الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة :موجهات استرشادية .. للأعضاء الجدد لمجلس الشورى

العين .. الثالثة :موجهات استرشادية .. للأعضاء الجدد لمجلس الشورى

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

أمس أفرزت لنا صناديق الاقتراع أعضاء جددا لمجلس الشورى لفترة ثامنة مدتها أربع سنوات، هي من أصعب الفترات التي تمر بها بلادنا بسبب الأزمة النفطية التي تهز عروش موازنات الدول النفطية، وكذلك بسبب الأداء الاجتماعي والاقتصادي الذي لم يجعلنا نطمئن على قدرات بلادنا لمواجهة أزمة نفطية قصيرة، فكيف لو كانت متوسطة أو طويلة الأجل؟ من هنا، ينبغي أن يتحمل مجلس الشورى على وجه الخصوص مسؤولية المشاركة الوطنية في التفكير والتخطيط والتنفيذ في تحول جوهري لتاريخية المسارات السابقة، فهل سيتمكن مجلس الشورى من لعب هذا الدور الجديد؟ وكيف أن يكون له هذا الاستحقاق الجديد؟
هل يمنح أم ينتزع؟ إن أي تقويم للأداء الحكومي الاقتصادي والاجتماعي، قبل الأزمة، وبعدها، يعطينا نتيجة واحدة، وهي ضرورة إحداث التوازن المقبول في مصالح ثلاثة أطراف أساسية في البلاد، هي الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص، مع الأخذ بعين الاعتبار الفاعلين الأولين، فالفاعل الثالث تدور حوله إشكالية كبيرة سواء من حيث المفهوم نفسه أو الواقع، ومع ذلك ينبغي أن لا نتجاهل مصالحه، فالأطراف الثلاثة ينبغي أن تعمل بصورة تضامنية عن طريق مبدأ الشراكة الحقيقية التي تنتج التوافق في المصالح وفق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” ودون هذه الشراكة “المسئولة والملتزمة” لن تكون الخيارات والاختيارات صالحة لإدارة أزمة قوية جدا، لو تركناها للمعالجات الأحادية من قبل الحكومة، فلن تضمن لنا القبول الاجتماعي لها، بل إنها ـ وفق ما اطلعنا عليه من تسريبات ـ تجعلنا نبحث منذ الآن عن أهم التحولات الاجتماعية الناجمة عن الخطوات الحكومية المقبلة؟ وأمس، قال المجتمع العماني كلمته عبر اختيار ممثليه لمجلس الشورى، وقد أعرب عنها من خلال صناديق اقتراع حرة، وهو يعلم علم اليقين كل الظروف المالية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها بلاده، فاختار من يراه مناسبا لهذه الظرفيات، وهذه مسألة افتراضية تمليها السياقات فقط، فهل الواقع كان فعلا كذلك؟ بمعنى، هل كان هاجس تلك الظرفيات حاكما في إرادته الانتخابية أم أملته عليه اعتبارات أخرى؟ على العموم، المجتمع قد اختار من يعبر ويدافع عن مصالحه في إطار مجموع المصالح الوطنية التي ينبغي العمل على ديمومتها لدواعي الاستقرار في البلاد، وقد استوقفنا في التعبير عن الإرادة الانتخابية من منظورنا الإقليمي، صور استثنائية عديدة، لعل أبرزها، المشاركة النسائية اللافتة رغم عدم وجود مرشحات منهن، فهذا دليل على حجم التعبئة الانتخابية التنافسية، وهي كذلك تعبير على الرهان على أشخاص للزوم مشاركة الحكومة في إدارة المرحلة الوطنية الراهنة، وكذلك صور مشاركة كبار السن والعجزة والمعوقين فوق كراسي متحركة حرصوا كل الحرص على ممارسة حقهم الانتخابي، فهذا استنفار ما بعده استنفار، لا يهمنا هنا بعده التنافسي بين التكتلات أو التجمعات بقدر ما يهمنا فعلا، أن المجتمع قد عبر عن إرادته في هذه المرحلة الاستثنائية، ولا بد من أن تحترم فعلا، وهذه في مصلحة الحكومة لو انفتحت عليها إيجابيا، بدلا من أن تتحمل وحدها مسئولية تبعات تداعيات أي خيارات قد تكون صعبة، فهل ستفتح الحكومة الباب للشراكة الحقيقية؟ وإذا لم تفعل ذلك فكيف ستكون مشاركة الأعضاء الجدد في إدارة هذه الأزمة؟ بمعنى، هل سينتظرون حتى تفوت لهم الحكومة أدوارا تشاركية حقيقية أم أن عليهم انتزاعها بحكم القانون؟ وربما علينا القول كذلك إن الظرفية السياسية التي تمر بها البلاد على الصعيدين الداخلي والخارجي، تحتم كذلك الانتزاع، وهذا النوع من الشراكة ينبغي أن تكون رسختها التجارب السابقة، وكذلك تحتمها إشكالية آنية ذات أجل زمني لا أحد يمكن أن يتنبأ بمداه، وهي تغطية عجز موازنة الدولة بسبب انهيار أسعار النفط. من هنا، يمكن القول إننا ينبغي أن نضبط التحول الاجتماعي الذي قد ينجم عن هذه الأزمة بهذه الشراكة، لأننا لدينا تخوف عميق من أن تطول بعض التحولات التي لم تكشفها الحكومة حتى الآن الأسس والمقومات الأساسية للبنيات الاجتماعية، ما قد يؤثر على عدد من المنظومات منها الاجتماعية ومنظومة القيم ومنظومة تنشئة الأجيال. نعم، نقولها بكل صراحة إننا نخشى من التحولات الاجتماعية الهيكلية؛ لذلك، إدارة الأزمة النفطية ليست مسئولية حكومية خالصة، وإنما هي مشاركة مع مجلس الشورى في نسخة أعضائه الجدد، هذه النسخة يفترض أن تكون نتاج وعي المجتمع. من هنا، وجبت الشراكة الحقيقية، وهذه الشراكة تقتضي أن يكون لمجلس الشورى الرأي في كل السياسات والخطوات التي ستتخذها الحكومة والتي قد تمس البعد الاجتماعي، مهما كان حجمها وماهيتها، وبالأخص فرض ضرائب جديدة أو رفع الدعم أو رفع تسعيرة الكهرباء .. فلا يمكن أن تلجأ الحكومة إلى مسألة الفرض الإلزامي ما لم تشرك وتشارك أعضاء مجلس الشورى، وما لم يوافق عليها، فما هي القيمة التشاركية هنا إذا ما تم تجاوز مجلس الشورى؟
مسئوليتكم أعضاء مجلس الشورى الجدد كبيرة وعظيمة، بل هي تاريخية، فكيف سيكون أداؤكم التاريخي؟ كل ما يتعلق بالحفاظ على المال العام، بما فيها تجسيد رؤية جلالة عاهل البلاد المفدى ـ حفظه الله ورعاه ـ في محاربة الفساد المستنزف للأموال .. هو في صلب الأولويات، وفي صلبها كذلك مراقبة ماهيات الإنفاق الحكومي وتطبيقاته في ظل هذه الأزمة، والعمل على اختيار قطاعين من خمسة قطاعات اختارتهم الحكومة في خطتها الخمسية الجديدة، هي أولوية كذلك، إذ لا يعقل أن تنجح الحكومة في تحقيق نتائج كبيرة في كلها بسبب الأزمة النفطية، فعليكم اختيار اثنين منها شريطة أن يكون هذان القطاعان ذات صفة قيادية أي تقود بقية القطاعات إما بصورة تلقائية أو تبعية، وأن تخصصوا لجنة أو فريق عمل لمتابعة النتائج المحققة أو البحث في الأسباب التي تحول دون ذلك. مسئوليتكم أيها الأعضاء كذلك تبني البرغماتية الوطنية التي تنظر لمجموع المصالح بمنظور مدى تلازم أو تعارض نتائجها مع الأمن والاستقرار في البلاد، وفي إطار هذه البرغماتية، اعلموا أن بلادنا يحكمها البعد الاجتماعي أكثر من أية أبعاد أخرى، فكيف ستدافعون عنه إذا لم تشركم الحكومة في خطواتها المقبلة؟ والشراكة في كل الأحوال آتية لا محال، فالموازنة العامة للبلاد ستعرض عليكم قريبا، وكذلك الخطة الخمسية الجديدة، فهل أنتم مستعدون لمثل هذه الصراعات الإيجابية داخل قبة مجلس الشورى .. هناك تتمة.

إلى الأعلى