الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: القضية الفلسطينية ورقصة “التانجو الصهيونية”

شراع: القضية الفلسطينية ورقصة “التانجو الصهيونية”

خميس التوبي

يسابق العرَّاب جون كيري وزير الخارجية الأميركي الزمن لإقناع العالم بأن كل التحليلات المخبرية وصور أشعة أكس والسونار والمقطعية تؤكد حمل المفاوضات الجارية منه بجنين أطلق عليه اسم “اتفاق الإطار” قبل موعد الولادة الذي حدده في أبريل المقبل، مستعينًا في ذلك بكبير الاستشاريين باراك أوباما للتدخل السريع من أجل إقناع القاتل المحترف عدو الحياة والإنسانية المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس حكومة كيان الاحتلال الصهيوني بعدم التبرؤ من المولود المنتظر وعدم الإقدام على خطوات تؤدي إلى تشويه الجنين أو إجهاض الحمل.
لقد كان واضحًا موقف أوباما من الوضع الراهن للمفاوضات حيث شدد على نتنياهو اغتنام هذا الراهن الذي يصب لصالح كيان الاحتلال الصهيوني وأهمية تسهيل ولادة طفل كيري المسمى “اتفاق الإطار”. وكان أوباما أوضح حين أكد أن الولايات المتحدة ستكون مستقبلًا غير قادرة على تقديم الدعم كما هو حاصل الآن؛ لأن العالم ـ باعتراف أوباما ـ بدأ بالتغير، وبالتالي قد يكون ليس في مقدور الولايات المتحدة مستقبلًا اختلاق فرص أخرى مواتية مثلما تفعل الآن بنشر “فوضاها الخلاقة” في العالم وبالأخص في المنطقة ودعم الإرهاب فيها المسمى كذبًا “الربيع العربي”، حيث تتكامل أشكال الدعم للاحتلال الصهيوني، سواء من قبل الغرب الامبريالي الاستعماري، أو مجموعة العملاء الإقليميين والأدوات المتمثلة في العصابات الإرهابية التي أفصحت مبكرًا عن هوية مشغِّليها وفي مقدمتهم كيان الاحتلال الصهيوني، ولهذا فإن ما ذهب إليه باراك أوباما جاء بناء على الواقع الذي صنعه الدور الأميركي بتحالفاته المتعددة، ذلك أن “الوقت المتوفر لدى “إسرائيل” لتحقيق السلام آخذ بالنفاد”، مشيرًا (أوباما) إلى أنه لم يُعرض عليه بعد “سيناريو يمكّن “إسرائيل” من حماية طابعها اليهودي الديمقراطي بغياب حل الدولتين، ومن دون تحقيق السلام مع جيرانها”. لذا “يتحتم على نتنياهو اغتنام الفرصة السانحة حاليًّا، فالوضع لن يتحسن من تلقاء نفسه إذ إن عدد الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين سيزداد مع مرور الوقت”.
نتنياهو من جهته التقط خيط ما يرمي إليه أوباما في اللقاء الذي جمعهما أمس بالبيت الأبيض واصفًا إياه بـ”الصديق المخلص”، بل إن نتنياهو ـ كعادته ـ عمل على استغلال الموقف في التحريض ضد الجانب الفلسطيني واتهامه كذبًا وزورًا بأنه المعرقل والمعطل لنجاح المفاوضات برفضه الاعتراف بما يسمى “يهودية الدولة”، والزعم أن “هناك حاجة لثلاثة أطراف على الأقل من أجل رقص التانجو لصنع السلام في الشرق الأوسط”، حيث “يوجد هناك طرفان وهما: “إسرائيل” والولايات المتحدة، والآن يجب أن نرى إذا ما كان الفلسطينيون حاضرين أيضًا”.
إذن، يعبر نتنياهو عن استعداده وحلفائه الأميركيين للرقص وهز الوسط على جثث الشهداء الذين قدموا دماءهم وأنفسهم رخيصة من أجل وطنهم فلسطين، ويبدي استعداده لهز وسطه على أنقاض ما دمرته الآلة الحربية الصهيونية المدعومة أميركيًّا وغربيًّا في القدس المحتلة والضفة الغربية وقطاع غزة، ويرغب في الرقص المستمر وهز وسطه وأردافه على الجثث التي تكتظ بها الطرق والقرى والمدن وعلى أنهار الدماء المسفوكة في كل من سوريا والعراق ولبنان ومصر وليبيا واليمن وتونس التي ولغت فيها المؤامرة الصهيونية من خلال كذبة “الربيع العربي” وتسميم الأخلاق وتشويه القيم والمبادئ والمثل، ونثر سموم الطائفية. ويسعى نتنياهو جاهدًا إلى إيجاد عملاء وأدوات وخدم فلسطينيين يشاركونه الرقص وهز الوسط والأرداف والاحتفال نشوةً بتصفية وطنهم وقضيتهم، مثلما يعمل الآن عملاؤه وأدواته المستأجرة بأمر منه ومن حلفائه على تدمير أوطانهم في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا، ويمارس أساليب المكر والخداع على حلفائه الأميركيين للضغط على الجانب الفلسطيني للرقص والهز معه، ولكن لكي يتقن الفلسطينيون رقصة التانجو عليهم أن يلبوا الشروط “الإسرائيلية” بالاعتراف بما يسمى “يهودية الدولة” والقدس عاصمة أبدية موحدة لها، وشطب حق عودة اللاجئين، والتخلي عن حدود عام 1967م.
في الحقيقة ما كان يتستر عليه رعاة ما يسمى عملية السلام ووسطاء المفاوضات وداعمو كيان الاحتلال الصهيوني وهو تأمين مستعمرتهم الكبرى المسماة “إسرائيل” التي غرزوها خنجرًا مسمومًا في خاصرة الجسد العربي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته، أصبح اليوم أمرًا مجاهرًا به، وبالتالي لم يعد لدى أحد شك في انحدار المسار الذي تسير فيه عملية تصفية القضية الفلسطينية، وأهم معالم هذا المسار هو انكشاف موقف الولايات المتحدة وتعريته، ذلك الموقف المزدوج بين التظاهر بالتوسط لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبين دعم حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني على طول الخط عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعلى كافة المستويات، وحثه على استغلال الأوضاع العربية الملغمة بألغام الإرهاب والطائفية، لتكون هذه المحطة هي حفلة رقصة التانجو التي يريدها نتنياهو.

إلى الأعلى