الخميس 14 ديسمبر 2017 م - ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / حصن 23″ بالجزائر.. حكايات من يوميات رؤساء البحر العثمانيين
حصن 23″ بالجزائر.. حكايات من يوميات رؤساء البحر العثمانيين

حصن 23″ بالجزائر.. حكايات من يوميات رؤساء البحر العثمانيين

الجزائر ـ العُمانية:
كلُّ السطور التي يحكيها قصر رؤساء البحر، حصن 23، أو “رياس البحر” باللّهجة الجزائرية، تؤكد أن هذا المعْلم التاريخي الذي يقفُ شامخاً قبالة البحر الأبيض المتوسط، وكأنّه يحتضنه بدفء العاشق الولهان، كان مسرحاً لأحداثٍ كبيرة ومصيرية. ولا شك أن الزائر إلى دهاليز الحصن الذي تحول منذ سنوات إلى مركز للفنون والثقافة تشرف عليه وزارة الثقافة الجزائرية، يشعر بحركة التاريخ ماثلة في كلّ ركن من أركانه.
يُعدّ الحصنُ الشّاهدَ الوحيد على امتداد قصبة مدينة الجزائر إلى غاية البحر في العهد العثماني، بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر للميلاد. وهو يتميّز بمحيط ثري ومتنوّع، ويتألف من ثلاثة قصور، وست دويرات تمثّل منازل الصيادين، إضافة إلى منزل آخر يضمُّ محراباً، كان يُستخدَم كمصلّى.وبعد تحويله إلى مركز للفنون والثقافة، أصبح المبنى يحتضن مكتبة، وقاعات أرشيف، ومقراً لإدارة المركز. يعود تاريخ قصر رؤساء البحر إلى فترة بناء بطارية مدفعية صغيرة على منحدر بمحاذاة البحر على الضفة الشمالية الغربية من المدينة السفلى التي كانت تُسمّى حي السور السفلي (حومة قاع السور)، وكانت البطارية تُعرف باسم “أرناؤوط مامي”، وهو اسم لأحد رؤساء البحر في نهاية القرن السادس عشر للميلاد.
ويتكون مركز الفنون والثقافة بقصر رؤساء البحر من مجموعة معمارية تشمل قصوراً ومنازل ذات طراز مغاربي، وهي جزءٌ لا يتجزأ من النسيج العمراني لمدينة الجزائر خلال العهد العثماني. وفي أثناء عملية ترميم حصن 23 سنة 1988، تمّ اكتشاف فسيفساء تبلغ مساحتها 9 أمتار مربعة تُمثل منظراً بحرياً، وحراشف أسماك. وقد تأكّد بعد دراستها الوجود البشري في المنطقة منذ القرن الثاني للميلاد، وكانت الجزائر تُسمّى آنذاك “إيكوسيوم”.
وكانت سنة 1940 قد شهدت اكتشاف حوالي 158 قطعة من البرونز والرصاص تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد بالقرب من المسجد الكبير، وهذا ما يؤكد الوجود الفينيقي في الجزائر. وتحتوي القصور الثلاثة المكوّنة لحصن 23، على السقيفة، وهي فضاء يربط الداخل بالخارج، وتُستخدَم أحياناً كقاعة للاستقبال؛ ووسط الدار، ويمثل مركز المنزل وتقام فيه جميع الأنشطة الاجتماعية المتعلقة بالحياة اليومية؛ و”الصحين”، وهي أروقة محيطة بوسط الدار.أما الحمّام فيتكوّن من ثلاث قاعات: الباردة، والدافئة، والساخنة. وقد جُهزت القاعة الساخنة بنظام تسخين يتمثل في ممرات للهواء الساخن وخزانين أحدهما للماء الساخن وآخر للماء البارد. كما يوجد مطبخ مكوّن من مواقد للطهو وبجانبها مساحتان، إحداهما لتخزين المواد الغذائية (بيت العولة)، والأخرى للماء (بيت الصابون)، وهذه الأخيرة تتكوّن من جُبّ لتخزين المياه وبئر للماء الصالح للشرب. وهناك أيضاً المراحيض (الكنيف)، والمنزه الذي يتواجد على مستوى السطح، وهو عبارة عن مكان مغطّى يتكوّن من أقواس، يشغل جانباً من السطح ويُستخدَم كفضاء لاسترخاء أفراد العائلة. وتتنوع العناصر الزخرفية للمباني، بين الأقواس ذات الأشكال المتجاورة المنكسرة في القمة، والعقود الكاملة أو التي تكون على شكل يد حاضنة، والتيجان، وهي من الحجر الكلسي أو المرمر، ومعظمها من الطراز الباروكي. وتمت زخرفة الأسقف بأشكال هندسية ونباتية ملوّنة مرسومة أو منحوتة على الخشب، أما البلاطات الخزفية فتمّ استيرادها من بلدان مختلفة مثل تونس وإيطاليا وهولندا، واستُخدمت في تزيين الجدران والأرضية.
وعند احتلال فرنسا للجزائر عام 1830، شغل القصورَ الثلاثةَ المهندسون العسكريون الفرنسيون. وبعدها بعشر سنوات، تلاشى حيّ البحرية وعُزل حصن 23 عن باقي القصبة. وفي عام 1890، تمّ بناء السور الشمالي الغربي للحصن، وفي عام 1905، تمّ بناء السور الشرقي للواجهة البحرية للحصن.صُنّف حصن 23 كتراث تاريخي تحت اسم “مجمّع بنايات ذات طابع مغاربي” في عام 1909، ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 1961، أصبح الحصن مقر إقامة للضباط بأسطول البحرية الفرنسية، وكان الأميرال “أوبوانو” آخر أميرال فرنسي يقطن في هذا المكان.وفي الفترة 1980-1986 توالت زيارات خبراء من اليونيسكو لدراسة مشروع ترميم الحصن الذي بدأ فعلياً في عام 1986 واستمر حتى 1992، وبمجرد انتهاء أشغال الترميم، صُنّف الحصن كتراث عالمي ضمن محيط تصنيف قصبة الجزائر. وفي عام 1994، تمّ تدشينه كمركز للفنون والثقافة تُقام فيه المعارض التشكيلية والندوات التاريخية، كما يستقبل يومياً عشرات الزوار ممّن يعشقون عبق التاريخ.

إلى الأعلى