبك ستؤدي عودتهم الى زيادة الانتاج باكثر مما هو عليه الان. وبالتالي حدوث ليس زيادة في المعروض من الخام، بل حدوث تخمة فيه.
عودة إندونيسيا إلى اوبك
في اجتماع المنظمة في ديسمبر المقبل، سوف يتم الإعلان عن عودة اندونيسيا الى المنظمة ليصل عدد اعضاء اوبك الى 13 دولة. وتضيف اندونيسيا حوالي 900 الف برميل يوميا الى انتاج المنظمة. الامر الذي سيدفع امدادات اوبك الى الصعود الى نحو 32.5 مليون برميل يوميا، اي بزيادة عن المستوى المستهدف البالغ نحو 30 مليون برميل في اليوم. مما يستوجب نظريا رفع مستوى الانتاج المستهدف. وزيادة الانتاج تعني خفض الاسعار. هذا في ظل سعر منخفض من الاساس حيث تحوم الاسعار عند أقل من 50 دولارا للبرميل. كما يمكن ان يؤدي ذلك الى اثارة الجدل حول حصص الاعضاء الامر الذي كان مثارا للخلافات والذي الغته المنظمة واستعاضت عنه بتحديد سقف للانتاج عند 30 مليون برميل منذ مطلع 2012. علما بان هذا النظام الجديد أي نظام سقف الانتاج يمثل رخصة للبلدان القادرة على الانتاج مثل المملكة العربية السعودية في زيادة نصيبها في السوق على حساب حصص بلدان اخرى تعاني من ظروف مؤقتة تقيد قدرتها على الانتاج.
رفع العقوبات عن إيران
لعل نظام سقف الانتاج هذا كان يتماشى مع وجود قيود على انتاج بعض الدول مثل العقوبات على ايران. لكن الان ومع الاتجاه الى رفع العقوبات الدولية عن ايران، نتيجة للاتفاق النووي الذي توصلت اليه ايران مؤخرا مع القوى الكبرى، وتسابق كثير من شركات النفط الكبرى على الاستثمار في قطاع النفط الإيراني. الأمر الذي دفع مسئول بوزارة النفط الايرانية الى الكشف في 11 اكتوبر الجاري ان طهران ستعلن عن عقود نفط وغاز في مؤتمرين يعقدان في طهران ولندن في21 و22 نوفمبر و22-24 فبراير المقبلين. وكانت طهران قد وافقت في سبتمبر الماضي على مسودة عقود نفط وغاز دولية لاجتذاب المستثمرين الأجانب ومشتري النفط حينما ترفع عنها العقوبات. وقد بلغ انتاج إيران من النفط في اغسطس الماضي 2.9 مليون برميل يوميا. وبالطبع فانه سوف يتزايد بشكل كبير حال رفع العقوبات. وكان وزير النفط الإيراني بيجن زنجنه قد أعلن في تصريحات أذيعت في الاول من اغسطس الماضي أن بلاده تتوقع أن يرتفع انتاج النفط بمقدار 500 ألف برميل يوميا، فور رفع العقوبات، وبواقع مليون برميل في غضون أشهر”، وأضاف قائلا: بدأنا التسويق بالفعل وفي غضون يوم من رفع العقوبات سنرفع (الإنتاج) بواقع 500 ألف برميل يوميا. ونقل التليفزيون الإيراني الرسمي عنه قوله إن إنتاج الخام الإيراني نزل نحو مليون برميل يوميا من حوالي 4 ملايين برميل بسبب العقوبات. وقال الوزير: “سنعود إلى مستوى 3.8 و3.9 مليون برميل في غضون الأشهر القليلة المقبلة”. وتابع قائلا “بعثت برسالة إلى أوبك بأن العقوبات سترفع، وأننا سنعود إلى مستويات الإنتاج السابقة، لن نطلب إذنا من أحد لاستعادة حقوقنا”.
عودة الاستقرار لليبيا
عانت ليبيا خلال السنوات الماضية منذ الاطاحة بنظام العقيد معمر القذافي بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار، تطورت الى حرب بين فصائل داخلها كان لها تداعيتها السلبية على انتاج ليبيا من النفط ، حيث كان هناك في كثير من الاحيان استهداف للمنشآت النفطية وتعطل في حركة الانتاج والتصدير. لكن الان يبدو ان الامور في ليبيا تتجه صوب حالة من الاستقرار ولو نسبيا بعد التوصل الى اتفاق برعاية أممية لتسوية كثير من الخلافات بين الفرقاء الليبيين والذي توج بالاعلان عن اتفاق لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإن كان هناك اختلافات على الأسماء المرشحة في ذلك، الأمر الذي يمكن التوافق عليه حال خلصت النوايا وتم تقديم مصلحة ليبيا على المصالح الضيقة. ويمكن حال نجاح ذلك الاتفاق ـ أو اية تسوية اخرى يمكن التوافق عليها ـ وترسيخه على الارض، ان يعود انتاج ليبيا من النفط الى سابق عهده. ويبلغ انتاج ليبيا من النفط حاليا اكثر من 400 الف برميل يوميا في حين ان اﻻنتاج كان قبل عام 2011 مليون و 600 الف برميل يوميا.
كما أن العراق العضو في أوبك عازم على زيادة انتاجه بشكل كبير. يأتي كل ذلك مع عدم وجود أي بوادر لحل مشكلة تخمة المعروض من الخام والتراجع الكبير في أسعاره في الأسواق العالمية. ومحاولات بعض الدول ـ مثل فنزويلا ـ لاستعادة آلية نطاق سعري قديمة لأوبك يكون فيها الحد الأدنى للسعر هو 70 دولارا للبرميل لا تلقى قبولا لدى المنتجين الاخرين. ولا تبد المملكة العربية السعودية الزعيم الفعلي لأوبك أي اهتمام في العودة إلى استراتيجية دعم الأسعار كما استبعد المنتجون الكبار من خارج أوبك لاسيما روسيا أي خفض للانتاج.
والسؤال المطروح هنا هو كيف ستتعاطى منظمة أوبك مع عودة نحو 900 ألف برميل يوميا من اندونيسيا ؟ وحال رفع العقوبات عن ايران وبلوغ انتاجها عند ادنى التقديرات نحو 3 ملايين برميل؟ وحال استقرت الاحوال في ليبيا، وعاد الانتاج الليبي الى قرب مستواه أي نحو مليون برميل من الخام يوميا؟ أي ما مجموعه نحو خمسة ملايين برميل من النفط الخام يوميا في ظل الزيادة الكبيرة من المعروض من الخام حاليا؟
كل ذلك يوضح أن هناك ارتباكا داخل المنظمة وربما لا يوجد تخطيط دقيق ورصد للواقع. وقرار المنظمة في العام الماضي بعدم خفض الانتاج مع الانخفاض الحاد في الأسعار يؤكد ذلك. وإن كان الأسوأ هو الاستمرار على نفس النهج!

السيد عبدالعليم
sayedleem@hotmail.com

إلى الأعلى