الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / من وحي السفر .. فوندي باد ( 5 )

من وحي السفر .. فوندي باد ( 5 )

تريجراد ـ فوندي باد ـ تريجراد

لقد صادفت رحلتي في الصيف حيث إن هذه الرحلة هي من أكثر رحلاتي تميزا كونها اخترقت المدن البلغارية بما فيها العاصمة ( صوفيا ) والتي طارت شهرتها في الآفاق ، هذا الاختراق نحو تلك المدن كان عن طريق الجبال واصفا إياها بعين الدهشة وهي التي تمتد سلسلتها من بلغاريا إلى تركيا، كما أن في قيامي بهذه الرحلة لم أكن مجرد زائر عابر فقط تبهره الأشياء وتخطف بريقها بصره وإنما أتيتها رحالا ومغامرا وعدت منها ونفسي مبتهجة نحو الحديث عن جغرافية المكان ومسالكها وطبائع أهلها، لذلك في هذه الرحلة رأيتني أشحد القلم واللسان وأحصره كي أكتب عن هذه الرحلة أول بأول طيلة فترة إقامتي بين المدن بعد ما باتت الفائدة عظيمة ومضاعفة ومتعة كبيرة بدأ من الطبيعة إلى ملامح المدن وأمواج الناس بأطيافها بعد ما امتلئت بهم الشوارع والساحات .
كما إني سأورد للقراء الكرام ما كنت أدونه كل مساء على دفتر رحلاتي راغبا في اطلاعهم بما كنت أقوم به بعد ما زادت الرحلة عمقا واتساعا فلا يكاد القاريء يشعر بالضياع وهو يتتبع مراحل الرحلة بعد ما يتنقل من منطقة إلى آخرى ذاكرا في ذلك أهل المدن التي أصلها، منها بها قوم من المسلمين ساجلتهم شاعرا بالامتنان والانسجام معهم.
وذلك بعدما رأيت أنفع طريقة نحو معرفة أهل البلاد سواء من خلال معاشرتهم ومعرفة عاداتهم وأخلاقهم وأنماط عيشهم وحقيقة طبائعهم، لذلك في هذه الرحلة طرقت أبوابا من خلال إقامتي مع عدد من العوائل في المدن التي أصلها وهي أفضل طريقة لنهل ثقافة الطرف الآخر حيث أكلت من طعام هؤلاء البسطاء بعد ما لقيت منهم كل الضيافة والتكريم وهو ما لا أجده في مائدة أي ثري.
هؤلاء البسطاء يمتازون بدماثة الأخلاق وسمو الآداب وبساطة العيش والإحساس، ومن خلال هذه الخصال إذا جمعتها سوف تتكون لديك صورة الشعب الذي تكون في ضيافته، وما رحلتي هذه سوى نبذة وقطوف عن هذه المسالك أردت منها أن أقوم بكشفها للقارىء من خلال تتبعه للحلقات بلغة الحديث السردي والمحكي دون تغريب أو نمنمة حيث إن هنالك الكثير من الجوانب المجهولة من التي اعتاد المسافر عليها حيث إن في الأسفار فوائد جمة وأخصها بالذكر رؤية الدنيا ودرس في الأخلاق وتفقه في العقل وصحة الجسم وأنشراح في الصدر .
هذه الرحلة دونتها أثناء اغترابي في هذه البلاد، وإذا وفقني الله في وصفي فذلك سيكون عنوان البلاد والله المسؤول أن يهيء لي العودة بسلام إلى الوطن المحبوب، إنه سميع مجيب.

مسار الرحلة :
بدأت رحلتي من مسقط متوجها إلى صوفيا مرورا باسطنبول تركيا، ومن العاصمة البلغارية ركبت حافلة صغيرة أقلتني إلى هاتيك الجبال باتجاه ديفين ومنها غادرتها إلى تريجراد عبر ياجودينا ومنها إلى زريبيفو، وقبل العودة بأدراجي بإتجاه تريجراد ومن ثم إلى فوندي باد وبعدها توجهت إلى لياسكوفو وأخيرا بلغت إلى ميراكيولوس قبل البدء برحلة العودة إلى صوفيا مرورا باسطنبول والعودة إلى أرض الوطن .
إن هذه الرحلة بلذتها البهية والتي كادت أن تعكر صفوها تلك السحابة المطيرة، فإن ذلك مألوف في هذا الفصل من فصول السنة بعد ما مرقت على غمام يهطل فوق رؤوس الجبال ونسمات الأشجار وهي تهب حاملة نفحات الأزهار حيث الشمس بدأت منتشرة بذيل السحائب وأنواع الأطيار تناغي تلك الجبال المطيرة التي أخترقها.
أما أثناء رحلتي باتجاه جبال (زريبيفو) لم أكتب عن الرحلة بيومها كما كنت أفعل أثناء توقفي للاستراحة، وذلك بسبب المطر حيث لم أستطع الإمساك بالقلم والاقتراب من أوراقي بعد ما تبللت وأصبحت واهن القوى والتي بسببها تلاشت من جسدى الأحاسيس حاملا جسدي الثقيل وروحي الفارغة، لذلك بسبب تلك الأمطار والعواصف لم أصل (تريجراد) في الوقت المحدد.
أما عند فجر اليوم التالي ومن خلال نافذة غرفتي بدأت عتمة الليل الظلماء تتلاشى شيئا فشيئا حيث انطفأت نجوم الليل وأضواء المدينة وبدت الجبال والهضاب المجاورة لغرفتي والتي أحاطت بالمكان يمكن رؤيتها بعد ما بزغت شمس هذا اليوم حيث، أسفر هذا الصباح عن وجهه الوضاح وأصبحت السماء مصحية والهواء في غاية الاعتدال حيث تناولت إفطاري مغادرا بعدها (تريجراد) بإتجاه بلدة (فوندي باد) سالكا مسار المشي حيث بدأ هذا السير المتدرج يسير بي باتجاه الصعود مارا على عدد من قناطر المياه والتي تنعش الأرواح والأجسام عند شرب مياهه العذبة حيث ملأت القناني التي بحوزتي فحمدت الله على جزيل نواله .
أكملت بعدها السير إلى أن مررت بمسجد أشبه بجوامع الأتراك حيث بدت منارته من الجزء الأعلى مطلية بلون الذهب وفي أعلى نقطة من تلك المنارة ينتهي بها هلال وذلك كي يرى من مسافة بعيدة، هذا السير يسير بي إلى أن بلغت نحو مفترق منعطف بإتجاه الشمال ووسط مراع جميلة أحاطت بالمكان حيث رأيت مخازن خشبية فوق هذه التلال الجبلية، وقد أقاموها لتخزين مؤن للحيوانات.
قادني بعدها طريق المسارعند منحدر يؤدي ممره باتجاه أسفل الجبل وهو يخترق مساحات شاسعة من الأراض المكسوة بأعشاب شوكية بديعة الألوان وبعد 100 متر دخلت في غابة من غابات التيك (تكتوناجرانديس) بأنواعها المختلفة .

هذا الإنحدار أفضى بإتجاه قرية (جالا) حيث مشيت وسرت قرابة 300 متر حتى بلغت عند نهر (فوندي) وهو يتدفق من وسط الأشجار مارا في الوقت نفسه على أسطبل للجياد وبعد عدة كيلومترات بلغت إلى بلدة (فوندي باد) بمنازلها الجميلة والتي أحاطتها جنائن زاهرة بالورود والياسمين حيث جلست بجانب نبع ماء لاهيا بخريره سابحا في فضاء من التخيلات، لكنك ريثما تدخل حيز الغابات بظلمتها النهارية وسكونها الهاديء، تبدأ خيوط الظل وهي تلقي بدنها على جسد الطبيعة .
إن هذه القرية الوادعة والهادئة لا يقطنها إلا عدد قليل بعد ما هجرها أبناؤها بحثا عن العمل في المدن، هذا التوقف في البلدة أتاح لي التزود بقليل من الطعام، وذلك ما يسره الله تعالى لي حيث حصلت على الثواب والطاعة.
في هذه اللحظة استأنفت المشي صعودا بين الأشجار الفخيمة والحق يقال أن مشهد الطبيعة بمرتفعاتها وأوديتها المغطاة بالأشجار مشهد مهيب، وكم كنت مغبطا بسعادة بالغة إن السماء لم تمطرني في هذا اليوم وهو من نوادر فصل الصيف، لذلك اغتنمت الفرصة صاعدا إلى أعلى نقطة جبلية طلبا لإراحة النفس ملتقطا أنفاسي بعد ما امتلأت رئتي بهواء الجبال الطازجة متأملا هذه الجبال الفاتنة والموغلة بالإخضرار بغاباتها وأوديتها وجبالها الساحرة.
يالله كم هذه المشاهد جميلة وأنت تراها من الأعلى وإذا ما هنالك من اعتراف فهو نحو تلك المشاهد التي لم يأسرني منظر قبل ذلك كالمنظر الذي أمامي حيث أعجز عن وصف محاسنه وهو ذو رياض أنيقة وأشجار وريقة ومياه رائقة .
هذا السير بدأ مرة آخرى في الإنحدار حيث ما زالت هذه الجبال تغمرني بشيء من الدهشة التي تتيح لي متابعة مشاهدها صامتا من على هذه الإرتفاعات العالية، كانت شهقة الدهشة تعلو محياي عند كل تعمق وسرعان ما أنهي سلسلة جبل حتى أمر بهبوط حاد وأكون أحيانا تحت كنف جبل آخر، هذا السير ما زال أشق طريقه من خلال هذه المسارات الملتوية في أعالي الجبال وأنا أمرق على بيارات من الغابات والتي تتناثر في بطون الأودية السحيقة والقمم العالية والتي ترتفع مثل السحاب.
هذا السير ما زار يسير بمسار المشي كما هو معهود باتجاه غابات بنشاطها وقوتها وهي تتسابق باتجاه الوصول إلى الجو كي تبلغ السماء حيث الأطيار تتأرجح وتترنح على أغصانها بعدما أسكرها ذلك النسيم العذب الذي يحمل في هذه الطبيعة الواسعة المطلقة من أريج وخصب ونعيم.
منذ انطلاقتي من (تريجراد) إلى (فوندي باد) لسعتني الشمس في الأماكن غير الظليلة إلى أن دخلت بين غابات عظيمة وبجانبها البساتين والأودية السحيقة بأنهارها الخصبة وهي تنساب من عيون عذبة من قمم الجبال الراسيات بإتجاه بطون الأودية كي تصب في مسار النهر، كما رأيت في هذا المسار انتشار نبات الفطر بكثرة بضخامته وهو شبه دائري وينمو بين هذه الخضرة ، أضف إلى رؤيتي كثيرا من الطيور الجوارح منها النسر والكندر وطير ضارب إلى السواد وشكله مهيب .
هذا المشي منذ الصباح الباكر إلى قرب دنو مغيب الشمس عابرا هذه الجبال نحو أمتع وأجمل الغابات إلى أن أشرفت على تخوم إحدى القرى حيث غمرتني الفرحة والدهشة في آن واحد وسط صمت رهيب متابعا المشهد الجميل من فوق هذه الجبال إلى أن عدت أدراجي في (تريجراد) مقر إقامتي حيث بت تلك الليلة في قلق وسهر بعد ما أكلت كثيرا جراء ما فقدته اليوم من وزن.
ومن خلال الإقامة مع هذه العائلة لعدة أيام فقد لاحظت إن الأشجار والخضرة المحيطة بالبلدة قليلة في بعض الأماكن رغم تواجد النهر الذي يمر بجانب بيوتها، لكن أقول الحق إني لم أر من هؤلاء القوم أو أسمع قط ما يسيء والصحيح إن سكان هذه القرى في غاية اللطف والطباع .
أما في صباح اليوم التالي عند مغادرتي بلدة (تريجراد) باتجاه بلدة (لياسكوفو) ودعتني سيدة النزل بابتسامة عذبة عند مغادرتي لها، قائلة : حفظك الله من أي مكروه ومن برفقتك أيها الضيف .
المواقف العصيبة :
إن الممشى الذي سلكته اليوم بات ملتويا كالثعبان ومثل أمعاء الميت حيث كاد أن يشل من طاقتي، كنت حذرا في ذلك، هذا الحذر ينحدر من هذه الجبال المخيفة ذات الهامات الجبارة والتي عملت عملها أثناء تردي الصوت، هذه الجبال التي عنيتها لا تكف عن التوقف والانقطاع فهي نبعت من القاع منذ انطلاقتي الأولى بلا فواصل ولا انقطاع .
ومن خلال هذا المسار اليوم فقد قطعت زهاء (20) كم مشيا ما بين الصعود والنزول إلى أن بلغت إلى أعلى نقطة جبل إرتفاع (1625) متر من جبال تريجراد – فوندي حيث مشيت في مواضع عديدة وإلى درجات قاسية شديدة الإنحدار وفي أماكن شديدة الميلان فقط، لا يفصل عن السقوط سوى بعض السنتيميترات وسط خفقان القلب فيما النظر للأسفل خطورة تحبس الأنفاس وتريح النفس نحو إطلالة باتجاه الجداول المائية والتي تدغدغ الأرض وتمسح الصخور ونتوءات الجبل تخترق هذه المسارات وتتحدث كأنها لغة المكان.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى