الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو والفجور الصهيوني المنهجي

نتنياهو والفجور الصهيوني المنهجي

علي عقلة عرسان

أثارتني كذبة نتنياهو الفاجرة، حيث قال: “إن مفتي القدس، الشيخ أمين الحسيني مسؤول عن الهولوكوست النازي”؟! ثم عدل فطيَّنها، حيث فقال “إن المفتي مسؤول عن زرع الفكرة في رأس هتلر”؟! فهل رأى أحدٌ أو سمع بأوقح من هذا الشخص، الذي يراكم خداعه، وإرهابه، ونواقصه، يومًا بعد يوم، ويضاعف صفحات سجله الوسخ الذي يغص بالاحتيال، والافتراء، والإجرام، إلى الحد الذي يشمئز أي مكان من احتوائه. تلك الكذبة الوقحة أطلقها رئيس حكومة كيان الإرهاب يوم الأربعاء ٢١،/١٠/٢٠١٥ مقتحمًا متحف “أنبياء الكذب والإجرام” الصهيوني، بدرعٍ قانية، ترشح منها الدماء.
أثارني ذلك، وتساءلت: عما إذا كان هناك أمل في أن يصبح الصهيوني شخصًا طبيعيًّا، بلا عنصرية، ولا افتراء، ولا كراهية مقيتة للآخرين، لا سيما للعرب الذين يصيح بهم، في وطنهم “الموت للعرب”؟! ومرت على لحظة، حملت شريطًا كثيفًا من الوقائع والأحداث والممارسات، جعلتني أتيقن من أن ذلك لن يحدث، حتى لو تحققت معجزة المعجزات، ودخل الجَمل من سم الخياط، “أي من ثقب الإبرة”؟! وأخذت أردد، بأسى: إن ذلك من رابع المستحيلات..
هناك في الحياة، وقائع متالية، رسخت ما يشبه معطيات تشبه قاعدة ثابتة، يبنى عليها، أو يُستنتج منها.. فلتطرف مثلًا أسباب قد تكون في البيئة والظروف المحيطة بالمتطرِّف، أو في الظلم، والقهر، والبؤس، أو في تكوين غير سليم بصورة ما، أو من جراء تكوين شخصي شاذ، أو نتيجة توجيه أيديولوجي، حزبي، ديني، ثقافي.. إلخ، قابل للتغير، وغالبًا ما يتركز أو ينحصر في أشخاص أو شرائح اجتماعية.. مما يدفع إلى تمرد، يتطور إلى تطرف، وربما إلى إرهاب..؟! أما العنصرية المتجذِّرة المزمنة المتوارثة، فتكوين تربوي، روحي، ديني، ثقافي، متأصل في الشخص، يجري منه مجرى الدم، ويسيطر على العقل، ويمنع المنطق، ويسد أفق النفس، ويعمي القلب.. وقد تشمل العنصرية شعبًا، أو شرائح واسعة جدًّا من شعب. ويتم توارثها من جهة، وتغذيتها من جهة أخرى، بتعاليم، وتقاليد، وسياسات وممارسات، وفتاوى، وتربية، وتثقيف، واجترار تاريخ من الممارسات العنصرية المعزولة نهائيًّا عن الأبعاد الإنسانية، وتُكوّن الذاكرة الفردية والجمعية في العمق، لمجتمع أو شعب أو كيان منغلق، قد يحوِّل بلدًا واسعًا إلى “غيتو” كبير، وبؤرة للعدوان والفجور والشرور.. وذلك حال يتجسد حصريًّا في حال اليهود، لا سيما في فلسطين المحتلة، ويشابهه مع غير جمود وثبات مطلقين، حال العنصريين الأميركيين الأوائل ومن تابعهم، أولئك الذين أبادوا عشرات الملايين من الهنود الحمر والأفارقة السود، ومارسوا التمييز العنصري بسادية ودموية، واستنزفوا دماء العبيد، وعذبوهم، وقتلوهم.. أو شأن الأوروبيين “البِيض” في جنوب إفريقيا، الذين شكلوا دولة “أبرتهايد” أنموذجية، وحكموا جنوب إفريقيا بالحديد والنار، قبل أن يتحرر السود منهم، عبر نضال طويل.
إن العنصرية اليهودية ـ الصهيونية، قديمة، وعريقة، وفريدة في بابها، وقد أصبحت الفرادة ذاتها في التاريخ العنصري، عندما اعتمدت العقيدة الصهيونية مضافة إلى التلمودية، وكوّنت عصابات، مارست الإرهاب بكل أنواعه وألوانه وأشكاله، وقامت بالمذابح الفظيعة للفلسطينيين، والأسرى في الحروب، وأسست بالدم، والإرهاب، والقتل، والفساد والإفساد، والتواطؤ مع الاستعمار الغربي، كيانًا عنصريًّا.. ومن ثم انتقلت إلى ممارسة “إرهاب الدولة”، منذ عام ١٩٤٨، معتمدة على الدعم المطلق لها من راعي الإرهاب الأول في العالم “الولايات المتحدة الأميركية”. وبذلك أصبحت “دولة الإرهاب، إسرائيل”، الحالة الشاذة بين ١٩٢ دولة عضو في الأمم المتحدة، من حيث كونها الدولة الوحيدة في العالم التي تقوم على التمييز العنصري بتعاليم دينية، وقوانين وضعية، انطلاقًا من عقيدة راسخة، ومفاهيم خيالية، تستند إلى أسطورة “شعب الله المختار؟!”.. ولتكون وتبقى: الكيان الاستعماري الوحيد الباقي في العالم، بعد عقود من تصفية الاستعمار، و”الدولة” التي تحتل أرض شعب، وتشتته، وتلاحقه في لقمة عيشه، وبسياسة الاقتلاع، وبرنامج الإبادة المنهجي، إبادة “مادية ـ جسدية، ومعنوية، للإرادة والثقافة والحضارة”، وفق استراتيجية دموية، مستمرة منذ سبعة عقود من الزمن على الأقل.. وتستبيح، في سبيل ذلك، كل المحرمات حين تتعامل مع الفلسطينيين، حيث تستهين بالحياة البشرية، وبكل الحقوق، “فتقتل، وتعذيب، وتسجن، وتقوم بما يسمى الاعتقال الإداري بلا محاكمة، وبكل ما يعزز إجرامها من افتراء، وكذب، وتضليل، وتشويه للحقائق والوقائع، وتزوير للتاريخ.. إلخ.. وتستمر في ذلك من دون مساءلة، وبحماية من الدول والتحالفات الكبرى. وبتعمَد مكشوف، ولا تتردد في سبيل تجويد أدائها الإجرامي ـ العنصري، بالقيام بمراجعات، تهدف إلى إتقان فن الخداع، والتضليل، وتسويغ القتل، وكل الممارسات القذرة التي تقوم بها.. وهي تفعل ذلك كلما وجدت أن ذرائعها أصبحت مُحرجة لداعميها، وغير محتملة من قبل من يحمونها ويتواطؤون معها، وبعض الرأي العام الحر.
وهكذا يقوم العنصري الصهيوني المجرم، بتطوير، وتحديث وابتكار، ليتقن تمويه ما يقوم به، أو ليحسِّن أساليب أدائه الإرهابي، وليضفي على وجوده مسحة شرعية، مدعيًا الأخلاق، بوقاحة لا مثيل لها في التاريخ. وتراه كلما أوغل في عالم الجريمة، ولاح له انكشاف فاضح لأمره، يعمَد إلى مزيد من الخداع والمكر والكذب والتضليل. إنه لا يرتدع ولا يُردَع، بل يساهم من يكتشفون عوراته والثغرات الفاضحة في أدائه، إلى مساعدته على الابتكار، لسد تلك الثغرات، وتحسين أساليب الأداء العنصري؟! وعندما يعجز في ستر أو تبرير واقعة ما، يزعق بوجه العالم، بأنه مظلوم، ومضطهَد، ومهدد بوجوده، و.. ؟! وهكذا يقفز فوق الجرائم والممارسات الفظيعة، ويدمر كل ما/ومن، يكشف تزويره وعنصريته، ويقف ضد ممارساته.
إنها عنصرية عريقة بمعنى الكلمة، فكل من سموهم “أنبياء” بني إسرائيل، بعد النبي موسى عليه السلام وأخيه هارون، وكل من وصفوهم بـ”قادة تاريخيين”، من يوشع بن نون إلى نتنياهو الكذاب، وكل زعماء كيان الإرهاب “إسرائيل” ورؤسائه، ومن هم في أساس تكوينه واستمراره: كذبوا، وافتروا، ومارسوا الإرهاب، والقتل، والتعذيب.. وقاموا بالتزوير، وبتشويه التاريخ، واستباحوا كل شيء بلا استثناء.. وادعوا العفة والأخلاق والتمسك بالقيم؟! فعلوا ذلك بغطرسة نادرة، نابعة من تكوين عنصري عقائدي متخلّف ومنغلق، يدور في دوامة كراهية ومقت. وتاريخ هؤلاء يمتد طويلًا بين كذبتين تاريخيتين كبيرتين، ترتج لهولهما الأرض والأنفس، كذبة: “شعب الله المختار”؟! وكذبة: فلسطين “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”؟! الفِرية الأولى دحضها الله سبحانه الذي خلق فسوى، وقدَّر فهدى، وكرَّم بني آدم، وجعله في أحسن تكوين، وساوى بين بني البشر في الحقوق والواجبات، ووعد كلّ من عمل عملًا صالحًا، من ذكر وأنثى، بالثواب وحسن المآب، وكل من عمل عملًا طالحًا بالعقاب وسوء المصير. أما الفِرية الثانية فدحضها، وما زال يدحضها، شعبُ فلسطين البطل، الشعب العملاق، الذي يكتب بدمه، ونضاله، وصموده، وتمسكه بفلسطين “وطنه التاريخي”، قائلًا للصهيوني المحتل وللعالم المنافق: نحن هنا، نحن شعب فلسطين، ورثة كنعان، أصحاب الحضارة والأرض، وأنتم تكذبون وتنافقون.. نحن هنا أيها الصهاينة، نحن باقون، وأنتم على أرضنا عابرون.
وهناك غير هاتين الكذبتين “الأسطورتين”، توجد أسطورة ثالثة، مبالَغ في حجمها وشمولها وسردها، هي “الهولوكوست = الشواة” التي ذكرها الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي، بين أساطير سياسية للدولة العنصرية “إسرائيل”، في كتابه “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”.. تلك دجاجة صهيونية تبِيض “لإسرائيل” ذهبًا، وتحكم قادة في الغرب، ورجال ثقافة وكهنوت، وحتى بعض البابوات، حيث يرتجف من مقاربتها: “ساسة، وبرلمانيون، وباحثون، ومؤرخون، ومثقفون، وإعلاميون.. إلخ، ويعطونها ظهورهم في البحث والتمحيص والمقاربة، خوفًا وهلعًا من الحركة الصهيونية وأدواتها.. أو تراهم يطأطئون لها رؤوسهم طمعًا في عطاياها، وتحاشيًا للوقوع ضمن ضحاياها.. يفعلون ذلك مهما كان موقعهم، ومهما كانت مكانتهم.. حتى لا يحصل لهم ما حصل لكثيرين، منهم: السناتور الأميركي بول فندلي، صاحب كتاب: “من يجرؤ على الكلام”، والأب بيير الروح الفرنسي الطيب، وروجيه جارودي، الفيلسوف الفرنسي المعروف، والكاتب السويسري رينيه لويس بيركلاز، والكاتب البلجيكي سيجفريد فيربيكيه، بسبب تشكيكه بمذكرات آني فرانك عن الهولوكوست، إذ قال “إن هذه المذكرات ملفقة”، والمؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينج، والكاتب الألماني ارنست ذوندل، لأن أولئك شككوا بالمحرقة أو “الشواة” كما يسميها اليهود. أما عالم الكيمياء الألماني غيرمان رودولف، فقد لوحق واضطهد “بسبب ورقة علمية كتبها عام 1995، أثبت فيها أن بقايا الغاز (ZYKLON) الذي يفترض أنه استخدم ضد اليهود في معسكر (أوشفيتز) غير موجودة أبدًا”. وغير أولئك كثير، حيث يتعرض للملاحقة والاتهام والمحاكمة والعقوبة كل من يحاول أن يصحح ذلك التاريخ الذي شوهه اليهود، أو يقارب وقائع الهولوكوست، بمنهجية علمية.. وتتم الملاحقات والمحاكمات، في بلدان “الحقوق والحريات، لا سيما حرية التعبير”، بموجب قوانين فرضتها الصهيونية، في الولايات المتحدة الأميركية، وكثير من الدول الأوروبية.. لأن “الدجاجة التي تبيض ذهبًا لكيان الإرهاب، يجب أن تبقى بأمان، ومقدسة؟!”، على الرغم من التشدق بحرية البحث العلمي، والتفكير، والتعبير.. حتى حين تتحول حرية التعبير إلى تشهير دنيء، كما في الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول محمد “صلى الله عليه وسلم”، في شارل إيبدو وغيرها؟!
أما الحدث الأكبر، ذو التأثير الروحي، المعنوي المستمر، فهو ذاك الذي قام به اليهود، صهاينة وغير صهاينة، بأساليب ووسائل وأدوات غريبة عجيبة ومريبة، وفيه من التضليل ما فيه، ولم يبتلعه بعض العالم المسيحي، على حين طوبه وقدسه معظمه، على الرغم من وقائع التاريخ.. فهو حدث من شقين:
- تبرئة اليهود من دم السيد المسيح. مع أن الحدث ثابت في النصوص، ويدخل في المقدس المسيحي “الصلب”.
- واعتبار التوراة “العهد العتيق”، كتابًا مقدسًا عند المسيحيين، يقترن بالإنجيل وله مكانته، ويطبع معه في طبعة واحدة؟! مع أن التوراة كتاب اليهود الذي تجاوز تعاليم موسى عليه السلام، من جهة، لأنه سجل تاريخ اليهود بعد نبوة موسى عليه السلام ووفاته، بمئات السنين، فسجلها، ليكرس وقائع وحوادث من صنع اليهود، وتاريخًا لهم، وأنبياء، طوبوهم.. وأصبح في القسم الأعظم من الكتاب مقدسًا، وفُرِض تقديسه على المسيحيين؟! مع أن رسالة السيد المسيح جاءت بتعاليم قاومها اليهود، ورفضوا دعوته، وما زالوا يعادونه ويرفضون تعاليمه.. إلا تملقًا في أحوال؟؟ ومع أن المسيح عليه السلام طرد اليهود من الهيكل، وتجاوز دعوتهم، وفضح ادعاءاتهم، وقاومهم، وخرج على كل ما كانوا يمارسونه، وكرست دعوته العامة في الإنجيل.. ودفع حياته ثمنًا لتطرف اليهود، وعنصريتهم، وإرهابهم.. حيث طالبوا بقتله، وقالوا “دمه في رقابنا ورقاب أبنائنا من بعدنا”؟!
فأي تزوير، وأي خداع، وأي خبث.. وأية وسائل وأساليب وقدرات جهنمية.. تقلب الحقائق رأسًا على عقب، وتشوه التاريخ، وتُلغِّم العقائد الدينية بألغامها؟!
لقد حرض نتنياهو على الفلسطيني، وأراد أن يحملهم مسؤولية الهولوكوست، من خلال اتهامه للحسيني.. وتلك وقاحة تندرج في سجل الوقاحة الصهيونية. يا سيد نتنياهو لم يكن مفتي القدس، الحاج محمد أمين الحسيني نازيًّا، ولا عنصريًّا، ولا إرهابيًّا، ولا متطرفًا، ولا مخربًا، يا نتنياهو.. ولم يزرع في رأس هتلر فكرة “الهولوكوست = الشواة”، فذاك كان من عمله وعملكم، من تكوينه وممارساتكم، من تحالفكم مع الحلفاء لتدمير هتلر اقتصاديًّا، في الحرب العالمية الثانية، وهي حرب معلنة خاضتها أطراف ضد أطراف، ولم يسلم منها العالم.. وذاك أمر جعل الفوهرر يغضب عليكم، ويعلن ذلك في الرايخشتاغ عام ١٩٣٩، كما قالت مؤرختكم دينا بورات لم يكن المفتي هو الذي أوحى لهتلر بإبادتهم “اليهود”، فالفكرة تسبق لقاء الحسيني بهتلر في تشرين الثاني/نوفمبر 1941، وتعود إلى كلمة كان قد ألقاها الزعيم النازي أمام الرايخشتاغ في الثلاثين من كانون الثاني/يناير 1939 دعا فيه إلى إبادة الجنس اليهودي”.. هذا حسب تعبيركم أنتم. وعلى هذا فأنت رئيس حكومة المزوِّرين، والمعادين للفلسطينيين، وللعرب والمسلمين. إنك مخاتل، ومنافق كبير يا نتنياهو، حينما أوحيت بأنك عدلت رأيك الذي قلته، قبيل سفرك إلى ألمانيا.. فأنت، بعد أن أعلن ستيفين سيبرت، الناطق باسم المستشارة أنجيلا ميركل: “.. كل الألمان يعرفون تاريخ هوس النازيين الإجرامي بالأجناس الذي أدى في نهاية المطاف إلى المحرقة التي مثلت انفصالًا كاملًا عن الإنسانية.. وأنا لا أرى سببًا لتغيير نظرتنا للتاريخ بأي شكل، فنحن نعلم أن المسؤولية عن هذه الجريمة ضد الإنسانية هي مسؤوليتنا نحن الألمان”.. بعد ذلك قلت: “لم أسعَ أبدًا إلى تبرئة هتلر من المسؤولية التي يتحملها، بل كنت أريد أن أشير إلى أن “والد” الشعب الفلسطيني، المفتي كان قد مارس حتى آنذاك التحريض الممنهج على إبادة اليهود”؟! ببساطة شديدة يا نتنياهو أنت لم راوغت، لأنك كذاب، وقاتل، ومحرض على قتل الشعب الفلسطيني، وعنصري من درجة بالغة الانحطاط.
لقد بطش هتلر بمن بطش به من اليهود لأسباب، وعوامل، ومواصفات عنصرية، ونازية مدانة، ليس هنا مجال مناقشتها، ولكنك تثبت في القرن الواحد والعشرين أنك من تلاميذ هتلر والنازية في تحريضك على الفلسطينيين، وفي تشويهك المتعمَّد للتاريخ… أما محمد أمين الحسيني، مفتي القدس “1315هـ = 1897م – 1394هـ = 1974م”، فقد كان لاجئًا في ألمانيا، هرب إليها من أحكام الإنجليز عليه وملاحقتهم له، لأنه قاوم مشروعكم = مشروعهم، أي سرقة وطنه فلسطين وإعطائه لكم.. وكان المحتلون البريطانيون ينفذون وعد بلفور، بتكليف من عصبة الأمم، لتكون بلاده، فلسطين، “وطنًا قوميًّا لليهود؟” أتذكر ذلك.. أتذكرون ذلك؟! حينما أعطى من لا يملك، لمن لا يستحق، وطن شعب آخر بالخديعة، والقوة، والتآمر، والاحتلال، والإرهاب.. إلخ؟؟”، أتذكر.. أتذكرون!؟ نحن نذكر جيدًا، ولن نغفر، ولن ننسى.
لقد كان محمد أمين الحسيني من العرب المسلمين الذين حموا اليهود، إلى كانت ثورة القسام ١٩٣٦ وما أصابها، وتبين أن الصهاينة بعنصريتهم المقيتة، وعصاباتهم القذرة، ومذابحهم الفظيعة، ونواياهم الاستعمارية، وممارساتهم الإرهابية.. يشكلون خطرًا ماحقًا على فلسطين، وشعبها، ومقدساتها.. على تاريخها، وهويتها، وأمتها.. على وجودها كوطن تاريخي للفلسطينيين العرب، ورثة الكنعانيين العرب، ذاك الوطن الذي ليس لهم من وطن سواه. عند ذاك دافع الحسيني بشرف عن نفسه، وعن وطنه، وعن شعبه، وعن دينه، وعن عروبته.. ضد ظلم، وطغيان، وغزو، واحتلال، وإرهاب، وعنصرية صهيونية ذات شرور بلا ضفاف. وإذا كان، في أثناء لجوئه إلى ألمانيا، قد أيد هتلر، فلأنه كان هناك تحالف دولي، في عالم الحرب العالمية الثانية، يستهدف وطنه وشعبه، وكان من الطبيعي أن يلجأ إلى التحالف المضاد.. ورغم ذلك لم يكن مقبولًا، فحين عرض على هتلر تشكيل قوة من المتطوعين العرب والمسلمين، تحارب إلى جانب المحور في شمال إفريقية وشرق المتوسط، كما كنتم أيها الصهاينة تحاربون إلى جانب الحلفاء.. رفض هتلر عرض الحسيني ذاك، وقال له: “إنني لا أخشى الشيوعية الدولية، ولا أخشى الإمبريالية الأميركية البريطانية الصهيونية، ولكن أخشى أكثر من ذلك كله هذا الإسلام السياسي الدولي”؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ألم يكن زعماء صهاينة منكم، يتواطؤون مع هتلر، بوقائع ثابتة، بهدف التضييق على اليهود وبث الرعب فيهم، لكي يرحّلوا إلى فلسطين، ليُقام فيها الكيان العنصري، الغريب العجيب الرهيب، كيان الإرهاب الصهيوني، تنفيذًا “لوعد بلفور، ولاتفاق سايكس – بيكو”، بين الدول الاستعمارية الكبرى في القرن العشرين؟! لقد كنتم تؤيدون الحلفاء، وتوالونهم وتحاربون إلى جانبهم، ويتواطأ بعضكم سرًّا مع هتلر، في مشروع الصهيونية العدواني، الذي ما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم. وإذا كان لكم من مشكلة، وعذاب، وآلام، ومحرقة، ومعاناة.. وضحايا فيما سُمّيَ الحل النهائي.. إلخ، فذاك كله مع هتلر وليس مع الحسيني.. إنه مع النازية، وليس مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين.. وإنه مع أنفسكم، وأفعالكم، ومؤامراتكم، وعنصريتكم التي جعلت أوربا تتخلص منكم، وتلقيكم نفايات ودوامات شر على منطقتنا.. مشكلتكم هناك وفي ذواتكم، وليست مع الذين تستهدفونهم، وتحتلون وطنهم، وتقتلونهم، وتشوهون نضالهم، وهويتهم، وتاريخهم.. وتدنسون مقدساتهم، وتهاجمون دينهم، ونبيهم، وتعملون على إبادتهم، وإنهاء وجودهم الحضاري العريق.
لن تنجحوا أبدًا يا ظلام العالم، وشر الأنفس، وسوف تنتصر فلسطين، وينتصر شعبها، ويغمر نورها البهي كل الأرض المقدسة.. أما أنتم، فمن نفاية مكان يقذفها إلى مكان، إلى نهاية في كل مكان وزمان..
وإن غدًا لناظره لقريب.

إلى الأعلى