السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المستعربون العرب !

المستعربون العرب !

محمد مصطفي

” عقد لساني وانا ارى رئيس مدينة الناصرة الفلسطينية في “الداخل” المحتل، وقد أضحى “نجما” لدى وسائل الاعلام الصهيوني، وكيف لا، والرجل دأب على الهجوم على التظاهرات التي تشهدها المدينة احتجاجا على الانتهاكات الاسرائيلية، ولا يسلم المحتجون من تحرشاته اللفظية وتضييق رجاله على فعالياتهم السلمية،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
يبدو ان الامر لم ينتهي بعد، ولن ينتهي مثل ما سبق وشاهدنا خلال العقدين التاليين لـ”أوسلو”، هَبَة جماهرية فلسطينية ضد الاحتلال وانتهاكاته في الاراضي المحتلة وتنتهي، ما رأينها لا ينبأ بذلك، حجم الاصرار و”العناد” الظاهر في عيون “الاولاد” يمنحنا دلالات لم تكن أبدا في الحسبان، تحديد بعد تلك السنوات العجاف الاخيرة، ورغم كل ما يلاقيه أهلنا في فلسطين من اسرائيل، أو حتى من المستعربين، العرب. رغم ما يسطره الاهل في فلسطيني من بطولة وفداء في الدفاع عن المقدسات، تاريخنا وهويتنا وممتلكاتنا، إلا أن هذه التضحيات لم تشفع لهم عند بعض بني جلدتهم، لم يسلم القوم من جوقات الاعلام العربي “الليكودي”، من يتامى عهود الاستبداد وميليشيات التطبيع المجاني، فظهرت دعوات تحريضية شاذة وغريبة على موجة العمليات الفدائية الفلسطينية والتي اتخذت طابعا فرديا مستقلا، تُبدي امتعاضا ممزوجا بالاسى والتشفي، تستهدف أبطالا منحونا “أملا” غاب عنا، ظننا انه غادرنا مغاضبا.
عودة تأصيلية لمن يطلق عليهم “مستعربون”، هي مجموعات ارهابية تابعة لجهاز الامن الداخلي لكيان الاحتلال، يتحدثون العربية، ويرتدون مثلما يرتدي العرب، في فلسطين يندسون وسط التجمعات الفلسطينية المناهضة لممارسات الاحتلال وسياساته، مسيرات، اعتصامات، مؤتمرات، بعضهم له مهمات استطلاعية تجسسية، وآخرين لهم مهام أخرى، من الخطف حتى الاغتيال، وبحسب الاحصائيات فهناك ما يقرب من 500 شهيدا فلسطينيا بفعل تلك الميليشيا بالغة التجهيز والخطورة، فضلا عن آلاف الاسرى المختطفين من قُرانا ومُدننا المحتلة بعمليات نوعية نفذتها تلك الميليشيات على مدار العقود التي تلت احتلال فلسطين، وحتى قبلها، حيث ترصد الابحاث المتعلقة بهذا الشأن هجمات لتلك المجموعات الارهابية منذ عام 1942، وقبلها كانت هناك محاولات تغلغل اجتماعي لأغراض الاستكشاف والتجسس وتغيير التركيبة السكانية في فلسطين.
الظاهر أننا أمام ظاهرة شديدة الارباك والتعقيد، أناس يدعون انهم عربا، في أواسطنا يندسون، وقت الجد، ينقضون على ثوابتنا واحلامنا، ينقضون علينا اذا اقتضى الامر، يعيثون في أصولنا فسادا، تشكيكا وتثبيطا، يذكرنا بهم محمد إقبال حينما قال:
طوّفتُ في أرض الأعاجم والعرب..لم ألقَ فيها المصطفى ولَكَم رأيت أبا لهب !.
نفر منهم تولى المناصب وارتفع الى سدة الحكم وصناعة القرار، متشبعون بسياسات “التطبيع الاقتصادي” والذي اكتشف أصحابه مجانيته بعد اكثر من عشرين عاما على اتفاقات اوسلو.
عقد لساني وانا ارى رئيس مدينة الناصرة الفلسطينية في “الداخل” المحتل، وقد أضحى “نجما” لدى وسائل الاعلام الصهيوني، وكيف لا، والرجل دأب على الهجوم على التظاهرات التي تشهدها المدينة احتجاجا على الانتهاكات الاسرائيلية، ولا يسلم المحتجون من تحرشاته اللفظية وتضييق رجاله على فعالياتهم السلمية، حتى ان أعصاب الرجل المرهفة لم تتحمل الانتظار لاخراج ما يحمل من “وساوس” بصورة أكثر لباقة ونضجا، استبق جلسات الاعداد والتحضير التي يفترض ان تخضع لها مثل تلك الاراء، حيث الغرف المغلقة لأنضاج مثل هذا الهراء، والتي يؤثر بالطبع في صورة السياسيين الذهنية لدى الجمهور، استوقف سيارته في وسط الشارع، وأمام تجمع احتجاجي في المدينة التي طالما تباهت بعروبتها ونصرتها للقدس والاقصى، وقف يهاجم المتظاهريين، متهما اياهم بتعطيل مصالح المدينة الاقتصادية والعمل على “تطفيش” اليهود والعمل على منعهم من دخول “الناصرة”، مبديا أسفا مصطنعا على ما آلت اليه الأمور، وتناسى حجم البطش الذي تعرضت له تلك الوقفات من قوى الاحتلال الامنية والميليشياوية.
هنا تظهر بصورة جلية أزمة ذلك الجيل الذي ينتمي اليه صاحبنا اياه، جيل مأزوم ومشبع بأوهام المكاسب العابرة لكل قيم الإباء والحفاظ على الحقوق والمقدسات، جيل مسكون بـ”أكل العيش”، والهلع من غضب أولياء النعم، غفل الرجل ان الامر تجاوزه، واصبحنا أمام جيل جديد، يرى الامور بمنظار مختلف، تكشفت أمامه الحقائق واصبحت أوضح من الشمس.
“مستعرب” آخر، وعلى صفحات مطبوعة كويتية شهيرة كتب تحت عنوان غاية في الفجاجة والانحطاط، “إرهابُ السكاكينِ وحقُ إسرائيلَ المشروعُ في الدِّفاعِ عن النَّفسِ”، أي قبح هذا ؟!، يحرض في مقاله الركيك السلطة الوطنية الفلسطينية على قمع تلك الموجة الفلسطينية، حماية لإسرائيل وشعبها المسالم على حد تعبير هذا “الغر”، تنعقد الالسنة أمام مثل تلك الترهات.
يعزينا فقط وجود مثل هؤلاء الذين وصفهم هذا “الليكودي” بـ”الارهابيين”، يعطينا “الغر” نموذجا واضحا في كيفية أن تكون “مستعربا” مخلصا، وأيضا يدلنا بلحن القول والسمات المفضوحة على طريق كشف مثل هؤلاء المندسين على عروبتنا وهويتنا. يطرح هؤلاء اليتامى طرحا خبيثا حول اخلاقية فعل “المقاومة” التي يشنها الشبان الفلسطينيين على جنود الاحتلال وميليشياته الاستيطانية، لمسألة فقط من وجهة النظر الأخلاقية المجردة خطأ كبير ينتهي، للمفارقة، إلى نتائج ربما يكون جوهرها، بدون قصد، “لا أخلاقي”، الغرض منها تشويه حالة النضال التي طلت علينا، “طاقة نور” في هذا الظلام الحالك غرقت أمتنا فيه منذ سنوات، عقب عمليات الانقضاض التي تعرضت لها محاولات شعوب المنطقة من الانعتاق من نير الاستبداد، ومساع التمرد على اذرع الدكتاتوريات، الأمنية والقضائية والإعلامية، فتعرضنا لأشرس حملة تشويه لم يمر بها جيل شاب في أي أمة أُتيت قدرا من الحضارة على مدار التاريخ البشري، حملات ممنهجة من التخوين والتشكيك، اصابت أمتنا احباطا على احباطها.
نجني الان ثمار “الحنظل” عقب عقدين من التشويه التي تعرضت لها قوانا المقاومة للإحتلال، تعرض خلالها الناس لعمليات “ارهاب” ممنهج وتخويف مستعر من التلاحم مسارات المقاومة، أو حتى التماهي مع مشروعها، هنا ينطبق علينا ما قالت العرب قديما، ويا ليتنا نسمع “لا تقتلوا أُسدكم كي لا تأكلكم كلاب اعدائكم”، قتلنا أسودنا، خندقنا الارض من حولهم وبورنا مساحات التعاطف معهم، وماذا ننتظر غير الهزيمة والنكران.
يأخذنا “المستعربون” الى نقاش سخف ومتعال ومفتعل، يغفل الحالة العامة الكاملة المُنتجة لهذه الاشكال النضالية بإيجابياتها وسلبياتها، احدهم يسأل حول اخلاقية القتل بالسكين، وتنساى أن الفلسطينيين لا يملكون الاباتشي او “اف 16″ او ميركافا، يُغيرون بها على اعاديهم.
يطرح “المستعربون” قضايا جدلية عقيمة، وتقسيمات مزيفة بشأن مجتمع احتلالي مصطنع، مدجن من ساسه حتى رأسه، استعمر اراضينا وجمع الناس من شتى اسقاع الارض واسكنهم منازلنا، طرد أهلنا من بيوتهم ومزارعهم، منعهم من دور عبادتهم.
لم يأت آباء نتنياهو وباراك ومائير الى فلسطين كغزاة مغامرين، يقنصون بعض الخيرات ثم يذهبون، مثلما فعل اصدقائهم الاوروبيين في افريقيا واسيا واميركا اللاتينية، اتى هؤلاء الى اراضينا مستوطنين احلاليين، وعليه لا يلمون الا انفسهم، وهنا انصح هؤلاء “المستعربون”، من يخشى على اصدقائه من المستوطنيين، القتل او الدهس، انصحوا أوليائكم بالعودة الى موطن ابائهم واجدادهم، فهذه ارضنا ونحن أولى بها.

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى