الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / القرار

القرار

ثمة أشياء تحدث للمرء على حين غرة لم يكن له فيها رأي أو خيار، كمثل ذلك اليوم الذي وجدت فيه نفسي هناك وحيدا منكمشا على ذاتي، محشورا في ذاك المكان الضيق المظلم، لا صلة لي بالعالم غير بعض الأصوات التي لم أكن أدرك كنهها ولا مصدرها، فلم أكن أدرك ذاتي أصلا ولا من أنا، إلا حين بدأ ذلك الشيء الصلب الذي يحيط بي تصيبه شقوق صغيرة نفذ منها القليل من الضوء والهواء المنعش، أصابتني الرهبة أول الأمر لكنني قاومت مخاوفي، شيء ما في داخلي كان يدفعني إلى كسر ما بقي من الجدار الذي احتضنني لفترة لكنه حرمني من حرية الانطلاق في هذا الكون الفسيح . حطمته، خرجت إلى هذا العالم، ضعيفا، جائعأ، ريشي لا يكاد يقيني برد هذا الصباح الباكر ، لم أبرح مكاني في ذاك العش المرتفع ولم أجرأ على النظر إلى الأسفل فقد كنت في قمة شجرة عالية، اكتفيت بالتحديق في الأفق حيث كانت الشمس الكسلى تبعث خيوطها الأولى لتدفئ البسيطة.
كنت لا أعلم شيئا عما علي فعله، بقيت على ذلك الحال أرتجف من الجوع والبرد حتى ظهر في الأفق عصفوران بالغان، كانا والدي، عرفت ذلك من البهجة التي ارتسمت على ملامحهما ومن العناية التي حفاني بها، كانا يتناوبان على جلب الطعام لي، فلم أكن أكف عن المطالبة بالمزيد منه، أنواع لذيذة من الدود، فواكه طازجة، توت بري، وغيرها من الأطعمة اللذيذة، كلها شكلت قائمة طويلة من الطعام المفضل لدي . لم يكن يحل المساء إلا وقد أنهكا من حجم المجهود الذي يبذلانه في سبيل العناية بي .
ذات مساء لم تعد أمي من نوبتها في جلب الطعام، انتظرناها طوال الليل ولم تعد، انطلق أبي فجرا باحثا عنها لكنه عاد خائبا بعد سويعات، لم تعد أبدا من حينها، حزنت كثيرا وفقدت شهيتي للطعام،لكنني شيئا فشيئا تعودت غيابها، كبرت وتعلمت الطيران وكان أبي يحرسني ويحول بيني وبين الابتعاد أو التوغل في الغابة والمناطق المحيطة ببيوت البشر، كنت أتقبل الأمر على مضض، هذا لم يمنعني من مخالفة الأوامر وكسر القواعد أحيانا، بل بلغت بي الجرأة مرة أن أحلق فوق أسطح منازل البشر التي كان الكثير من ساكنيها يملكون أسلحة نارية قادرة على إلحاق الأذى بي .
ظل الأمر سرا بيني وبين نفسي، ذات صباح مستغلا غياب أبي حلقت من جديد حول المنازل الآدمية، كان الهدوء يعم المكان إلا من صياح الديكة ونباح الكلاب فمازال الناس مستغرقين في نومهم . أمر شجعني على الاقتراب أكثر، وأنا أحلق فوق إحداها لمحت عصفورة جميلة، كانت عيناها أشبه ما تكون بزمردتين سوداوتين وريش مزركش بألوان زاهية، طفقت أنظر إليها حتى كدت أرتطم بالجدار، عدت أدراجي وقلبي يخفق بشدة، لم أنم ليلتي تلك، بت أنتظر الصبح بفارغ الصبر .
في اليوم التالي عدت هناك، كنت أقطع الزقاق المقابل لذاك البيت جيئة وذهابا منشدا أجمل تغاريدي، بقيت على ذات الحال أياما حتى هزل جسمي لانشغالي عن الطعام بأمر عصفورتي الجميلة، صرت حزينا فلم تكن تأبه بي، لكنني لم أفقد الأمل، عدت مرة أخرى وهذه المرة وقفت على طرف الشرفة، اقتربت منها بهدوء، نظرت إلى عينيها وبدأت أنشد لحنا جميلا . ردت علي بلحن أروع وبعينين دامعتين وهي تشير إلى باب القفص المغلق . أدركت حينها سر صمتها في الأيام السابقة، كنت سعيدا وحزينا في ذات الآن، سعيدا لأنها بادلتني ذات الشعور، وحزينا لأن القفص اللعين يحول بيننا .
حاولت أن أفك قيدها بشتى الوسائل، كل صباح أجرب وسيلة، لكن أيا منها لم يجد نفعا، كنت أعود كل مساء إلى عش أبي منهكا بعد أن أغني لها لحنا أجتهد في أن يجعلها أكثر بهجة وأملا .
استفقت يوما على صوت الرياح العاصفة، تلك كانت نذر اقتراب فصل الشتاء القارس بأمطاره وثلوجه، بدأ أبي يعد العدة كما كل الطيور في الأعشاش المجاورة للرحيل هربا من شتاء قاس يدق الأبواب إلى الجنوب حيث الدفء ووفرة الطعام، في غفلة منه تركته وذهبت إلى عصفورتي التي ابتهجت لرؤيتي، حاولت كعادتي فتح باب القفص لها لكن هيهات . انشغالي بفتح الباب لم يمنعني من سماع وقع خطوات قادمة من الغرفة، أخذت عصفورتي تقفز ذات اليمين وذات الشمال محاولة إبلاغي بقدوم بشري حتى ألوذ بالفرار . صار وقع الخطوات أوضح، نظرت إليها وهممت بالرحيل، لكنني عدلت عن الأمر فجأة، بقيت متسمرا مكاني منتظرا قدوم البشري غير مبال بمخاوفي .
خرجت إلى الشرفة شابة جميلة هادئة ابتسمت حين رأتني هناك، أخذتني بين كفيها برفق، فتحت باب القفص وأدخلتني، ثم أغلقته.

إدريس البيض
driss.tamimi1979@gmail.com
كاتب مغربي

إلى الأعلى