الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغطرسة الإسرائيلية والبوصلة الأميركية والملحمة القدسية

الغطرسة الإسرائيلية والبوصلة الأميركية والملحمة القدسية

د.أحمد القديدي

” نذكر أن أبومازن استجاب من قبل لجامعة الدول العربية حين دعته لجنة المتابعة العربية من القاهرة إلى قبول مبدأ المفاوضات غير المباشرة حسب وعود أميركية أبلغتها له الوزيرة هيلاري كلنتون عندما أكدت حينها منذ خمس سنوات بأن الرئيس أوباما بلغ حد الغضب من سلوكيات نتنياهو وهو يمنحه الفرصة الأخيرة،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
وقف باراك أوباما يوم الجمعة الماضي ليقول: من حق إسرائيل أن تحمي مواطنيها وهذا الكلام لو صدر عن مراقب لقبلناه ولكنه صدر عن راعي السلام أي المسؤول عن رعيته ومن رعيته من باب الافتراض شعب فلسطين وهو ضحية احتلال منذ 1967 باعتراف الأمم المتحدة! وهكذا تتواصل سياسة نسيان أصل الداء لمعالجة تداعياتها ! بينما أصبح سياسيون يهود يجاهرون بتنديدهم بالعنجهية الإسرائيلية ربما لأنهم تيقنوا أن هذه الحكومة اليمينية العنصرية تسعى بالدولة العبرية لحتفها وربما لأنهم يشكلون نخبة اليهود المثقفين المحترمين ينطقون بما يعتقدون أنه الحق. ففي دوامة القتل والتنكيل الراهنة وتعويض الحجارة والعصر الحجري للانتفاضات السابقة بعصر السكين والدهس. تكلم أشهر المثقفين والسياسيين اليهود وأجرأهم (الفرنسي الألماني دانيال كوهن بانديت اليهودي الذي كان زعيما لانتفاضة الطلاب في باريس عام 1968) العضو الحالي في البرلمان الأوروبي تكلم بجرأة هذه الأيام مخاطبا زملاءه البرلمانيين ووزيرة الخارجية للإتحاد الأوروبي ليندد بالغطرسة الإسرائيلية التي كما قال تؤدي بإسرائيل الى التهلكة وطالب أن تساعد أوروبا على حل المعضلة بتغيير السياسة الخارجية الأوروبية من عبارات (القلق والانشغال ) و(دعوة الأطراف الى السلام) إلى موقف حازم إزاء الهنجهية اليمينية الإسرائيلية بالسعي إلى حل الدولتين وإيقاف ناتنياهو عند حده بإعطاء أهل الأرض الأصليين حقوقهم المشروعة.
وبنفس اللغة تكلمت أم إسرائيلية مات ولدها مقتولا على أيدي قناص فلسطيني نشرت كتابا باللغة الفرنسية في باريس بالاشتراك مع أم فلسطينية استشهد ابنها على أيدي قوات إسرائيلية. قالت تلك المرأة اليهودية: إننا لن ننعم بالسلام حتى تنعم فلسطين بحريتها وبدولتها المستقلة وبنفس الحماس تكلم أشهر المفكرين اليهود الأميركان (ناحوم شومسكي) وزميله اليهودي الفرنسي (إيريك رولو) و نطقا بنفس الحقائق ومعهم الأستاذ الجامعي الإسرائيلي (شلومو صاند) في كتابه (أصول الخرافات التي أنشأت إسرائيل) والذي كشف فيه علميا بهتان تدليس التاريخ اليهودي لتبرير القمع والاحتلال.
وفي نفس هذه اللحظات التاريخية ألقى الرئيس محمود عباس خطابا ظهر في اختيار عباراته كأنه يريد تأكيد انحيازه لقضية شعبه وفي الوقت نفسه لا يغضب راعي المفاوضات الأميركي ولا تصنفه الإدارة الأميركية كما صنفته الحكومة الإسرائيلية كالمحرض على الانتفاضة. من الصعب أن يوفق أبو مازن بين المتناقضات وأن يقرأ شعبه ذلك الخطاب كإصرار على الاستمرار في التنسيق الأمني الذي دعا إلى التخلي عنه المناضل المثقف د.مصطفى البرغوثي في حديث جديد لإذاعة بي بي سي.
لعل محمود عباس رغم كل ما يقال هو الرمز الباقي لقضية فلسطين التي تقع منا جميعا موقع القلب. ولكنه اليوم يرى بعينيه ويلمس بيديه ويدرك بعقله أنه لم يبق شيء تفاوض عليه السلطة مع حكومة إسرائيلية متعجرفة وقائمة فقط على منطق القوة!
نذكر أن ابومازن استجاب من قبل لجامعة الدول العربية حين دعته لجنة المتابعة العربية من القاهرة إلى قبول مبدأ المفاوضات غير المباشرة حسب وعود أميركية أبلغتها له الوزيرة هيلاري كلنتن عندما أكدت حينها منذ خمس سنوات بأن الرئيس أوباما بلغ حد الغضب من سلوكيات نتنياهو وهو يمنحه الفرصة الأخيرة، وحين أشارت إلى أن نائب الرئيس بايدن سيكون حازما هذه المرة، (تقصد أثناء زيارته أنذاك الى إسرائيل) فصدق أبو مازن تلك العبارات الأمريكية الدبلوماسية الذكية أملا في أن يكون هذا الحل العربي الأميركي أخر الحلول وأصر أبو مازن كعادته ألا يكون هو البادىء باليأس و موصد الباب في وجه السلام ! كما أكد هذه المعاني بحضور بايدن في رام الله حين زار السلطة.
واليوم مع انتهاك حرمة المسجد الأقصى والمضي قدما في بناء المزيد من المستوطنات وقتل الفتيان و الفتيات بدم بارد وهدم منازل العائلات الأمنة لمجرد أن أحد أبنائهم ارتكب ما تعتبره السلطات العبرية (جريمة أو إرهابا) هل مازال ابو مازن يصدق الوهم وهو يسمع الوزيرالأميركي جون كيري يتذمر من انسداد أفق الحل ثم هو في ذات الوقت يكرر اللحن المعروف والمعزوف بأن الولايات المتحدة لا تتزحزح عن حماية أمن إسرائيل وكأنما هذا الأمن هو المهدد وليس أمن شعب فلسطين من مسلمين ومسيحيين ! وهي مواقف لا تليق بالراعي لعملية السلام الذي يفترض فيه العدل وينتظر منه على الأقل احترام القانون الدولي و إرادة المجتمع الدولي!
ثم إن ابو مازن وشعبه أول من يعلم أن واشنطن التي تتذمر وتقلق من ممارسات حكومة إسرائيل المتطرفة هي الحليف الرئيس للدولة العبرية ولكن الإدارة الأميركية أيضا عينها على انتخابات الرئيس الأميركي في نوفمبر القادم فالرئيس أوباما لن يترشح ولكنه يريد أن يستمر حزبه الديمقراطي في السلطة ولأن عددا مهما من أعضاء الكونجرس يعتبرون أن غطرسة نتنياهو أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على المصالح الأميركية وكتب في هذا المعنى توماس فريدمان يقول بأن ممارسات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة في القدس (المحتلة) تعتبر سما سياسيا زعافا لم تهضمه المعدة الأميركية المتعودة على بلع الثعابين والحيات الإسرائيلية من قبل ! فالغطرسة الإسرائيلية أكبر من أن تعالجها الولايات المتحدة التي نراها اليوم غارقة في حروب العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان وعينها على اليمن وليبيا والصومال والسودان وقد أرسل الرئيس أوباما الأسبوع الماضي فيالق من عسكره الى الكاميرون للقضاء على بوكو حرام ! و في يد واشنطن جمرة حارقة هي دخول روسيا القوي للحرب في سوريا وقريبا في العراق والاتفاق النووي الإيراني الهش والأزمة الأوكرانية المفتوحة والتوسع النووي الكوري الشمالي ومزاحمة الصين الشرسة لها في كل مكان !

إلى الأعلى