الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا التي أعرفها وأستشرف أن تكون..

سوريا التي أعرفها وأستشرف أن تكون..

علي عقلة عرسان

سوريا التي أعرفها، بلدي وأمي وأبي وجدي وكل جذوري البشرية: “القومية والروحية والحضارية والإنسانية الضاربة في عمق التاريخ”، سوريا الشامخة الباذخة البديعة الجمال، الممتدة بين نهرين كانا مهد الحضارات وشاطئ لازوردي أعطى العالم الأبجديات.. هي التي يذهب قلبي اليوم عليها حسرات، وتكتوي بالنار بينما يتناوش أبناؤها ويطول أطراف ثوبها العار، من جراء ممارسات وإساءات ومؤامرات وانتهاكات لحرمتها وقيمها وأبريائها وكل ما يتصل بتراثها الحضاري والاجتماعي العريق!؟.. إنها تتعرض لأشكال التآمر وللتدمير والغزو والقهر.. بل لكل شكل من أشكال المعاناة، ابتداء من فقدان الأمن إلى بؤس الجوع والظلم والحصار ووبال الاحتراب وكوارثه.. وسوريا تلك العزيزة التي تسكن سويداء القلب تقاتل في كل موقع من جسمها، جريئة هصورة صريحة، وتصبر وتصابر وهي مصابة جريحة.. “سوريانا” التي في الوجدان والعقل والقلب سوف تنتصر لأنها على مدى تاريخ الكوارث التي حلت بها وبأهلها، وأنواع الغزاة الذين استهدفوها بهمجيتهم وشرورهم.. بقيت وانتصرت.. انتصرت على قوة الغازي وعلى قسوة الظالم وفجور الظالم والمستبد والمستعمر والجاهل والمتطرف ومن يروق له أن يتصرف بشؤونها كمن له حق التصرف.. وانتصرت على من يسكنه الشر ويتآكله الحقد ويود لو يرها أثراً بعد عين.. انتصرت وصدت عنها الحملات واستعادت حيويتها وقيمتها في التاريخ وفي الواقع.. وقد كان ذلك ليس لأن شعب سوريا من نوع من البشر فوق البشر أو لا يطوله ما يطول البشر، وليس لأنه من جبابرة لا يعرف الضعف إليهم سبيلا.. فهو من البشر وفيه كل ما في أبناء البشر، ويصاب بالخيبات والجراح وبالأمراض الاجتماعية والأخلاقية التي تصيب الأفراد والجماعات، والحكام والحكومات، والثقافة والسياسات.. إلخ.. ولكن فرادته متأتية من كونه لا ينهزم من الداخل، ولا ينفد رصيده الروحي بالمعاناة أو يستنزف بعطب يخل بقدرته على التعافي، ولأنه لا يستسلم للظلم والاستبداد والتطرف والجهل، ولا يستكين للقاصرين قامة بالطول والعرض، المقصرين في إدراك حقائق الحياة وإدراك معنى مواقف الشعوب الحية، ولأنه هو من هو في تاريخه العريق بين شعوب الأرض، لا يهن أمام من يتطفل على القيادة ويستهتر بالسيادة ويتطلع إلى ما تقصر قامته عن بلوغه بجدارة وكفاءة.. إنه شعب حي لا تغور ينابيعه الغزيرة في الدفاع والإنتاج والإبداع..
وسوريا التي نحب، وتتقطع نياط قلوبنا على ما يصيبها وتذهب أنفسنا عليها اليوم حسرات سوف تنتصر، وستخرج من المحنة وتدفن الفتنة وتضيئ ظلمة الأنفاق ويرتفع صوتها في الآفاق بقول الحق، وسوف تستعيد ما كان لها وما ترسَّخ فيها من مقومات العيش وقيمه، ومن أسباب الصمود أمام مصائب الدهر.. إنها اليوم تلبس ثياب الحداد، وتخوض غمار الحرب المجنونة، والحرب جنون أو فنون جنون، ويكتوي معظم أبناء شعبها وكل شيء فيها بالنار.. وعلى الرغم من ذلك تصر على أن تبقى وتنتصر وتستعيد ما كانت عليه، لكي تبني على الراسخ السليم القيِّم القويم من أسس الماضي ومستخلَصات الحاضر وتطلعات المستقبل صرح تقدمها القادم الذي يتراءى لي قويًّا بهيًّا راسخاً باذخاً، وأراه يشفُّ من خلال غلالات دمع المأساة الذي يسحّ على الخدود أو ينهمر من العيون ولا يطفئ نار القلوب.. يتراءى لي وأره شفيفاً فلا أنكره، ولا أنكر عليه ترائيه بقوة وبذخ، ذاك لأنني لا يمكن إلا أن أذكر ما كان عليه شعبي وبلدي تطلعاً مني إلى ما سيكون عليه وإيماناً بقدرته على أن يكون.
لقد كانت سوريا في أمن شبه شامل، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال أنه لم يُصب إنسان فيها بذعر أو بما يخل جزئيًّا براحته وحريته وأمنه، ولكن العام الذي يشمل الشعب كله إلا قليلا منه يشكل قاعدة وغير ذلك يدخل في باب الاستثناء، على أنه لا يُقبل، وينبغي ألا يُقبَل، أن يُظلم أحد أو يروَّع أو يُذل ويقهر أو يناله تطاول جاهل أو غواية غِرٍّ مغرور بما ملك من قوة أو مال أو سلطة أو..، أو أن يمسه شيء من ذلك على يدي من ” يجرحهم ويوشِّحهم” ذاك النوع من الأشخاص، على طريقة توشيح الكلاب وتجريحها لتنال من العادين بسوء على البُداة أو من هم في الحواضر من الناس، في أي مكان وزمان.
أذكر في أمسٍ قريبٍ من سوريا التي أحب، وأنا اليوم في سوريا التي تعاني حتى ممن يزعمون أنهم يكنون لها الحب ويقتلونها باسم حبهم لها!!.. أذكر أنني في يوم من أيام فصل الشتاء خرجت بسيارتي من دمشق في الساعة السابعة صباحاً ووصلت إلى القامشلي، أقصى الشمال الشرقي للبلاد، في موعد محاضرتي هناك السادسة مساء في المركز الثقافي العربي، وبعد أن أنهيت المحاضرة والمناقشة التي أعقبتها وامتدت لساعات تزيد على الثلاث، التقيت بعض الأشخاص الذين أصروا على أن نشرب الشاي ونتحدث في أمور كثيرة، سياسية وثقافية، وفي بعضها ما يثير الغضب والعصب.. فكان أن بقينا حتى الحادية عشرة ليلاً أو أكثر من ذلك تقريباً، ثم عدت بعدها مباشرة بالسيارة من القامشلي إلى دمشق ليلاً، ووصلت مكان عملي حوالي الساعة الثامنة صباحاً.. لم يعترضني أحد، ولم يساورني خوف، ولم أشعر بقلق.. نعم كنت مرهقاً ولكن كنت راضياً ومرتاحاً ولم أفكر بموضوع الأمن في سوريا الأمن والأمان آنذاك. وحين أنظر اليوم إلى الوضع الراهن في سوريا البيت والحب والوطن والأهل.. أجد بين ظهرانينا من يرتعد خوفاً إذا مشى ليصل من حي دمشقي في وسط العاصمة إلى آخر في شرقها، وأسمع وأرى وأقرأ عن محاصرين بالخوف بين قرية وبساتينها وحقولها، وبين قرية وأخرى من قرى الريف السوري الممتد من زاوية دخول نهر دجلة إلى الأراضي السورية، وليكن من قرية القبور البيض مثلاً الواقعة في شمال شرقي محافظة الحسكة أو من بوط التي منها العلامية المرحوم الشيخ محمد رمضان البوطي إلى قرية تل شهاب أو المتاعية في جنوب سوريا على الحدود الأردنية السورية.. كما أسمع وأقرأ عن مخطوفين ومغتصبَات ومذبوحين ومذبوحات بالسكاكين على الهوية في حالات، وجرحى ومعوقين من جراء الاقتتال الأعمى، وعن دماء تسيل في كل وقت في ما يحصى من الأمكنة، في هذا البلد الحبيب ذي التعايش السكاني الفريد في العالم كله، وذي التراث الحضاري المنتشر في ربوعه كافة والممتد من زمن مآثر ما قبل التأريخ إلى عصر الناس هذا.. وذي الحقول والمزارع العامرة بكل نوع من أنواع الإنتاج الزراعي تقريباً؟! فإن قلت إنني أُنكر ما هي عليه سوريا اليوم أكون قد فرطت بالكثير من حقها علي وبكل ما كانت عليه وما كان عليه حال الناس فيها، لأن جملة “أنكر ما هي عليه” أكثر من بائسة في تعبيرها عما آلت إليه الأمور فيها من دمار وخراب عمران وتصدع علاقات وأنفس وصلات، وعما يتوجب علينا جميعاً حيالها؟!.. وشتان.. شتان بين سوريا الأمس وسوريا اليوم من حيث الأمان واستقرار الناس في مدنهم وبلداتهم وقراهم وبيوتهم، وتوافر مقومات العيش لهم على أقل تقدير.. ولا أتحدث عن الإنتاج الزراعي الذي حقق اكتفاء ذاتيًّا، لا سيما في المحاصيل الاستراتيجية التي حصَّنت سوريا وحمتها من أن تمد رقبتها لسيف الأميركي والأوروبي وحتى العربي الذي شارك في حصارها اقتصاديًّا إلى جانب أعدائها وأعدائه التاريخيين!؟.. ولا أتحدث عن إنتاجها من النفط الذي حقق اكتفاء ذاتيًّا وتصديراً، ووصل إنتاجه إلى 600 ألف برميل يوميًّا، في حين أن سوريا اليوم لا نحصل من ذلك كله ولا حتى على أقل القليل، ويعيش شعبها في المحنة الأشد، إلا من ” رحم ربك” ومن يتاجر بقوت ذلك الشعب ودمه ومصيره..؟!. ولا أتحدث عن مواقع الإنتاج الأخرى، ولا عن التعليم والخدمات العامة، ولا عن مؤسسات الدولة وعن.. وعن.. إلخ.. إن هذا الذي أشرت إليه مما كان ومما يحاول أن يكون الآن لا يعني أن سوريا كانت جنة الله على الأرض، ولا حتى جنة دنيوية موصوفة، بمعنى انتفاء الشر من ربوعها وقيام العدل بالقسطاس المستقيم فيها، وصون الحق وكل معطيات الكرامة والحرية للناس، ولا يعني أنها كانت خالية من الممارسات المريضة المشينة ولا من الأمور المجحفة بحقوق مواطنين، وأنه لم يكن فيها فاسدون مفسدون وظَلَمَة، وقاصرون في كل شيء من المعرفة والكفاءة إلى الأخلاق القويمة، ومع ذلك يتمتعون بما لا يتمتع بواحد في المليار منه علماء وفضلاء ورجال أكْفاء أنقياء يقومون بواجبهم في مجالات اختصاص وإبداع عدة، وعاملون وموظفون وفلاحون وحرفيون منتجون، ومدافعون عن الوطن بشرف يضحون بأنفسهم وبراحة أسرهم ومستقبل أبنائهم “.. جنود وضباط صف وضباط ورجال شرطة”، ممن يعملون في ظروف صعبة مع غصة في الحلق، جراء ما يرون من معوج الأمور وسيء الأفعال والتصرفات، ومع ذلك يثابرون على عملهم ويؤدون واجباتهم بصمت وصدق، غير ساعين في فساد ولا في إفساد!؟.. إن هذا لا يعني كما قلت إن سوريا خالية من أنواع منهكة مهلكة من الفساد والمرض الأخلاقي والسياسي ومن التمييز المسكوت عنه القائم على أمراض اجتماعية وثقافية، فردية وجماعية، ومن الظلم المبالغ في التغاضي عنه وعن ارتكاساته في الأنفس، والانتهازية المتدنية كليًّا من حيث الأساليب والوسائل، تلك التي ديدن أصحابها تشويه الجيدين والشرفاء والأنقياء والأكْفَاء والقادرين، لتصل إلى حيث تريد باللف والدوران ومسح الجوف والتزلف والافتراء، مستَقْبَلَةً برضا إن لم نقل بترحيب وثقة؟!.. ولكن كل ذلك الذي كان يُمْرِضُ الحياة والأحياء، ويشوب الأمن ويعكر صفو حياة الناس.. لم يكن يرقى إلى تشريد الشعب في الوطن وخارج الوطن، وجعل الناس كلمى القلوب بالملايين، ولا يؤدي إلى الجوع والمرض والخوف والرعب والإرهاب والاقتتال والموت ذبحاً أو جوعاً أو صبراً.. إضافة إلى تدمير العمران ومؤسسات الدولة والعلاقات الاجتماعية، وإضعاف سوريا أمام المحتل الصهيوني وإصابة دورها العربي والإسلامي والإقليمي بمقاتل.. ولا بكل ذلك الذي نشهده اليوم على خلفيات كريهة وفي مستويات مقيتة، ونحن في زمن المحنة والفتنة.
إن سوريا المصابة بسقط الكثير من أبنائها، المهددة من أعدائها، والمحاصرة بأهلها وبعناصر من أبناء أمتيها العربية والإسلامية، تتلمس اليوم بثقة المخارج من أزمتها/ الكارثة، وستبرأ من أدوائها، وستنتصر بانتصار العقل والعدل والحق والكرامة والإنسان فيها، وستنهض من جديد معافاة.. لن يغلب على سوريا شر الأشرار ولا تآمر الأباعد والجوار، ولا تجار السياسة والدم والسلاح والقوت والمقت والموت، ولن ينال منها المتآمر والخائن ومن لا يشعر بإنسانية الشعب ولا يهمه دمه وأمنه وجوعه ومرضه وتشرده، ولا من يتخذ الإرهاب واستعداء الأعداء وموالاتهم سبيلاً للوصول إلى أهداف يقول إنها في مصلحتها ومصلحة شعبها، فما يدمر بلداً وشعباً وما يضعفهما ويسلمهما للقوى الخارجية لا يعمل لمصلحتهما ولا يمكن أن يكون معبراً عن إرادة الشعب ولا خادماً للحق!.. سوريا ستنتصر بالمخلصين والمنتمين والشرفاء والعقلاء والأنقياء من أبنائها، المؤمنين بمستقبلها وبانتمائها لأمتها والحريصين على قيمها الروحية والثقافية والقومية والإسلامية، وسوف تمحو التطرف والظلم والقهر والاستبداد والتمييز بأشكاله والرعب بألوانه من تاريخها الحاضر ومن فضائها المستقبلي، لكي تملأ ذاكرتها بالناصع والمجيد والجديد من صفحات التاريخ والإنجازات العلمية والعمرانية والاجتماعية والحضارية العظيمة، ولكي تعود من جديد بيت العرب ورصيد الأمة ودار أمن وأمان وازدهار، وموطن عزّ وافتخار للصادقين الأنقياء المنتمين من أبنائها.. ذاك ما أؤمن به وأتوقعه وأتمناه، وما أستشفه من خلال الدم المهراق وسجف الليل البهيم، وظلام الظلم والعذاب والرعب.. لأن الإنساني باق والخير ينمو والحق ينتصر وما عدا ذلك إلى زوال مها نما واستطال، ولأن ما أستبشر به هو ما يوحي به ويمليه تاريخ سوريا وشعبها على مر العصور.. وأسأل الله سبحانه أن ييسر لسوريا ولأهلها ما يحبون وما ينشُدون من سلم وأمن وعدل وحرية وكرامة.. إنه سميع مجيب.

إلى الأعلى