الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: أبعد من السلاح الروسي

باختصار: أبعد من السلاح الروسي

زهير ماجد

سمعت أحد الأساتذة في إحدى الجامعات اللبنانية يدعو إلى إباحة تعلم اللغة الروسية، وكان يرى أن المنطقة العربية مقبلة على ما هو أبعد من الوجود العسكري الروسي فيها، وأنا أقول إنها يقظة روح الشرق، عندما ترجم سامي الدروبي أعمال الرائع دوستويفسكي فلأنه أقرب إلى روحنا وإلى نمطنا الاجتماعي.
رب نافعة في العسكر والسياسة تأخذ إلى أبعاد مختلفة يختلط فيها الاجتماعي بالإنساني بالطبي بالعلمي بكل ما له علاقة بحياة الإنسان في هذه المنطقة التي تربينا فيها على عبدالناصر والسوفييت وحافظ الأسد والسوفييت أيضا، وكان يجب لتلك العلاقات المزدهرة أن تخرج عن كونها فقط عسكرية الطابع، ليلتحم فيها البعد الإنساني أيضا، رغم أيادي السوفييت في السد العالي في مصر وفي سد الأسد بسوريا، في منشآت متعددة يجب أن لا تنتسى مع مرور الوقت، وقد حان الزمن الذي تعاد فيه العلاقات إلى وضوحها الأبعد من العسكرة لتدخل في نسيج الحياة عامة، فروسيا ليست فقط مصنعا للدبابات والطائرات الحربية والذخائر وغيره من مشتقات السلاح، بل هي دولة عظمى، ثم هي تاريخ أين منه التاريخ الأميركي الذي ولد البارحة، وهي أيضا ذات سطوة روحية على عالم واسع.
بحاجة إلى روسيا الأخرى، تلك التي خرّجت آلافا من المختصين العرب والأفارقة والشرقيين عموما في شتى حقول العلم والمعرفة، وقدمت فصلا مهما فائق الأهمية في السفر إلى خارج الأرض لا بل كانت الرائد فيه، ناهيك عن حضورها العالمي يوم كانت الآيديولوجيا الاشتراكية والشيوعية في أوج عزها، لم يكن يقال مثلا سوى الصراع الأميركي ـ السوفييتي، والحرب الباردة بين الجبارين، كانت لفظة الجبار من علامات الحضور السوفييتي .. كثير من الكلام الذي لا ينتهي حول روسيا التي تنبه إليها مؤخرا حتى بعض الكتاب أو الاستراتيجيين، وهي التي قدمت مساعدات لمصر وسوريا وللعراق أيضا يمكن لمستودع الأسرار والذكريات أن يكشف الكثير منها.
لقد زرت روسيا مرتين في حياتي، الأولى يوم كانت شيوعية والثانية قبل سنتين، ويهمني هنا أن أتحدث عن الإنسان الروسي الذي جالسته وكان من كل الأعمار تقريبا، فأحسست أن بذلك الاعتداد الوطني الذي هو امتداد لتاريخ جليل، ألم يأمر ستالين خلال الهجوم النازي على ليننجراد بصيانة مدخرات متحفها الشهير الآرميتاج قبل التفكير بأي شيء آخر يخص المدينة وحتى إنسانها، لنعرف بالتالي على ماذا تقوم الروسية الأبعاد وكيف يقرأ الروسي تاريخ الإنسانية من خلال تاريخ بلاده.
يجب أن نعي أن روسيا ليست مجرد جغرافيا عملاقة، ولا حتى بخاماتها التي تحتاجها أوروبا مثلا، وليست هي “السوخوي” و”الميج” والصواريخ العملاقة فقط، ولا هي أيضا صاحبة مصالح فقط وكفى، وإنما ذلك كله جزء من صورة بانورامية لدولة عظمى عادت لتطل بعسكرتها، لكن الأساس الذي يجب أن يفهم عنها، أنها عادت لدور، لكنه هذه المرة مزيجي، ويفترض أن تنتبه إلى أن الأميركي ـ رغم وحشيته وعدم نزاهته السياسية وحتى الإنسانية ـ يتربع على العالم بقدرات مصطنعة تلعب فيها الدعاية دورا، ويلعب فيها الدور حضورا، ولها في الشرق الأوسط بابها الرئيسي المطل على العالم، بل هو مسرحها لكي تظل مبهرها؛ ولهذا يهتم الرئيس الروسي بوتين في كلامه الأخير بالحديث عن هذا الشرق الذي لعبت فيه أميركا ويحتاج لمعالجة مختلفة عن كل حضورها فيه.

إلى الأعلى