الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مهنَّد العُقْبي… الدم الفلسطيني يطارد سافكيه

مهنَّد العُقْبي… الدم الفلسطيني يطارد سافكيه

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

كان من الطبيعي أن يثير مشهد هروب الجندي الصهيوني المدجج بالسلاح أمام صولة فدائي بئر السبع، الشهيد مهنَّد العُقْبي، الأعزل الذي انتزع سلاحه من أعدائه ليطاردهم ويرديهم ما بين قتيل وجريح في مركز المدينة الفلسطينية النقبية المحتلة، كل ما أثاره وعجَّت به شبكات التواصل الاجتماعي من تعليقات وتعقيبات عاكسة لردود الأفعال على مثل هذا الحدث البطولي المثقل بالدلالات، وأن تأتي من الجانبين، الغزاة المحتلين ومقاوميهم الفلسطينيين.
في الجانب الأول، سخط لا يكتم خزيًا يمازجهما ذعر. والثاني، سخرية تزدري بآلة بطش فتَّاكة حوَّلتها الدعاية الصهيونية ورفدها الغربي بآخر مبتكرات القتل المتطور إلى أسطورة يتغنون بها، ومباركة وافتخار ببطولة فتى النقب الأعزل وفدائيه الشهيد…من هذه السخرية، مثلًا، نعت هذه الأسطورة المزعومة بـ”جيش البامبرز”!
في الدلالات، ونتوقف هنا فقط لنشير إلى أهمها، وواحدهما، الإزراء بأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وبالصوت والصورة، في هذا المشهد النقبي الحافل بكل ما عناه ورمز إليه ويغدو المعنون لراهن هذه المرحلة النضالية الفلسطينية، وثانيهما، هو أن هذا الشعب الصامد المكافح سيظل عصيًّا على الانكسار، ولن يفرِّط بحقه في استعادة كامل وطنه السليب، وإن كل جيل يتلو سابقه من أجياله، في الماقبل النكبة والمابعد النكسة وشتاتًا، هو بحكم تراكم موروثه الكفاحي ومعاناته اليومية الصاقلة لبأسه والمغنية لتجربته النضالية يأتي الأصلب والأشد تمسُّكًا بهذه الحقوق والأكثر إصرارًا على استعادتها من ما سبقته من أجيال. لعل هذه واحدة من آيات هذه الحالة النضالية الفلسطينية الراهنة المحتدمة والمتصاعدة…دلالتان يمكن اختصارهما في أن المواجهة هي ما بين باطل يتسلَّح بكل ما ترفده به بواطل الغرب الاستعماري من آخر مبتكرات الموت فائقة التطور، وقضية عزلاء لا تُسلِّحها إلا إرادة شعبها، ولا يحُصِّنها إلا حق غير قابل للتصرُّف وعدالة لا تثلم حدها القوة، ولا يحفظها ويديم جذوتها إلا صمود وتضحيات وعناد شعبي لا يتوقف عن ابتكار المتيسر من أشكال المقاومة، يرفده إيمان بأنه إذا كان للباطل من جولة فإن للحق وحده في نهاية المطاف مآل الانتصار.
ثلاثة أسابيع وثلاثة أيام ازدادت فيها مطاردة الدم الفلسطيني لسافكيه في كامل فلسطين، وأيامها باتت شاهدة على أن آلة فتكهم الهوجاء مرتبكة وعاجزة وعمياء تتلمس طريقها بصعوبة باحثة عن سكينٍ مقاومٍ. فشلت سياسة “كي الوعي”، وكان حصادهم من بيدرها راهن ما يخشونه وهو الاستنزاف، وأن يصلوا حد أن تعرض بلديات لجمهورها من المستعمرين دروعًا واقيةً من الطعن بأسعار مدعومة، وأن يصرخ مانشيت في صحيفة من صحفهم: “اسرائيل لم تعد مكانًا آمنًا للعيش”.
…أسابيع أيامها يتأكد فيها يومًا بعد يوم ما قلناه في مقالنا السابق من أن جيل ما بعد الكارثة الأوسلوية قد هبَّ فالتقط الراية، رفعها عاليًّا وليس في نيته تسليمها إلى من تجاوزهم ولا يلتحقون به، وكل ساعة تمر سوف يضاف إلى هذه الأيام الفلسطينية جدًّا ما سيضيفه الدم الفلسطيني الزكي المقاوم في لحظته النضالية المصيرية الفارقة، وهو أن لا معنى للمقاومة بأشكالها المتعددة إن لم تك المسلَّحة واسطة عقدها، ولا من جدوى للتنظيمات على اختلاف راياتها وآيديولوجياتها إن لم يك الكفاح المسلَّح هو المتسيد لمبادئها، بل ما لنا وللنضال الوطني برمته إن لم تك بوصلته التحرير وهدفه العودة…
ثلاثة أسابيع وثلاثة أيام كانت أكثر من كافية لأن يتذكَّر نتنياهو وكيري وبان كي مون “أوسلوستان” فيهبوا لاستلالها من قوقعة مقاطعتها لاحتواء الهبَّة الثورية الشعبية المتعاظمة والحؤول دون تطورها المتسارع نحو الانتفاضة الثورية الشاملة. كيري يلتقي نتنياهو في برلين وينوي أن يلتقيه مع أبي مازن في عمَّان، ويوقظون الرباعية من غفوتها، ويهيئون لنقاش لذات الهدف في مجلس الأمن… كيري يريد اختصار قضية بحجم قضية فلسطين باجتراع تهدئة تنجم عن توافق أردني ـ صهيوني، ولا بأس إن رُفد بأوسلوستاني، على “توضيح معنى الوضع القائم” في الحرم القدسي الشريف!!! أما بان كي مون، الذي سبق الجميع إلى فلسطين المحتلة ممهدًا، فليس هناك ما هو أسوأ مما تنتظره القضية عادة منه من قوله بعد لقائه بنتنياهو وحلوله في رام الله ومنها: “أنا مصدوم عندما أرى شبابًا يرفعون السلاح ويحاولون القتل”… صدمته لا تساوي فقط بين الضحية والجلاَّد وإنما تدين الضحية!!!
…ثلاثة أسابيع وثلاثة أيام تقول بأن المقاومة ليست خيارًا وإنما ضرورة وجود وسبيل بقاء، أما إنجازاتها، وعلى باهظ كلفتها، فكافية لأن تثبت أن التضحيات وحدها تظل سبيلنا الموثوق للحفاظ على قضيتنا وصونها من غوائل راهن التناسي العربي الرسمي، وضروب التواطؤ الدولي المتآمر لتصفيتها، وأن هناك فارقًا ضوئيًّا بين مقاومة السكاكين الشعبية الراهنة وتلكم المسماة بالشعبية والمراد لها أن تظل الموسمية وعلى الطريقة البلعينية… وإن القرار الوطني بات من الآن فصاعدًا ملكًا حصريًّا لملتقطي رايته والمستعدون لأن يستشهدوا وهم يرفعونها… أسابيع تردد أيامها بأن مهند العُقْبي ومن سبقوه وسبقنه إلى الشهادة أو لحقوا ولحقن به إليها، في القدس، والخليل والجليل، وغزة، ورام الله، وصدموا بان كي مون، وحدهم، ومن سبقهم ويلحقهم على ذات الدرب، ومعهم الجرحى والمعتقلون، هم الممتلكون، وأيضًا حصرًا، لامتياز حق الممثل الشرعي الوحيد للحالة الفلسطينية في هذه اللحظة النضالية المصيرية الفارقة التي يسطِّرها ويؤطرها ويوجهها ويحدد مسارها ويصنع مآلاتها الدم الفلسطيني المقاوم على التراب العربي الفلسطيني المنتفض…

إلى الأعلى