الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (181) : قضية المصطلحات العلمية العربية (3/6)

نافذة لغوية (181) : قضية المصطلحات العلمية العربية (3/6)

إن الشكوى من أن المصطلحات العلمية الموحَّدة لا تُستعمَل في الدول العربية كثيرة جداً، يصحبها في العادة نوع من اليأس وشيء من التذمُّر من الأمزجة الفردية للعلماء في الدول العربية. والحقُّ أن الأمزجة الفردية وافرة، وركون العلماء إلى المصطلحات التي شاعت في أقطارهم معروف، والحواجز القُطْرية التي تحول دون لقاء العلماء وتوحيد مصطلحاتهم شيء لا تُخطئه العين. بيد أن هذه العوامل التي حافظت على تعدُّد المصطلحات للتصوُّر الواحد، وابتعدتْ عن توحيدها في مصطلح واحد يستعمله العلماء العرب من المحيط إلى الخليج، لا ترقى إلى مستوى القرار السياسي. أقصد هنا وجود القرار السياسي الإيجابي الذي يفرض على الهيئات والجامعات ومراكز البحوث استعمال المصطلحات العلمية الموحَّدة ونبذ ما خالفها. ولا شكَّ في أننا لا نملك القرار السياسي، ونشعر أن المصطلحات العلمية العربية غزيرة غير موحَّدة. ولستُ أدري كيف تُشجَّع محاولات توحيد المصطلحات إذا لم يكن هناك قرار سياسي يدفع بالمصطلحات الموحَّدة إلى الاستعمال؟. إن القضية سياسية ولا علاقة لها باللغة العربية.
أخلص من قضية المصطلحات العلمية إلى يقين لا تشوبه شائبة، هو أن اللغة العربية قادرة على وضع المصطلحات وتوحيدها بين الأقطار العربية، لكنّ استعمال المصطلحات الموحَّدة وعدم استعمالها أمران مرتبطان بالقرارات السياسية القُطْرية ولا علاقة لهما باللغة العربية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن للغة العلمية العربية وجهين: إيجابي وسلبي، وكلٌّ منهما لغوي. بيد أنني سأكتفي هنا بالوجه الإيجابي لدلالته على قدرة اللغـة العربيـة على استيعاب العلم الحديث. أقصد بالوجه الإيجابي تجربة تدريس العلوم ونشر البحوث والكتب العلمية باللغة العربية، وبالوجه السلبي تدريس هذه العلوم بإحدى اللغات الأجنبية. كما أعتقد أن التدريس والتأليف يساعدان على تكوين اللغة العلمية العربية، وإنْ كانت في هذه اللغة أمور أخرى لن يكون لها نصيب في حديثي لارتباطها بمنهجية البحث العلمي وابتعادها النسبي عن العلاقة المباشرة باللغة العربية.
لقد استعملت جامعة دمشق، من بداياتها الأولى حين كانت مؤلَّفة من معهدي الطب والحقوق، اللغة العربية في تدريس العلوم وتأليف الكتب العلمية. وحين أُنشِئت الجامعات الأخرى (حلب والبعث وتشرين والفرات) والمعاهد العليا والمتوسطة لم يستطع أحد الفكاك من هذه السُّنَّة الحميدة. وهذا العمل الذي بدا في بداياته صعباً لندرة المصطلحات العلمية العربية لم يُضعِف من عزيمة الرواد الأوائل وإيمانهم بضرورة تطويع اللغة العربية لحاجات العلم والبحث العلمي، بل كان حافزاً لهم إلى التشبُّث بإلقاء دروسهم العلمية باللغة العربية الفصيحة، وتأليف كتبهم العلمية ووضع مصطلحات علومهم بها. ولا تهمّني، هنا، الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الموقف اللغوي النبيل، بل تهمني الإشارة إلى أن تشبُّثهم بهذا الموقف اللغوي دفع زملاءهم الذين لا يتقنون اللغة العربية الفصيحة إلى إتقانها لئلا يبدو مستواهم اللغوي العربي متدنّياً أمام طلابهم والمجتمع العلمي المحيط بهم. وقد نصَّ د.حسني سبح في بحثه (تعريب علوم الطب)، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد 30، كانون الثاني/ يناير – حزيران/ يونيو 1986 على أن هذه الفئة نجحت في إتقان اللغة العربية، حتى إن تقيُّد أساتذة الطب باللغة الفصيحة بذَّ التقيُّد بها في الكليات الأخرى غير العلمية بشهادة أحد المستشرقين الذين زاروا دمشق آنذاك… ويمكنني القول إنّ هؤلاء الرُّواد وضعوا اللَّبِنة الأولى في صرح اللغة العربية العلمية، تلك اللّبنة التي استندت إلى الأسلوب الخبري بدلاً من الإنشائي، واتّصفت بالتحديد بدلاً من التعميم، والوضوح بدلاً من الغموض، فضلاً عن توافر المصطلحات العلمية وهي الجوهر الذي لا غنى للغة العلمية عنه. كما أن عمل هؤلاء الرواد ينمُّ، من جانب آخر، على أن اللغة العربية نفسها قادرة على أن تكون لغة العلم الحديث تدريساً وتأليفاً. وقد عزّز الاستمرار في التجربة نفسها اللغة العلمية العربية، فزادت غنىً ومرونة وقدرة على الإيصال العلمي السليم. كما تخرّجت أجيال من الأطباء والصيادلة والمهندسين المدنيين والمعماريين والزراعيين في الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة السورية دون أن يشكو أحد من أن التدريس باللغة العربية حال دون الفهم والإفهام، أو جَعَل مستوى الخِريج في الكليات العلمية يتدنّى بالنسبة إلى مثيله في الجامعات الأجنبية. بل إن مستوى هذا الخِريج بدا أكثر رقيّاً من زميله العربي الذي تلقّى علومه بإحدى اللغات الأجنبية.
وإن تجربتي مصر ولبنان في القرن التاسع عشر قدَّمتا دليلاً ناصعاً على إمكانية تدريس الطب وتأليف الكتب الطبية باللغة العربية. ولكنّ إجهاض هاتين التجربتين قدَّم دليلاً آخر على أن تكوين اللغة العلمية العربية يحتاج إلى زمن تترسّخ فيه هذه اللغة، وينشأ نوع من التراكم في المؤلّفات العلمية يتيح للعرب فرص الإبداع العلمي. وقد توافر ذلك نسبياً في التجربة السورية، لكنّ اللغة العلمية العربية لم تنضج لاستمرار الدول العربية الأخرى في اعتماد اللغـة الأجنبية في تدريس العلوم. وقد سعى مجمع اللغة العربية الأردني بعد إنشائه عام 1975 إلى الإسهام في مشروع تعريب التعليم الجامعي، فترجم كتباً كثيرة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والعلوم الحياتية وعلم طبقات الأرض، إيماناً منه بأن الإبداع لا يتمُّ إلا باللغة القومية. وعَمَلُ المجمع الأردنيّ عزَّز اللغة العلمية العربية؛ لأنه وسَّع مناطق نفوذها وجَعَلَ مستعمليها أكثر عدداً. والأمل أن تحذو الدول العربية الأخرى حذو سورية والأردن لنتمكّن من القول إننا بدأنا نملك لغـة علمية عربية بعد إثباتنا أنْ ليس في لغتنا العربية ما يحول دون تكوين هذه اللغة.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى