الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سلطة تسعى لإزاحة سلطة أخرى

سلطة تسعى لإزاحة سلطة أخرى

احمد صبري

أزاحت “السلطة الخامسة” مفهوم الصحافة والإعلام التقليديين وشكلت خطرا على مستقبلها، وأضحت سببا رئيسيا في الأزمة التي تمر بها الصحافة الورقية في العالم، الأمر الذي يتطلب من المعنيين لمواجهة استحقاقات السلطة الخامسة مراجعة واقعية تستند إلى تغيير في نمط وطريقة التفكير في الاستثمار الإعلامي، وليس فقط إصدار مطبوعة وانتظار تمويلها من مردود الإعلان التجاري الذي استدار مروجوه إلى التلفزيون الفضائي.
السلطة الخامسة فرضت وجودها علينا بعد أن أزاحت سلطتنا الرابعة “الصحافة”، حيث تمكنت صحافة الشبكات الاجتماعية، لا سيما الفيسبوك وتويتر، بالقيام بدور المنبئ الجوي ـ إن جاز التعبير ـ في رصد الأحداث التي نعيشها يوميا في العراق والمنطقة عموما قبل وقوعها وحتى بعد حدوثها.
المشتغلون في السلطة الخامسة تحولوا إلى جيش من المخبرين والمراسلين والمصورين حتى تمكنوا من إزاحة صاحبة الجلالة من موقعها كسلطة رابعة إلى سلطة خامسة من دون أنياب وتأثير ومكاتب ومطابع وورق وجهد وظيفي، المشتغلون في السلطة الخامسة اختصروا هذا الجهد وهم في بيوتهم وحتى من خلال هواتفهم النقالة.
فالسلطة التي نتوقف عند مدياتها المنظورة في حياتنا أوجدت فضاء للحريات لم تستطع وسائل الإعلام التقليدية الوصول إلى سقفها الجديد.
من هنا تكمن أهمية سلطة الشبكات الاجتماعية التي أصبحت تمثل سلطة جديدة، من دون جيوش وأسلحة وقوانين يفوق تأثيرها تأثير السلطة الرابعة، لا بل أخضعت السلطة الرابعة للرقابة، وهددت مستقبلها التي احتلتها منذ ظهور الصحافة الورقية وحتى الآن.
السلطة الخامسة فتحت الباب على مصراعيه أمام الراغبين في التغيير، ومنحت المواطنين في العالم عبر شبكة الإنترنت فرصا غير محدودة في ممارسة الرقابة الشعبية على السلطات الثلاث، بما فيها الرقابة على السلطة الرابعة التي كان الصحفيون يتغنون بأمجادها، ما وضع سلطة الصحافة تحت أول اختبار حقيقي لها.
وما يكرس السلطة الخامسة في حياتنا كصحفيين التحديات التي تواجه الصحافة الورقية وتراجع دورها إلى حد توقف العشرات إما عن الصدور أو تحولها إلى صحيفة إلكترونية، غير أن الأزمة المالية التي تعيشها الصحف الورقية هي التحدي الأكبر.
وأصبح بإمكان المواطن أن يجلس في البيت أن ينشئ صفحة يكتب ويهاجم من يشاء، وخلال ثوانٍ يطلع المتصفحون على آرائه بأعداد تفوق أعداد قراء الصحيفة الورقية إلى حد إطلاق أحد المغردين على السلطة الجديدة أنها سلطة الشعب، سلطة المواطن.
إن سقف الحريات الممنوح للمشتغلين في فضاء السلطة الخامسة ينبغي أن يكرس لإشاعة روح المواطنة والرأي الآخر، وتكريس مفهوم الشراكة في صياغة مستقبل الأوطان، وعدم القفز على موجبات العيش المشترك، والابتعاد عن ممارسات التشهير وتكريسه للتسقيط السياسي أو الأخلاقي، كما هو سائد في بعض الدول.
من هنا تكمن مخاطر السلطة الخامسة ـ إن جاز التعبير ـ لأنها متحررة من القيود والمحددات المعروفة التي تنظم عمل السلطة الرابعة، وغير خاضعة لاشتراطاتها، الأمر الذي يتعين إيجاد وسيلة لضبط إيقاع عمل السلطة الجديدة من غير شروط محددة، كما كان سائدا خلال الحقبة الماضية من أجل أن تكون السلطة الجديدة عونا للمتطلعين للتغيير وتحقيق العدالة وإشاعة روح التسامح، والحفاظ على المال العام من اللصوص ومبددي ثروات الشعوب.

إلى الأعلى