الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / التسوية في ليبيا

التسوية في ليبيا

أحمد مصطفى

” هناك بالطبع جذور لأزمة ليبيا تعود إلى نحو أربعة عقود من حكم القذافي، حيث لم تتطور فيها بنية دولة ولا مجتمع معاصر، حتى التركيبة القبلية ذاتها شوهت بما جعل البلاد قابلة للتدهور مع أي هزة. ومع أن الناس في ليبيا بدأت تسأم شمولية الحكم وقمعه، إلا أنها كانت مستفيدة منه بشكل لم يجعلها تريد تدميره تماما أو تغييره جذريا.”
الآن يمكنني الإفصاح عن تشاؤمي الذي لازمني منذ بدء ما تسمى “عملية التسوية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة” في البلاد. وكان المرء يخشى الافصاح من قبل خلال العملية كي لا يبدو وأنه لا يريد لهذه التسوية أن تتم أو أنه لا يريد لهذا البلد العربي الشمال افريقي كل الخير. أما الآن وقد فشلت آخر تلك المحاولات لتشكيل حكومة “وفاق وطني” تجمع كل الليبيين وتنهي الصراعات الدموية في أرجاء ليبيا، فلا غرو من الإفصاح والعودة لتفصيل مبرراته دون أن يعني ذلك لوم طرف على حساب طرف أو ادعاء حكمة مبكرة أو متأخرة. ولربما يبدو السبب المباشر لفشل الجولة الأخيرة من المحاولات الدولية لفرض تلك التسوية واضحا، وهو إصرار أميركي/غربي بدعم بعض أطراف اقليمية على اشراك متشددين متطرفين وحتى ارهابيين في الحكم على أساس أن ذلك يعني “كل مكونات المشهد الليبي الحالي”. ومن سخرية الأحداث أن يكون هؤلاء المتشددون والإرهابيون، من إخوان وجماعات مرتبطة بهم يغتصبون العاصمة طرابلس بالقوة، هم من رفضوا مشروع تسوية المبعث الأممي برناردينو ليون وأصروا على أن يكون نصيبهم الأكبر في الحكومة المقترحة مما دعا البرلمان الشرعي المنتخب وحكومته في طبرق إلى رفض المسودة المعدلة على هوى المتطرفين ويطالب بالعودة للاتفاق الذي حظي بالتوافق.
ودون الدخول في تفاصيل المسودات والتعديلات، فقد كانت القشة التي قصمت ظهر البعير هي اجتماع ليون ـ بعد اعلان مشروع حكومة التوافق من الصخيرات بالمغرب ـ مع قيادات الاخوان والارهابيين في تركيا للاتفاق على مستقبل البلاد. تلك هي ببساطة المعضلة الأساسية التي جعلت من “التسوية في ليبيا” بعيدة المنال، فالأمم المتحدة تنفذ مشروعا غربيا أشرفت عليه السفيرة الأميركية في ليبيا من مقرها في مالطا وبالتنسيق مع البريطانيين والفرنسيس لضمان حكم الإخوان في ليبيا بعدما فشل في مصر وتراجع في تونس. ولا أظن أنه يمكن رؤية ما يجري في ليبيا منذ اسقاط نظام القذافي بطائرات وصواريخ الناتو قبل نحو أربعة أعوام بعيدا عن هذه المسألة: تنصيب الإخوان وجماعاتهم لحكم ليبيا. وإذا كان الإعلام يركز الآن على داعش والقاعدة وقوة شوكتهم في ليبيا، فما هذا إلا جزء من تلك العملية ـ إذ الواضح أن الإرهاب تزداد كثافته في المناطق التي يريد الأميركان والغرب إما تفتيتها أو إضعافها أو إدخالها في أتون صراع ممتد لا ينتهي ولا يقضي عليها تماما.
هناك بالطبع جذور لأزمة ليبيا تعود إلى نحو أربعة عقود من حكم القذافي، حيث لم تتطور فيها بنية دولة ولا مجتمع معاصر، حتى التركيبة القبلية ذاتها شوهت بما جعل البلاد قابلة للتدهور مع أي هزة. ومع أن الناس في ليبيا بدأت تسأم شمولية الحكم وقمعه، إلا أنها كانت مستفيدة منه بشكل لم يجعلها تريد تدميره تماما أو تغييره جذريا. لكن فرصة التغيير في بعض بلدان الإقليم، وخاصة في الجارتين تونس ومصر مطلع عام 2011 كانت مناسبة للاطاحة بالنظام في عملية دموية بشعة لينكشف الليبيون على علل الحكم والمجتمع معا دون أي مساندة أو دعم ممن قصفت طائراتهم البلاد أو سلحت جماعات القاعدة والإخوان وبقية الإرهابيين. ثم برزت المعضلة الأكبر وهي ثروة البلد، المتمثلة، فيما ينتجه من نفط وما كنزه نظام القذافي من احتياطيات واستثمارات. بالطبع أدى الصراع ـ وفي القلب منه التنظيمات الإرهابية ـ إلى توقف انتاج النفط تقريبا. ومع ضعف العائدات أو شبه توقفها نفد الاحتياطي، كما أن أغلب الاستثمارات والمدخرات الخارجية “طارت” لأنها كانت بأسماء أشخاص وليس مؤسسات.
لا يهم الغرب، ولا بقية العالم (باستثناء دول الجوار مثل مصر وتونس)، أن يتحسن وضع الليبيين أو أن يبنوا دولتهم الحديثة. بل على العكس، إذا لم يتمكنوا من فرض الاخوان والمتطرفين سيسعون من أجل تقسيم ليبيا حتى يحكم المتطرفون قلبها (اقليم طرابلس ومعه مناطق الغرب)، ولينفصل الجنوب في حكم قبلي أقرب لدول الجنوب الافريقية ويبقى الشرق بؤرة توتر ومرتعا لداعش والقاعدة وأمثالهما من الجماعات الإرهابية والإخوانية تمثل خطرا دائما على مصر يبقيها في حالة دائمة من الضعف والانهاك. هذا التصور التفتيتي طرح بقوة من قبل في العراق (ويتجدد الطرح ببروز داعش) ويطرح الآن في سوريا ـ وبالتأكيد في بقية بلدان المنطقة بعد حين. وربما ليس في الأمر ضرر لو كان التقسيم سيؤدي حقا إلى سلام ووئام والتفات للتنمية وتحسين أوضاع الشعوب والجماعات السكانية. إنما للأسف ـ والمقدمات واضحة ويسهل تصور نتائجها ـ لن يكون التفتيت إلا باتجاه المزيد من الصراعات والحروب الصغيرة والأصغر. لكن لماذا؟ ببساطة فإن مثل هذه الحروب في الدول المفتتة والمقسمة ستكون ساحة تستقطب كافة أشكال الإرهاب بما يجعله داخل حدود تلك المنطقة ويبعده نسبيا عن خارجها ـ أي عن بقية العالم.
لم تعد القاعدة الاستعمارية الجديدة “فرق تسد”، بل “قسم تقي نفسك شر الإرهاب”، وفي كل الحالات نظل منطقتنا مصدر ابتكار القاعدة وساحة تطبيقها.

د.احمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى