الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عندما تساوم أوروبا تركيا

عندما تساوم أوروبا تركيا

طارق أشقر

اعتبر كثير من المراقببين عرض الاتحاد الاوروبي على تركيا نهاية الأسبوع المنصرم، مساعدة مالية قدرها ثلاثة مليارات يورو، مع تسهيل اجراءات تأشيرات السفر لمواطنيها واحياء محادثات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مقابل أن تعمل الأخيرة على وقف تدفق المهاجرين إلى اوروبا، بأنه اقرب إلى مساومة تركيا في قيمها الأخلاقية.
في الواقع يحمل العرض الأوروبي كثير من الدلالات، حيث ينطبق على من قامت به – أي أوروبا – فحوى مثل شعبي سائد في عدد من دول شمال افريقيا وجنوب الصحراء بأن ” البشرة غير المتعودة على الدخان تتشقق” ويطلق عادة على من يتصدر المواقف بدون استعداد ذاتي فينوي القيام بعمل ما لكنه سرعان مايتخلى عنه لتعارضه مع مصالحه الشخصية.
فقد استخدم المثل (الدخان) باعتباره عملية تجميل تقليدية مماثلة للساونا الحديثة في وظيفتها، فيما يعتبر الدخان ساونا تقليدية بسيطة عبر حفرة على الارض ينبعث منها الدخان بكثافة ليقوم بدور الساونة في العناية بالبشرة بدلا عن البخار ، فينتج عن ذلك تجميلا للبشرة، غير ان آثاره الجانبية قد تسبب تشققاً للبشرة التي لاتحتمل الدخان.
ان هذا السيناريو في التجمل، وإدعاء القدرة مع سرعة التملص من المسؤلية، ينطبق حقا على الموقف الأوروبي الأخير تجاه اللاجئين، خصوصا وان أوروبا كانت قد بادرت خلال الشهور الأخيرة إلى استقبال أفواجا كبيرة من اللاجئين الفارين من مناطق النزاع، وقدمت لهم (مشكورة) كل مايحتاجونه من متطلبات الحياة الإنسانية الكريمة، مردفة ذلك بضجة اعلامية كبرى.
ولكنها سرعان ماعادت مجتمعة وعبر الاتحاد الأوروبي لتتملص بشكل او بآخر عن ذلك الدور الانساني، فلجأ اتحادها الى مغازلة تركيا ومساومتها ، كونها البوابة الأقرب التي ينفذ من خلالها اللاجئون لاوروبا الغربية، فاستخدمت اسلوب (دغدغة) المشاعر عبر مخاطبة الشغف التركي للانضمام للاتحاد، بل اغرائها بأن تولي حركة مواطنيها داخل الأراضي الأوروبية الأولوية بدلاً من الدفع باللاجئين الحيارى، فضلا عن الاغراء بالمال.
فيعتبر هذا الأمر بالحسابات الأخلاقية مساومة (رخيصة) اذا ماقورنت بالدور الذي مثلته تركيا بفتح حدودها واقامة المخيمات لللاجئين، بل قامت به أوروبا ايضا حتى قبل عرضها الأخير الذي تسرعت به قبل ان تستفيق مشاعر اللاجئين انفسهم من أثر الجرعة الأولى من العطف والحنان الأوروبي عليهم.
ان تضع أوروبا مصائر اللاجئين الحيارى وهم ( بشر) في كفة ومصالحها الاقتصادية في كفة أخرى، وتدفع بالمعادلة نفسها نحو الملعب التركي، ليقوم بنفس المعايرة، فهذا امتهان لكرامة الإنسان بالدرجة الأولى، ذلك الانسان الذي مافتئت أوروبا نفسها تتغنى بحقوقه، وتنادي بضرورة احترامها، بل تتحالف في فرض العقوبات التأديبية على من ترى انه مناهض لتلك الحقوق والحريات.
فقد كان من الأجدر بها ان تنحى منحىً آخر مغايراً لاغراء تركيا بقفل الحدود، وذلك بأن تعمل على ذلك بالمزيد من الجهود التي يمكنها أن تعزز الاستقرار في البلدان التي هجرها اللاجئون وفروا اليها.
وكيفما كانت الصورة، فقد كشفت اوروبا بعرضها هذا عن التشقق والتصدع الذي اصاب ثباتها حيال تبنيها لقيم اغاثة المستغيث التي لم تحتملها طويلا، ولكن هل ستصمد تركيا على مواقفها طويلاً، ام تستجيب للمساومة ؟ …. فسنرى .

إلى الأعلى