الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / في تورخة الأدب العربي

في تورخة الأدب العربي

أ.د. محمد الدعمي

يدرك الفلاسفة ومؤرخو الأفكار جيدًا أن تواريخ الأدب والثقافة لا تقل أهمية عما يسمى بـ”التواريخ العامة”، بل إن بعضهم يذهب بعيدًا حد عد النوع الأول أكثر أهمية من الثاني.
إذا كانت التواريخ العامة أقرب إلى التواريخ المدرسية باقتصارها على أن تكون سجلات أحداث أساسية، فإنها غالبًا ما تخفق في تورخة قصص الشعوب والطبقات العاملة أو الكادحة، مركزة جل اهتمامها على تواريخ البلاط والمعسكر. البلاط يرمز للتاريخ السياسي أو لتاريخ السلطة، أما المعسكر، فيرمز لتاريخ الحروب، وهي جميعًا قصص القتل والتخريب، لا قصص التقدم وسعادة الإنسان وإبداعه.
ومن منظور ثانٍ، يعد آخرون تواريخ الأدب والثقافة أكثر أهمية مما يسمى بالتواريخ العامة، فيرفضون إلحاق تواريخ الأدب بالتواريخ العامة بصفة ثانوية أو مساعدة. وعلة ذلك هي أن الأدب ليس مجرد سجل حولي للأحداث، وإنما هو رصد ومتابعة لتطور الأمة أو الجماعة الوجداني والنفسي والروحي. ودليل أهمية تواريخ الأدب هو أن العرب لا يملكون تواريخ دقيقة أو تقليدية عن الحقب السابقة لظهور الإسلام، باستثناء إشارات وشذرات طافية هنا وهناك تمر على المرء كمرور الكرام على الردى، كما تقول العرب.
أما الدليل المعزز لما نذهب إليه في أعلاه، فهو أننا نعتمد تاريخ الأدب فقط، مرآة لتاريخ عرب ما قبل الإسلام: فما أن تنطق بلفظ “ما قبل الإسلام”، تقفز المعلقات إلى الذاكرة، ناهيك عن قصص شعرائها، أما الطافيات الأخرى، فلا تزيد عن قصص نصف خرافية ونصف تاريخية عن شواخص وقيم أخلاقية: حاتم الطائي، هو رمز للضيافة والكرم العربي، عنترة، هو رمز للشجاعة والفروسية، زيادة على رمزيته للتمييز عند العرب على أساس لون البشرة.
أما تواريخ الأدب التي درسناها في المدارس وحفظنا منها نصوصًا بالآلاف، فإنها هي الأخرى لا تخدم سوى مرايا لذائقة العصور التي دونت بها هذه التواريخ، ناهيك عما اعتورها من خيلاء وانحيازات وتحاملات سياسية أو طائفية.
وللمرء أن يتصفح أيا من تواريخ الأدب المدرسية أعلاه ليتأكد من أن مؤلفيها قد اضطروا لحذف أسماء ونصوص شعراء وكتاب جهابذة، محاباة لأولي الأمر وللقائمين على السلطة، بدليل حذف هذه الأسماء أو دفعها خارج النص التاريخي.
والحق، فإن هذه الظاهرة البارزة في تواريخ الأدب العربي، للأسف، وهي التي تدفع المرء إلى الدعوة إلى “تورخة الذوق”، بمعنى رصد التغيرات والتحورات الذوقية التي يعكسها الأدب أكثر من سواه من الفنون، الأمر الذي يقرر كذلك طبيعة انتقاء أسماء الأدباء وانتخاب أعمالهم كي تقدم للتلاميذ أو للقراء عامة.
ولأقسام اللغة العربية في جامعاتنا من المحيط إلى الخليج أن تتأكد من أن مؤشرات التحولات الذوقية تدل على أن ما رصد أو سجل من تواريخ الأدب في القرن الزائل لا يمكن أن تتواءم مع الذوق العام السائد اليوم بسبب التغيرات الجذرية التي طرأت على الحياة العربية مذاك حتى اليوم.

إلى الأعلى