الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة: الخليج .. إلى أين؟

العين .. الثالثة: الخليج .. إلى أين؟

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

من يقرأ التاريخ الحديث للمنطقة الخليجية، ويقف عند اسباب الصراعات فيها، ويعلم موازين القوى فيها، واختلال القوة النسبية لصالح دولة واحدة، سوف يخرج بنتيجة واحدة فقط، وهي أن التفاهمات والترتيبات الأمنية بين دوله (الخليج)، قد أصبح ضرورة الضروريات السياسية العاجلة، أي غير المؤجلة، ومصلحة الخليج بكامل دوله، ليس مهما من يبدأ بالمبادرة، الأهم الإسراع فيها، فالمنطقة قد أصبحت تسيرها عفاريت الإنس والجان معا، وفي اي وقت يمكن أن تنفجر، ليس هناك اية ضمانة لبقاء عاملي الهدوء والوضع الحالي تحت السيطرة، لذلك، فالمرحلة لن تحتمل أي استفزاز جغرافي جديد يمكن أن يشعل المنطقة، حتى وإن كان وراءه مشروعية وشرعية، فإكراهات المرحلة الراهنة فوق الحق، والتمسك به، وتجنح بالكل نحو تغليب الواجب على الحق، فالعمل على إحقاق منطق الواجب هو ضمانة نزع فتيل أية حريق قد يبدو في الأفق.
لا يخفى على الكل مدى حالة الاحتقان المرتفعة بين دول المنطقة الخليجية من العرب وغير العرب، وهي حالة احتقان مزدوجة، سياسية وأمنية، في ظل هواجس عسكرية متوترة جدا، وذلك كله بسبب المتغيرات الإقليمية والدولية التي استجدت، والتي عرت خليجنا من أية حماية ذاتية رادعة رغم المليارات التي أنفقت على الأسلحة الغربية، كما عرته كذلك من أية حماية دولية مضمونة بعد التراجع الأميركي في المنطقة، مما أوقع بعض دول الخليج الرئيسية في حيرة من أمرها، فأحيانا تلجأ إلى باكستان طلبا للحماية الجديدة، وتبحث معها ارسال (30) الف جندي من جنودها، وأحيانا تراها في روسيا، ليس فقط بسبب وقوفها الصامد والمتصاعد مع حليفها سوريا، فهذا وفاء روسي للأسد يثير انظمتنا الخليجية مقارنة بالخذلان الاميركي لحلفائه التاريخيين في الخليج، وإنما لظهور روسيا القوة العالمية البديلة التي سوف تتسيد العالم على انقاض تداعيات التراجع الاميركي، واخيرا، فقد اصبح بعض دول الخليج ترى أن الحماية ينبغي ان تجدها في القوة العسكرية المصرية التي لم تنهار كما انهارت القوة العسكرية العراقية .. الخ فهل ينبغي أن يترك الخليج بدوله المختلفة، يدخل في أتون افعال مستفزة من الكل قد تودي إلى إحراق المنطقة من خارج الحدود ومن داخله؟ لن نجد أي فاعل اقليمي أو دولي مقبول ومؤهل لمرحلة تفكيك مفاصل الاحتقان المزدوج سوى السلطنة، وهنا نجد مجموعة حتميات ظرفية ذات طابع استثنائي وتاريخي تدفع ببلادنا للقيام بمبادرات اقليمية لحمل الكل على الدخول في تغيير بوصلة ردود الفعل المضادة إلى بوصلة الفعل الجماعي المتزامن الذي يجب أن يؤدي إلى اطلاق حوار اقليمي جديد على قاعدتي التسامح والتنازل، وعلى ارضية قناعة الكل خاسر في حالة انفجار الوضع، والسلطنة مؤهلة لممارسة هذا الدور التاريخي، فهل ستقدم عليه تلقائيا أو يطلب منها ذلك؟ العقلانية والمصلحة الخليجية تحتمان ذلك وعاجلا، والا، فإن كل ردود الأفعال العاطفية الناجمة عن انكشاف وانكشافات واقع الأنظمة الخليجية مع شعوبها داخليا، وفي علاقاتها إقليميا، والمتغيرات، كونيا وعربيا، مع الشعور الايراني باستحواذه وانفراده للقوة الاقليمية في ظل سعي العالم كله لكسب وده من أجل ثرواته الضخمة، فإننا لن نستبعد اية مغامرة غير محسوبة في اية لحظة تحت إكراه حتى لو كان مستفزا، كأن يكون الاتحاد بدولتين خليجيتين وأخرى عربية كمصر، أو اسم الاتحاد كما سوق له في القاهرة، وهو ،، الاتحاد الخليجي للدول العربية ،،، فالحكمة السياسية، أو حكمة القوة إذا كان خليجنا قويا، ليس في اتيان افعال مؤججة للوضع وإنما مهدية له، فكيف لو كانت القوة تميل لإيران، ولديها اي طهران شعور بها بصورة مرتفعة، ليس من ناحية القوة العسكرية فقط وإنما الاقتصادية وقوة البعد الدولي، وقوة المساس بأوضاع بعض الدول الداخلية، فمن الحكمة هنا إذن، أن تأتي الخيارات الخليجية ضمن السياقات الراهنة الممكنة لا قفزا فوقها، سواء كانت هذه السياقات خليجية خليجية، وهنا ينبغي أن يظهر لنا الخلاف حول موضوع الاتحاد الخليجي مثالا لهذا النوع من السياقات أو خليجية اقليمية خاصة القوتين الايرانية والعراقية المتصالحتين بل والمتحالفتين الان، فمن الأقوى يا خليج؟ للأسف كنا نتمنى أن نقول نحن الأقوى، ولكن هذه هي الحقيقة، والقوة هنا متعددة مرئية وغير مرئية، مادية ومعنوية، شاملة غير متجزئة، وكاملة غير ناقصة، قوة داخلية وخارجية معا، وأمام هذه الحقيقة، ماذا كان ينبغي على خليجنا العربي أن يقدم عليه احتراما وتقديرا وتعاملا لتلك السياقات الاقليمية في ضوء تراجع الاهتمام الاميركي بالخليج والاتجاه إلى آسيا؟ ليس هناك من خيار ممكن وفق تلك السياقات سوى أن تتعامل الدول والرياض،، تحديدا،، مع الدول المعارضة كالسلطنة، ببراجماتية تحمل الكل في قطار التعاون نحو الوحدة لاحقا وليس آنيا حتى تنضج الأفكار وتتغير المعطيات، بدلا من ترك الأغلبية في محطة التعاون والذهاب بدولتين وثالث عربية نحو تكتل هو أقرب للتحالف الأمني والعسكري منه للاتحاد الشمولي، فالوحدة بالدول الست مشروع مؤجل، وهذا ما أكده العديد من خبراء ومفكرين عرب في مؤتمر الاتحاد الخليجي .. آفاق المستقبل، وقد شكل لهم طرح فكرة الاتحاد صدمة على حد قولهم، وتساءلوا قائلين، كيف تطرح فكرة الاتحاد دون تنسيق مسبق مع الدول الأخرى؟ ورأوا أن المصلحة تحتم التأجيل لا التعجيل، بينما نرى أن المصلحة الخليجية المشتركة هي في منطقة الوسط، أي ليست في التعجيل ولا في التأجيل، وإنما في العمل فورا في تفعيل نتائج قمة الكويت الأخيرة التي جاءت لتدفع بمسيرة التعاون في سياقاتها الطبيعية المقبولة من الكل، والكل هنا ليس من منظور الدول الست وإنما إقليميا دون إغفال الهواجس الأمنية والعسكرية، بل هي في صلبها لو تم التفكير فيها قليلا، فقد توصل القادة في تلك القمة إلى الحدود المقبولة في ظل اختلاف المتشابهين، ولو وقفنا عند مضامينها، فسوف نجد أنها تركز على البعد الأمني والعسكري، وهذا نجده في تشكيل قيادة عسكرية مؤحدة وفي الانتربول الخليجي، وهذا يشكل بمثابة رضاء للدول التي تستعجل الوحدة تحت دواعي الهاجس الأمني الضاغط، كالسعودية، كما انها أي النتائج، تركز في الوقت ذاته على التخطيط المدروس للتطور وصولا إلى الوحدة، ونجد هذا في اقامة أكاديمية للدراسات الاستراتيجية والأمنية، وهذ يأتي ارضاء للدول التي تطالب بالتريث في القضايا المصيرية، كالسلطنة، فلماذا لا تنطلق الدول الست من هذه القواسم المجمع عليها بدلا من الإصرار على الذهاب نحو اتحاد بثلاث دول احدها من خارج المنطقة؟ وهذه مغامرة غير محسوبة النتائج وفوق المرحلة نفسها لو احتكمنا للعقلانية، وليست العبرة هنا بالأشكال والمسميات، وإنما بالمضامين، فالمناخ السياسي الخليجي قد أصبح يتقبل زيادة قوة درع الجزيرة من (40) ألفا إلى (100) الف وتحت مظلة القيادة العسكرية المؤحدة، ويمكن زيادة اعدادها وفق ما تتطلبه مرحلة الاستعداد لمواجهة الخطر أو ردعه قبل نشوئه، كما لو طبقت وفعلت الشرطة الخليجية،، الانتربول،، فسوف يكون هناك تعاون جماعي لمكافحة الجريمة السياسية والعادية، ومثل هذه التطورات تحمل في مضامينها وحدة عسكرية وأمنية، فأيهما أهم العمل بالمضامين المضمونة أم بالأشكال المستفزة؟ ومن ثم هل بحثنا في التداعيات الأمنية وربما العسكرية الناجمة عن أقامه اتحاد من دولتين وهما السعودية والبحرين؟ كيف ستنظر الجغرافيا الخليجية الحساسة جدا لهذا النوع من التطور؟ بل كيف ستنظر لدخول البعد المصري في معادلة الأمن في الخليج من منظور الاتحاد الثلاثي؟ وهنا لا بد أن نتساءل عن مستقبل الخليج في ضوء ذلك الفكر السياسي الذي لا يعتد بنظرية السياقات السياسية التي لا تقبل في المرحلة الراهنة على الأقل أي لعب بالجغرافيا ولا المساس بالأمن في المنطقة.

إلى الأعلى