الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / الثورة مستمرة: سكين الفلسطيني ترسم لوحة الانتفاضة
الثورة مستمرة: سكين الفلسطيني ترسم لوحة الانتفاضة

الثورة مستمرة: سكين الفلسطيني ترسم لوحة الانتفاضة

زهير ماجد

مقدمة:
قال لي سواء تفجرت الانتفاضة الثالثة تماما او ظلت تحبو كهبة كما يحلو ان يطلق عليها ، فإن الشعب الفلسطيني في حالة انتفاضة دائمة .. من يدرس حالة الفلسطيني سواء كان على ارضه او حولها او في مخيمات البؤس ، سيرى جسدا لايهدأ ، وعقلا مسيطرا على واقعه بانه في حالة استنفار دائم .. من الظلم ان نحبس الفلسطيني ضمن حلم نعيد تكرار صوره وهو الذي يمكنه تجاوزها دائما بقدراته وامكانياته التي جوهرها الزمن الصعب، اي زمنه.
ـــــــــ
حركة السكاكين التي عرفناها خلال الايام الماضية رسمت خطا عنوانه الوحيد ان الفلسطيني يتدحرج نحو طبيعته، فليس جديدا مايفعله، وليس مفاجئا مايقدمه من عرض شهادة وهو الكريم في تقديم روحه ودمه من اجل فلسطين.
حركت سكاكين الحق مجتمع الخائفين الاسرائيلي الاختلالي، كانت مشاهد الرد على السكين الفلسطينية هلعا يكشف طبيعة مجتمع يعيش انحناءته التاريخية امام روح متوقدة قابلة للتكيف مع تعبير يخدم قضيته. كنت ارى فتاة تحمل سكينا يحيط بها عدد من جنود جيش الاحتلال وهم في حالة ذعر مع ان ايديهم على زناد بنادفهم، وهي، تلك المقاومة تتلفت حولها كمن يختار فريسته كي ينقض عليها، ولا بأس لو استقرت الرصاصات في صدرها وبقية جسدها.
كان العرب يتفرجون كالعادة، ومنهم الخائف على المحتل الاسرائيلي، بينما هنالك من ينشرح صدره بالمشاهد التي نحتاج لعشرات مثلها يوميا. فلسفة الطعن تجربة لابد ان من خاضها كان قد تدرب على طريقتها لا لكي ينجو بعد فعلته، وهو العارف بمصيره، بل ليصطاد أكثر من صهيوني محتل، ثم يموت بعدها، لافرق.
لغة السكين الجارحة الحادة انما صنعت لتقول ماهو اقوى من الكلمات، لتتفوه برمزية مفادها ان الشعب الفلسطيني يعيش خيار انتفاضته هذه المرة باسلوب متواضع لكنه باهر في نتائجها. وكلما كان الاسلوب بسيطا غير معقد اوصل النتيجة بسرعة وقال مفهومه المتوخى. هي لغة من قرر ان يقول للسلطة النائمة ان قضيته الكبرى تحتاج ليقظة دائمة، وانها القضية التي من اجلها اجيال من الشهداء، ودم غزير وعالم معذب. الطعنة تخلص الطاعن من احساس مسيطر سبب له دوما حالة نزاع مع الذات، كان يجب ان يطعن كي ترتاح اعصابه، وان يقول مابوده ان يقوله، وانها الرمزية المبسطة لثورته، فمن سبقوه حملوا البنادق ومارسوا، قذقوا المدافع والصواريخ، ركبوا الصعاب حين اغاروا على مستعمرات، فاين منهم بالتالي.
هل هي الانتفاضة المنتظرة او تلك الثالثة كما يحلو للبعض قوله .. اما انا فاعترف، ان الفلسطيني منتفض حتى في نومه، وفي طريقة عيشه، وفي هدوئه .. حالته الطبيعية خداعة، اما دواخله فهي الحقيقة، وتلك يجب ان نراها بناء على ظروفه التي لااعتقد ان احدا في هذا الكون يعيشها كما هو حال الفلسطيني، ان في بعاده عن وطن آبائه واحداده، او في المكان الذي يضمه الذي لاشبيه له من حيث تواضعه .. من المؤسف ان يعيش كل انسان في هذا العالم في وطن، الا الفلسطيني فوطنه يعيش في قلبه.
تستحق كل اللغات التي يعبر بها الفلسطيني عن أساه احترام قداستها، سواء استعمل اي نوع من السلاح، او قام بعملية دهس كما فعل، او شق بطن صهيوني، او ضرب حجرا سقط على رأس جندي مذعور ..
اذن تجاوز الفلسطيني وضعه ضمن انتفاضة اولى او ثانية او ثالثة او رابعة وما الى هنالك ، فهو حريص على ان يظل منتفضا ان اراد او لم يرد، لايمكنه الا ان يكون حاملا فوق ظهره وطنا لايمل من حمله.
اعود الى السكين التي طعنت واراها انقشاع غيم في لحظة تلبده. صحيح انها تعلي وتيرة انتفاضة، او هي هبة كما سميت، في كل الحالات تعبير عن صيحة جديدة امتدادا لصيحات الماضي، والتاريخ الفلسطيني مليء بصيحات القوة المعبرة عن اللحظة.
في العام 1936 انتفض الفلسطيني وهو على ارضه التاريخية، اضرب ستة اشهر، قام بعدها بقتال الجيش البريطاني المحتل والعصابات الاسرائيلية .. لم يكن جديدا عليه ان يفعل مافعله، فتلك مزية من مزاياه وهو الذي اكتشف مبكرا المؤامرة الكبرى عليه. لم يكن هينا ان تتحرك كل فلسطين، ففي يوميات المناضل الفلسطيني أكرم زعيتر كثير من الاخبار حول ايام تلك الثورة وكيف مرت ومن قادها من الرعيل آنذاك، لكنها في كل احوال صورة عن امكانيات شعب وعن جوهره الثوري الذي لم يهدأ خلال تاريخه الحديث.
بدأت تلك الثورة في 20 ابريل/ 1936 وامتدت حتى عام 1939، وهي تتميز عن الثورات التي قامت ما بين 1920 و1933، إذ أن جميع ما عرف بالثورات الفلسطينية قبل ثورة 1936 لم يكن أكثر من هبات أو انتفاضات، أما ثورة 1936 فقد توافرت لها شروط الثورة هدفاً وأداة وأسلوبا، وهي تمثل محطة بارزة في حركة النضال الوطني الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني منذ أواخر القرن التاسع عشر، فهي نقلة نوعية في توجهات هذا النضال بعد حالة الوهن العام التي اعترت الحركة الوطنية الفلسطينية في أعقاب هبة البراق عام 1929).
بدأت ثورة 1936 بطريقة شبه عفوية ما لبث أن استقطبت الشعب على نحو غير مسبوق، على أهداف وقف الهجرة اليهودية، ومنع بيع الأراضي واغتيال باعة الأرض والسماسرة والجواسيس والتصدي لمشروع التقسيم الذي كانت بريطانيا تمهد لتنفيذه، وصيانة عروبة فلسطين والحفاظ على أراضيها ومنع تهويدها، وإعلان استقلالها في وحدة عربية شاملة.
لجأت الثورة إلى الكفاح المسلح أسلوبا، لانتزاع حقوقها من الاستعمار البريطاني، ولم تتوقف إلا عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، لأسباب ذاتية، وأسباب تتعلق بالتدخل العربي الرسمي لإنهاء الإضراب، والتحالف الفرنسي البريطاني عشية عام 1939.:
ولقد وصف الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان بطل تلك الثورة وهو فدائي على مايبدو له وكل شعب فلسطين يحمل في روحه الفداء باجمل الابيات كان مطلعها ” لاتسل عن سلامته / روحه فوق راحته “.
شعب بهذا التاريخ من يهزمه او من يحط من عزيمته .. اذا فتحنا السجل الوطني الثوري للشعب الفلسطيني فسنكون امام احداث لها معنى في وطنياته. وكلما اقتربنا من العام 1948 وهو عام النكبة او التطهير العرقي كما يسميه المؤرخ اليهودي ايلان بابه، نكون امام تاريخ مختلف من حيث استنفار شعب فلسطيني لعلمه بما كان يخطط له من تهجير وابادة.
هو تاريخ من تاريخ طويل، نعود اليه دوما بكل اشكاله. فلا غرابة ان نرى ذلك التكثيف الثوري الذي لانجده عند شعوب اخرى. وفي الحديث من هذا التاريخ ماعبر عنه دائما من انتفضاتين اولى وثانية ولكل منها رمزيته واسبابه، لكنها تصب جميعها في ذلك النهر الدافق من الحراك الفلسطيني الذي لايريد ان يهدأ الا اذا تحققت له مايصبو اليه.
/// الانتفاضة الاولى:
لم يكن هدوءا ذاك الذي ساد قطاع غزة في العام 1987، كان على مايبدو ارهاصا لاحداث كبرى سوف نراها لاحقا، وهي بطبيعتها غير مفاجئة .. صحيح انها تفجرت في جباليا بالقطاع، الا انها صارت في كل مخيم ومدينة وقرية وريف .. حملت تلك الانتفاضة لقب الحجارة لأنها سميت بالاسلوب التعبيري الذي اتبعه ثوار فلسطين .. حري قوله، ان تاريخها جاء بعد خمس سنوات من الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 والذي تم خلاله اخراج قوات الثورة الفلسطينية من ذاك البلد العربي الى منافي تونس وعدن وغيرهما ..
اما اسباب تلك الانتفاضة التي يقال بانها تعبير عفوي فلسطيني لكنها ايضا من تصميم مصمم كما حدث في هذه بالذات، فتعود الى سبب غير مباشر وآخر مباشر .. الاول انتشار البطالة واهانة الشعور القومي والقمع اليومي الذي مارسته سلطات الاحتلال الاسرائيلي. اما الثاني فكانت ان دهست شاحنة اسرائيلية في ديسمبر 1987 يقودها اسرائيلي سيارة يركبها عمال فلسطينيون من جباليا متوقفة في محطة وقود، مما اودى بحياة اربعة اشخاص وجرح آخرين وقد اكتفت الاذاعة الاسرائيلية باذاعة الخبر وكأ،ه حادث عادي، بل ان الدعاية الاسرائيلية التي وفرت لها مناخا كانت تقول ان هذا الحادث جاء كعملية انتقام من قبل احد الاسرائليين تم طعنه قبل يومين حتى الموت، والطعن الفلسطيني ليس جديدا كما نعرف. اعتبر الفلسطينيون هذا الحادث عملية متعمدة، حيث اندلع احتجاج عفوي اثناء تشييع جنازة احد الشهداء قامت خلاله الحشود برشق الاسرائيليين بالحجارة .. ونظرا لكثافة الحجارة التي القيت على الجيش الاسرائيلي طلب الاسرائيليون دعما عسكريا اضافيا مما اعتبر شرارة اندلاع الانتفاضة. هذه العفوية كما تسمى عادة، ليست هي الحقيقة والواقعية في الحكم على حدث كبير من هذا النوع، فلدى الشعب الفلسطيني احساس وحقد وشعور عميق بخسارة وطنهم كان يقف وراء تأجيج النار في قلوبه. ولهذا امتدت الانتفاضة الى العام 1991 وتوقفت نهائيا مع توقيع اتفاقية اوسلو المشؤومة بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 .. وقدر عدد ضحاياها ب 1330 شهيدا فلسطينيا يقابله مقتل 160 اسرائيليا .. لكن اهم من خسرهم الفلسطينيين كان احد ابطال الثورة الفلسطينية وهو ابو جهاد خليل الوزير الذي قتله الصهينة في عملية مكشوفة ليس في فلسطين او لبنان او سوريا او الاردن وانما في تونس على بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين، ولعل السبب الذي عرف يومها انه كان مهندس الانتفاضة وكان من يقودها ويشعلها باستمرار، وقد ظن الاسرائيلي انه بقتله في العام 1988 سيؤدي الى وأدها لكنها استمرت على اتقاد نظرا للحالة الجماهيرية والاحساس الوطني الفلسطيني المتراكم باسباب نذكر منها:
ـ الرفض المطلق والتام لما نتج عن النكبة من تشريد وتهجير قسري، هذا الاحساس كان عاما لدى الفلسطينيين، وكان دائما ينتظر اشارة تعبير كي يتحرك على اساسها. فاذا اضيف اليه العنف المستمر والاهانات والاوضاع غير المستقرة في المنطقة، فمن حق الفلسطيني ان يتفجر غضبا وثورة وهو ما قدمه في تلك الانتفاضة التي باركها الجميع وكتب عنها كثيرون ووصفت شعريا باجمل الكلمات.
ـ الاحتلال الاسرائيلي لمدينة القدس منذ العام 1967 والحاق تلك الدينة المقدسة باسرائيل التي قامت باجراءات من بينها تقنين الدخول الى الحرم الشريف واماكن العبادة الاسلامية، كما ان الاسرائيلي بادر الى رفع شعار ان القدس عاصمة موحدة لاسرائيل وبنى حولها المستوطنات وهو مارفضه تماما الفلسطيني.
ـ ومن اسوأ الامور التي تقف وراء الانتفاضة ماوصل اليه الحال الفلسطيني من سوء اقتصادي ومالي .. اضف الى ذلك كما كتب في هذا الشأن ” الى التمييز بخصوص الاجور اذ بالنسبة لنفس العمل يتقاضى الفلسطيني اجرا يقل بمرتين عن نظيره الاسرائيلي كما كان يطرد العامل الفلسطيني لاتفه الاسباب ودون اجوره كما كان الفلسطيني مطالبا بتصاريح للتنقل من الصعب الحصول عليها بالاضافة الى عمليات التفتيش اليومية وما يرافقها من اهانات مباشرة.
ـ الشعور الفلسطيني بان العرب لايهتمون بالواقع الفلسطيني ولا يستعلمون عنه بل كان آخر اهتماماتهم ان فكروا به، وما تزال تدخلاتهم الفاشلة في منع النكبة طي الافكار الفلسطينية.
ومن الواضح، ان القيادات الاسرائيلية لم يتولد لديها احساس بمشاعر الفلسطينيين واحاسيسهم، فلم يقوموا بترميم اي حالة تصدع بالعلاقة مع الفلسطينيين بل كانوا يزيدون من حالة الكبت والحرمان والضغط العسكري، وكان وزير الخارجية الاسرائيلي السابق قد قالها صراحة قبل ذلك بسنوات من ” ان الفلسطينيين يعيشون محرومين من حق التصويت او حق اهتيار من يمثلهم ، ليس لديهم اي سلطة على الحكومة التي تتحكم في اوضاعهم المعيشية ، انهم يتعرضون لضغوط وعقوبات ماكان لهم ان يتعرضوا لها لو كانوا يهودا .. ان هذه الحالة لن تستمر دون ان تؤدي الى انفجار ” .
بلغت الانتفاضة ذروتها حين عرض ذلك المشهد المؤثر الذي لن ننساه ولا تنساه الجماهير الفلسطينية والذي مازال يتكرر، عندما نشر مصور اسرائيلي صور جنود يكسرون اذرع فلسطينيين عزل باستخدام الحجارة في نابلس .. ولم يتوقف تأثير المشاهد تلك على الفلسطينيين وعلى العرب بل على العالم الذي رأى وحشية وبربرية اسرائيلية لامثيل لها مما اثار تعاطفا مع الشعب الفلسطيني. وتقول المعلومات المستقاة من ذلك التاريخ انها امتدت الى كامل الاراضي الفلسطينية .. فبعد جباليا انتقلت الى خان يونس والبريج والنصيرات ومن ثم كل قطاع غزة .. وانتقل بعدها الى الضفة الغربية .. ومن جمالياتها ان الاطفال والشباب الصغير كانوا عمودها، قد كانوا يرشقون جنود الاحتلال الاسرائيلي بالحجارة ويقيمون حواجز من اطارات مشتعلة .. كما كانوا يجتمعون حول الجوامع ويتحدون جيش الاحتلال الاسرائيلي بان يقوم بتفريقهم، وقد استعملت مكبرات الصوت لدعوة السكان الى التظاهر كما كانت توزع المناشير ويتم الكتابة على الجدران .. تضيف المعلومات كانت المناشير توزع عند مداخل المساجد من قبل اطفال لم تكن اعمارهم تتجاوز السابعة او كان يتم القاؤها من نوافذ السيارات قبل طلوع الشمس ويتم تمريرها من تحت الابواب .. جاء توزيع المناشير كشكل من انواع الاعلام البديل بسب تشديد الرقابة على وسائل الاعلام التي لم تستطع الوصول الى الرأي العام الفلسطيني وايضا مضايقات الصحافيين، قامت اسرائيل اولا باتباع سياسة تصفية من خلال الضرب والايقاف من دون محاكمة ولجأت الى التعذيب الى جانب اغلاق الجامعات والعقوبات الاقتصادية وبناء المستوطنات .. اضافة الى ذلك نشأت لجان محلية داخل المخيمات عملت على تنظيم الغضب غير المسلح وذلك عن طريق المرونة والتعليم والادوية وباق الخدمات الضرورية للمخيمات والمناطق .. اشتغلت هذه اللجان في البداية بشكل مستقل ولكن سرعان ماتوحدفي هيئة تضم المنظمات التي طالبت باقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وبالانسحاب الاسرائيلي خارج حدود 1967 ..
ومن مآثر تلك الانتفاضة نشوء وخروج حركة حماس الى العلن عام 1987، ويعتبر تاريخ الانتفاضة هذا اذن تاريخ ولادة تلك الحركة. عندما اندلعت الانتفاضة في قطاع غزة طلب طلبة احمد ياسين باعتباره مؤسس الحركة المشاركة ودخول المجال المسلح بدل الخط السياسي، لكن ياسين لم يكن يريد مواجهة اسرائيل عسكريا لأنه كان يعتبر ان اية مواجهة مع اسرائيل سيكون مكلفا. ولكنه غير من وجهة نظره بعد اسابيع من انطلاق الانتفاضة وتم البدء بتوزيع مناشير تدعو للانضمام الى صفوف الحركة .. كانت المناشير توقع باسم حركة المقاومة الاسلامية وكان هذه الاسم مجهولا في تلك الفترة.
ورغم ماتميزت به الانتفاضة الاولى من دخول النساء على خطها، الا ان النضال النسوي الفلسطيني قديم العهد، وقد لمعت فيه اسماء مثل سميرة ابو غزالة التي استشهدت وهي تمارس مقاومتها في نابلس، وكذلك فاطمة برناوي التي تم اسرها ومكثت في السجن طويلا، وكرت السبحة بعدها لتصبح المرأة عددا كبيرا في سجون دولة الاحتلال (اسرائيل) نتيجة نضالها ووقوفها الى جانب الرجل في مهماته الوطنية والنضالية.
ورغم مارسمه الحجر في حياة تلك الانتفاضة وما اعلنه من قيم نضالية مهمة لم يجد الفلسطيني غيرها تعبيرا، الا ان عمليات كفاح مسلح استهدفت جنود الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين والمتعاونين معهم، وبينما لم تكن حركة حماس آنذاك تفرق بين الجندي والمستوطن معلنة ان المستوطن جنديا كونه يحتل ارضا ويحمل سلاحه ليقاتل الفلسطيني، كانت نداءات القيادة الوطنية الموحدة تفرق بينهما .. واثناء الانتفاضة تم انشاء مايسمى بالقوات الضاربة ومهماتها معاقبة من يبتعد عن نداءات الوطن .. كما ان الانتفاضة شهدت عددا من العمليات ضد الاهداف الاسرائيلية مثل عملية ديمونا في منطقة النقب عام 1988 حينما تمت مهاجمة حافلة عاملين متوجهين الى مفاعل ديمونة .. كان يتم ايضا اختطاف جنود يهود لمبادلة اسرى بهم وملاحقة وقتل العملاء وسماسرة الاراضي فرديا وجماعيا. .. كما عرفت الانتفاضة الاولى ماعرفته الانتفاضة الحالية وهي ظاهرة السكاكين اذ كان الفلسطينيون يهاجمون الجنود والمستوطنين الاسرائيليين بالسكاكين ويطعنونهم.
ومن الظاهرة التي تستحق الاهتمام مشاركة عرب اراضي ال 48 في الانتفاضة، بل كان رد فعلهم اسرع من رد فعل منظمة التحرير في تونس .. اذ اعلن فلسطينيو الداخل انهم جزء من الانتفاضة وقاموا بتنظيم المظاهرات وحركات اضراب تضامنية كما ارسلوا مساعدات غذائية ومالية كما كانوا يتبرعون بالدم لصالحهم ، اما النواب العرب في الكنيست فقد كانوا يتدخلون من اجل الاسرى .. وتضيف المعلومات عند عندما وجدت القيادة الموحدة صعوبات من اجل طباعة المناشير تم اللجوء الى مطابع الناصرة فيما وضع البعض حساباتهم البنكية بتصرف منظمة التحرير .. هذه الخطوات المهمة وغيرها مما خطاها عرب الداخل الفلسطيني لابد انها تركت أثرا عميقا لدى المحتل الاسرائيلي الذي كشفت له معنى الوجود العربي في فلسطين وكيف انه فلسطيني حتى النخاع.
قدرت حصيلة الضحايا في هذه الانتفاضة اولئك الفلسطينين الذين قضوا على ايدي جيش الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين بحوالي 1162 شهيدا بينهم حوالي 241 طفلا ونحو 60 الف جريح ومصاب اضافة الى 15 الف معتقل فضلا عن تدمير ونصف 1228 منزلا واقتلاع اكثر من 140 الف شجرة من الحقول والمزارع الفلسطينية .. اما من الجانب الاسرائيلي فقتل 160 بينهم 4 اطفال.
/// الانتفاضة الثانية:
لاشك ان ماسمي بالانتفاضة الاولى كان له تأثيره الكبير على الشعب الفلسطيني الذي وجد طريقا سلميا للتعبير عن آماله المكبوتة وعن غضبه الدفين ، وهو وان كان قد مارس قبلها الكفاح المسلح لسنوات ، فان الانتفاضة عدلت من مزاج الفلسطيني الذي يعيش ساعات حياته منتفضا دائما فقربت اليه امكانيات التعبير بوسائل مختلفة. هكذا فعلت ماسمي بالانتفاضة الاولى، وهو مافعلته ايضا الانتفاضة الثانية التي اندلعت بعد الاولى باعوام .. وتاريخها هو العام 2000 .. اما اسبابها فهو الاحباط العام الذي ساد الوسط الفلسطيني بعد توقيع اتفاق اوسلو في العام 1993 .. والسبب هو المماطلة وجمود المفاوضات بين المحتلين الاسرائيليين والفلسطينيين، كما توضح اتجاه اسرائيلي بفرض حل على الفلسطينيين بعيدا عن قرارات الشرعية الدولية، اضافة الى استمرار الصهاينة في سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات لمناطق السلطة الفلسطينية ورفض الافراج عن الاسرى الفلسطينيين بالاضافة الى استمرار بناء المستوطنات واستبعاد عودة اللاجئين بل استبعاد الانسحاب لحدود يونيو 1967 .. كل ذلك جعل الفلسطينيين متيقنين من عدم جدوى الاتفاقا الذي وقع، ومن عادة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ان لايترك الامور تمضي بهذه الطريقة الا وله طريقته في تفجير الواقع ، فكان ان تم اطلاق الانتفاضة الثانية كما قلنا في العام 2000 واستمرت خمس سنوات تقريبا اي الى العام 2005 بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ والذي جمع الرئيس الفلسطيني الجديد محمود عباس ورئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي آنذاك ارييل شارون.
تجاوزت هذه الانتفاضة سابقتها بمفهوم المواجهات المسلحة وتصاعد الاعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الاسرائيلي ، مما ادى الى اعداد كبيرة في الضحايا بلغ فلسطينينا 4412 شهيدا و48322 جريحا .. اما خسائر إسرائيل فكانت باهظة اذ بلغت 334 قتيل ومن المستوطنين 735 ليصبح مجموع القتلى والجرحى الاسرائيليين 1069 قتيلا والجرحى 4500 وعطب 50 دبابة ميركافا وتدمير عدد من الجيبات العسكرية والمدرعات المنوعة.
لم تنته تلك الانتفاضة الا وكان عدد من القادة الفلسطيين قد غاب عن مسرح الاحداث تماما وفي الطليعة منهم ياسر عرفات ثم مؤسس حركة جماس احمد ياسين والقيادي في تلك الحركة عبد العزيز الرنتيسي والمسؤول الاول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ابو علي مصطفي .. كما كان من نتائج تلك الانتفاضة تدمير عدد كبير من المؤسسات الفلسطينية، لكنها بالمقابل كانت مناسبة للعقل الفلسطيني ان يتفتق عن انتاج صاروخ قسام اضافة الى تطوير عدد من الصواريخ الاخرى منها صمود وقدس واقصى اضافة الى صاروخ ناصر..
اما من الناحية الاسرائيلية فقد عمدت اسرائيل الى المباشرة في بناء جدار الفصل العنصري .. كما ادت الانتفاضة الى انعدام الامن في الشارع الاسرائيلي والى ضرب السياحة في اسرائيل.
تلك الانتفاضات التي كانت ثورات بمعناها الحقيقي، وان توقفت، فان مفهومها مستمر في عقل كل فلسطيني وفي جسده، وليس غريبا ان نرى بين الفينة واخرى ماتم تسميته بالهبة الفلسطينية، كما هي حال الاخيرة التي نعيش تفاصيلها الى اليوم والتي كانت ثورة سكاكين شبيهة بما حصل في الانتفاضتين السابقتين. لقد وجد الفلسطينيون ان السكين تلعب دورا مهما له آثاره على مجتمع اسرائيلي بكامله .. ولأنه مجتمع خواف، ومذعور، سيكون لدي المجتمع الاسرائيلي مشاعر الهروب من هذا المجتمع الذي اصبح فيه كل فرد مهدد بان يكون طعما لسكين عربية. والثورة مستمرة ولها نفوذها، والانتفاضة مستمرة ولها اشكالها التعبيرية، لكن الفلسطيني لاينام هو منتفض دائم الى ان تتحقق له احلامه الوطنية.

إلى الأعلى