الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / فهد المنذري يقدم دراسة نقدية أسلوبية في شعر سالم الكلباني

فهد المنذري يقدم دراسة نقدية أسلوبية في شعر سالم الكلباني

في كتابه “هكذا تكتبنا الكلمات”

مسقط ـ العمانية:
يسعى الباحث فهد بن سيف المنذري في كتابه “هكذا تكتبنا الكلمات: دراسة نقدية أسلوبية في شعر سالم بن علي الكلباني” إلى إضافـة دراسة تطبيقية في الشعر العماني إذ يتناولُ بالنقد المنهجي الأسلوبي تجربة الشاعر سالم بن علي بن سالم الكلباني في ديوان (مدامع ومدافع) ويتعرض للبُنى المكونة للنص الشعـري وفقا لمستويات التحليل اللغوي.
ووضع الباحث لدراسته مساحة محصورة ولج من خلالها إلى شعر الكلباني عندما اقتصر على دراسة ما تم جمعه بين دفتي ديوانه (مدامع ومدافع). وتنبع أهمية الموضوع في وصفه محاولة لوضع لبِنة جديدة في صرح الدراسات الأسلوبية للشعر العماني المعاصر، فالمتتبع يجد نقصًا وقصورًا في هذا الجانب، وإذا كانت مراعاة الجِدة في اختيار الموضوع من الأهمية بمكان ، فإنه لم يتطرق إلى دراسة شعر الكلباني أحد من الدارسين من قبل، عـدا قطوف متناثرة في بعض المقالات الأكاديمية وردت بصورة مجملة موجزة، ومن هنا اصطبغت الدراسة بطابع الطرافة والاستحقاق، وقد لا يُعَدُّ نتاج الكلباني الشعري علامة فارقة في الشعر العماني الحديث لكنه بلا شك ظاهرة بارزة، ولا سيما أنه وافر ثَـر، وأسعى في هذه الدراسة جاهدًا إلى سبر أغوار هذه التجربة التي اكتسبت طابعا فنيا خاصا لوصفها تشكل حلقة الوصل بين جيلـين، جيل ما قبل النهضة (قبل 1970) ويأتي في طليعته الشاعر الشيخ عبدالله الخليلي وجيل الشعراء الشباب من الذين بزغ نجمهم في الألفية الثانية، وقد اكتسبت تجربة الكلباني مزايا خاصة بواقع المُحاكـاة مع هذين الجيلين، أتيت على ذكرها في فصول الدراسة.
تضمن الكتاب هذا العام خمسة فصول وتمهيـدا وخاتمة تناول المنذري في التمهيـد حياة الشاعر فبين نسبـه وموطن نشأته وحقق تأريخ مولده، ثم عرج إلى إبراز دور أسرته وأثر البيئـة في تكوينه الشعري، كما أوضح شطرا من نشاطاته وأعماله الأدبية، ودار الكلام حول لقبه وكنيتـه، وتطرق إلى الحياتين السياسية والثقافية في زمن نشأته، ثم جاء الفصل الأول ليحتوي على الموضوعات الشعرية التي طرقها الشاعر، فـتحدثت عن أهم خصائصها.
وجاء الفصل الثاني متضمناً المستوى التركيبي حيث تم فيه تناول ظاهرتين بارزتين من الظواهر الشائعة في شعر الكلباني هما الصيغ الاشتقاقية والكلمات المفاتيح، أما الفصل الثالث فقد احتوى على المستوى التصويري، درس فيه مصادر الصورة الشعرية لدى الشاعر الكلباني، ثم عرّج إلى دراسة الصور الاستعارية والصور التشبيهية والكنايات والمجاز، كما تطرق إلى بعض الظواهر البلاغية في شعره، وجـاء الفصل الرابع في سياق المستوى الإيقاعي، وانحصر الحديث على ثلاثة محاور، جاء المحور الأول بعنوان الإيقاع في القصيدة الكلاسيكية وقصيدة التفعيلة بداية الباحث وظائف الإيقاع وأهميته قديما وحديثا مع موازنة عابرة بين الإيقاع في القصيدة العمودية وقصيدة النثر ورأي الشاعر حولهما، كما تطرق في حديثه في المحور الثاني إلى الإيقاع الخارجي متمثلاً في الأوزان الشعرية والقوافي وأنواع التصريع والإيطاء والتضمين في شعر الشاعر، أما المحور الثالث فـدرس الباحث فهد المنذري فيه الإيقاع الداخلي من حيثُ التدوير والجناس والطباق والتسميط ورد الأعجاز إلى الصدور واللف والنشر وهي ظواهر متوفرة بكثرة في شعر الكلباني.
وأخيرًا جاء الفصل الخامس بعنوان استدعاء التراث، ويعود سبب تخصيص فصل مستقل لهذا الموضوع لكونه ظاهرة، فقد تم فيه تبيان مظاهر هذا الاستدعاء في شعر الكلباني من ثلاثة مساقات: الاستدعاء الأدبي، والديني، والتأريخي. وفي الخاتمة بينت باختصار نتائج البحـث، وتكمن الصعوبة بأجلى صورها في جمع شتات شعر الكلباني الذي لم يطبع حتى الآن، فضلا عن قلة الدراسات النقدية حول تجربته، واعتمد الباحث في ذلك على الشاعر بالمقام الأول ثم بالرجوع إلى الصحف والمجلات وكتب المناشط الأدبية والأماسي الشعرية ومعارف وأصدقاء الشاعر.
وقد خلصت رحلة البحث في عالم سالم الكلباني الشعري إلى عدة نتائج يأتي في مقدمتها إن عام 1377هـ هو الراجح على التحقيق في تاريخ مولد الشاعر حسب القرائن المنصوص عليها في بداءة البحث، كما أن طغيان القصائد القومية والوطنية على باقي الموضوعات الشعرية أمر ملاحظ لدى الكلباني، ولم يَـنُـدْ الشاعر عن أغلب الشعراء في عدم إحداث جديد في قالب الأسلوب الموضوعي ، إذ لم يأتِ في ذلك بجديد، وفي مجال الفخر والمديح كثيرا ما يتكئ على مآثر التاريخ ومفاخر الماضي، وكان مقلا في فن الرثاء، واقتصر فيه على الندب والتأبين ولم يتطرق إلى فلسفة الموت والحياة والبعث والعدم، كما تميزت قصائده الاجتماعية بالنصح والصدق العاطفي ، ومن النتائج المهمة التي أفرزتها الدراسة أن الكلباني في مسيرته الشعرية كان كثيرا ما يعتمد على إرثه الثقافي المتمثل في طقوس المجتمع القبلي آنذاك ، فقد تشرّب المنهل القرآني وعبّ زُلالِ منابعه ، ولهذا نجد استحضارًا كبيرًا للمعاني القرآنية في شعره سبقت الإحالة إليها في فصل التناص، وتعدّ هذه السمة دعامـة رئيسة من أهم الدعامات التي قام عليها شعره لأنها أسهمت في تعزيز اهتماماته الأخرى. وعلى المستوى الإيقاعي كان طرق الكلباني لشعر التفعيلة طروقا خجلا لا ينم عن إعجاب بهذه التجربة، وإنما رمى من ذلك مواكبة الركب الحداثي والسير على خطى التيارات المجددة، وبالرغم من ذلك تتسم قصائده التفعيلية بالخبرة الشعرية عروضا ومضمونا ، وبالصدق الموضوعي لكونها عالجت قضايا الشأن القومي للأمة العربية ، وقد تبيّن للباحث أنه يدعو إلى القومية من منظور إسلامي فطالما ألحّ على هذا المطلب وصرح به في غير موضع من الديوان .
وقد وجد الباحث فهد المنذري تعارضًا في بعض تصريحات الشاعر وتنظيراته النقدية ، فالشاعر يُغلظ ويشدد على ضرورة أن يأخذ الكلام قسطا من الوزن الخليلي لينال شرف تسميته شعرا، بيد أنه كسر هذه النظرية بالوقوع في كسور عروضية أشيرَ إليها في موضعها، واعتذر لنفسه بأهمية تقديم المعنى والصياغة الفنية فوق الاهتمام بالأوزان، وفي رأي المنذري أنّ مرد هذا التنافر في الرؤى إلى تأثر الشاعر بمبادئ واتجاهات مدارس النقد الحديث.
وعلى مستوى التركيب فقد اتضح الدور البارز للصيغ الاشتقاقية والكلمات المفاتيح في إعطاء النص وجهته الصحيحة بما لا يُثير شكوك المتلقي حِيالَـه، وقد كان هاجس الشعور بجراح الأمتين العربية والإسلامية وتخلفها وانحطاطها مصدرا ثـريا لبناء العديد من الصور الشعرية لديه، وكثيرا ما يلجأ الكلباني إلى مصادر القوة في التصويرات البلاغية والتشبيهات والاستعارات، كالجبال والآساد والطيور الجارحة، ولا سيما عند عقد المقارنات التي تأتي في سياق الافتخار بنفسه والاعتداد بشعره، وتعد بعض مواضع الصورة البلاغية مواضع تفرّد من حيث الاستعمال والتوظيف، ولا سيما استخدامه للتشبيه البليغ والاستعارات التصريحية .
والباحث فهد بن سيف المنذري من مواليد ولاية عبري 1978 حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها سنة 2000 كما حصل على الماجستير في النقد الحديث في عام 2013م. شارك في العديد من الأمسيات الشعرية المحلية والدولية كما شارك بالعديد من الدراسات النقدية وحكم بعض المسابقات الشعرية. صدرت في العام الحالي اول مجموعة شعرية بعنوان شراع ويراع ضمن مطبوعات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء. كما له عدد من الأعمال المخطوط منها أرجوزة في علم العروض والقوافي وكتاب الحلل السندسية في شرح القصيدة السليفية.

إلى الأعلى