الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عالم مؤقت انتقالي

عالم مؤقت انتقالي

لعل أكثر التعبيرات السياسية استخداما في السنوات الأخيرة في كثير من الدول التي تشهد تغيرات في المنطقة وخارجها هو تعبير “الحكومة الانتقالية” أو “الرئيس المؤقت”. قد يرجع البعض ذلك لفورة الاحتجاجات الشعبية التي أدت إلى تغيير أنظمة في بعض دول المنطقة فيما عرفت إعلاميًّا بوصف “دول الربيع العربي”. لكن الانتقالي والمؤقت ليس قاصرا على الحكومات والرئاسات في منطقتنا فحسب، وربما كان يميز وضع الكثير في العالم منذ بداية القرن الحادي والعشرين ـ ليست الدول والحكومات في حسب، بل المؤسسات والسياسات والاتفاقيات والعلاقات.
دخل العالم مع بداية القرن مرحلة جديدة في فترة “الانتقال” الكبرى ما بين مرحلة حضارية إلى أخرى ما زالت تتشكل. وضمن هذا “الانتقال الكبير” هناك أمور كثيرة انتقالية ومؤقتة إلى حين الاستقرار على شكل جديد للدول والأمم وأنظمة الحكم وعلاقات الجماعات البشرية ببعضها ونسق اجتماعي/اقتصادي جديد. واتصور ان المشكلة تكمن في ان احدا منذ مطلع القرن لم يملك الجرأة ولا الرغبة في أن يسهم في تغيير جذري في اي شيء في العالم ورغم ما نتباهى به من انجازات فالأغلب أن الجميع فضّل أن “تبقى الأمور على ما هي عليه حتى إشعار آخر”. وكل ما جرى ويجري ما هو إلا “مسارات كالمعتاد” وبعض التعديلات التي تحافظ على “الوضع الراهن” دون “انهيار تام”.
كل ما اعتبره كثيرون تغييرات دراماتيكية منذ مطلع القرن، وهجمات 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من حرب على الإرهاب، لم يكن سوى تطورات “انتقالية” و”مؤقتة”. بل يمكن القول إن بداية الانتقالي والمؤقت ربما تعود إلى بداية الربع الأخير من القرن الماضي. فأحادية القطبية، مع انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين كإشارة على نهاية المعسكر الشرقي ليتفرد المعسكر الغربي بالريادة في السياسة الدولية وتتبوأ الولايات المتحدة قيادة العالم، هي تطور انتقالي ومؤقت إلى حين استقرار شكل العالم إما على أقطاب متعددة (حتى لو بقيادة أميركية) أو شكل آخر مختلف تماما. وفي إطار ذلك، يمكن اعتبار كل التطورات انتقالية ومؤقتة، بدءا من التطورات التكنولوجية ذات البعد المالي والاقتصادي إلى الانتخابات والحروب والمفاوضات والمؤتمرات والاجتماعات والخطابات واللقاءات.
في تصوري أن النموذج الأهم للتعبير عن الانتقالية والأوضاع المؤقتة هو ما بدأ في القرن الافريقي في الربع الأخير من القرن الماضي. إذ إن انهيار الدولة في الصومال، وبقاء البلاد على حالها الذي لم يتغير إلا في إطار ما هو انتقالي ومؤقت منذ ذلك الحين ـ فلا دولة ولا بلد تبنى ولا تختفي كالصومال تماما من على الخريطة ـ حتى الآن، هو مثال جيد لما نتحدث عنه هنا. ولا يقتصر الأمر على السياسة، بل إن الاقتصاد أيضا لا يختلف كثيرا. ففقاعة التكنولوجيا التي تضخمت وانفثأت بنهاية القرن الماضي فيما عرف بأزمة “أسهم دوت كوم”، ثم الفقاعة العقارية التي انفجرت في النصف الثاني من العقد الأول من القرن الحالي وقادت إلى الأزمة المالية العالمية لم تكن كلها متسقة مع الدورات الاقتصادية العالمية العادية من نمو وركود. أما رد الفعل على تلك الفقاعات والأزمات فلم يكن سوى بحلول “مؤقتة” وانتقالية تستهدف محاولة ألا ينزلق العالم نحو كساد مماثل لذلك الذي أصابه في ثلاثينيات القرن الماضي.
وفي السياسة، كما في الاقتصاد، يتم ترحيل أي حلول جذرية إلى ما “ما بعد”، وتعتمد اجراءات “ترقيع” لا تتعرض لجذور المشاكل التي تواجه البشرية بانتظار أن تحل المشاكل الكبرى نفسها بنفسها. فالحرب الأميركية/الأطلسية على أفغانستان، وبعدها غزو واحتلال العراق لم تحقق “الأمن والأمان” للعالم ولم تسهم في الوصول إلى “السلام” العالمي. وكل مبادرات “السلام” بين الفلسطينيين والاسرائيليين وتقزيم الصراع إلى مقايضة أراض مقابل أمن لم تحل القضية المركزية في المنطقة، بل كانت كل التحركات “انتقالية” و”مؤقتة” بانتظار حسم من نوع ما لا يريده أحد، أو لنقل “لا يقدر عليه أحد”. ولا حصار إيران أو الضغط على الصين أثمر النتائج المرجوة (غربيا) حتى الآن، بل إن تحولات “انتقالية ومؤقتة” بدأت في العامين الأخيرين. وكل الإجراءات الأمنية والشركات الخاصة بالمليارات التي برزت للاستشارات والحماية لم تحل شيئا فيما يتعلق بالأمن والسلم العالميين. كذلك إجراءات “التيسير الكمي” و”شراء الأصول” والاعتماد على نمو الاقتصادات الصاعدة ليقود العالم بعيدا عن الكساد كلها اجراءات وحلول اقتصادية مؤقتة لم تتعرض للأسباب الهيكلية في النظام الاقتصادي العالمي التي تفرخ الأزمات اصلا.
لا غرو إذا أن في اليمن رئيسا انتقاليا وحكومة انتقالية، وأن في مصر رئيسا مؤقتا وفي ليبيا سلطة انتقالية منذ ثلاث سنوات وأن في أوكرانيا ـ الله أعلم كم من الزمن ـ حكما انتقاليا وأن في بقية الدول التي تشهد تغييرا سلطات انتقالية أو مؤقتة. لقد أصبح ذلك تعبيرا واضحا عن مرحلة بدأت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وربما تستمر حتى نهاية الربع الأول من القرن الحالي. ومن غير الواضح إن كان لذلك علاقة بأن القرن الحادي والعشرين يوسم بأنه “قرن الدين” أم لا، لكن سنحاول البحث والإجابة في مقال قادم بإذن الله.

د. أيمن مصطفى
كاتب وصحفي عربي

إلى الأعلى