الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نحو تغيير يصلح المجتمع ولا يفسد فيه

نحو تغيير يصلح المجتمع ولا يفسد فيه

محمد بن سعيد الفطيسي

إن عملية التغيير والإصلاح تبقى مسألة داخلية في الدرجة الأولى, ولا ينبغي أن توجه أو توضع في إطار خارجي باهت ومفرغ من مضمون الخصوصية الثقافية والاجتماعية, وإن كانت البيئة الخارجية بوضعها الراهن اليوم قد وفرت آليات جديدة يسرت على قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي تمثل الطرف الآخر في العملية السياسية التحرك والنشاط فإن ذلك لا يعني قبول التحول إلى مشاريع ومقاربات معلبة ومستهلكة.

التغيير هو النجم اللامع على مسرح الأحداث العالمية هذه الأيام, فالجميع كما هو واضح يستقبله بالتصفيق ورحابة الصدر, بل وفي أغلب الأحيان تفتح له الأبواب والنوافذ دون استئذان, لأن المجتمع البشري بطبيعته يلحظ التغيير ويرد عليه بشكل عاطفي جدا, سواء إيجابا أو سلبا, وبالرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي الذي تعيشه البشرية, إلا أنه ـ وللأسف الشديد ـ ما زالت الغالبية العظمى من تلك التجمعات الإنسانية غير قادرة على المقاومة الإيجابية والحد من الأعراض السلبية الناتجة عن السرعة العالية التي يخترق بها التغيير تلك المجتمعات.
ففي عالم سريع التغير, (تفقد المعرفة بسرعة حداثتها, بل بسرعة كبيرة بحيث نصبح كل يوم جاهلين بأشياء كنا نعرفها بشكل جيد, ونتيجة لذلك نحن كلنا نعيش نفسيا في عالم الماضي, فالعالم الحقيقي اليوم يختلف عما نحن نظن), وهو ما يدفعنا لتوجيه السؤال الآتي: هل يمكننا حقا في ظل هذا التسارع التاريخي الذي تمر به الحضارة الإنسانية أن نعي حقيقة بعض المعارف التي فقدت هي بنفسها حداثتها, وبطريقة ربما تحولت فيها إلى قديم مستهلك لا يمكن الاقتناع به حتى في مصادره؟
وهل فعلا إن ما نؤمن به كمسلمات إنسانية في ظل هذا التغيير اللاإداري واللاإرادي يمكن لها أن تعمم كمفاهيم وقيم تتماشى وقيم مجتمعاتنا الإسلامية والعربية؟ وهل نحن كمجتمع نملك الحصانة الثقافية والاجتماعية التي يمكننا من خلالها التعامل مع مطالب الإصلاح والتغيير والحداثة بشكل واعٍ؟ وباختصار، هل نحن جاهزون للتغيير؟ وفي المقابل: هل ذلك يعني أن نركن للسلبية والرجعية والتخلف الحضاري خوفا من التغيير والإصلاح والحداثة؟ أو أن تعتبر الأنظمة السياسية ذلك الأمر؛ أي رفض التغيير والإصلاح والحداثة من الخارج سببا للقمع ومصادرة الفكر والحريات واحتواء الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية, وتتخذ منه شماعة تعلق عليها عجزها وضعف إدارتها؟
ونقول هنا، إن كلا الأمرين مرفوض وغير مقبول: فنحن نرفض أن يفرض علينا التغيير والإصلاح من الخارج في علب جاهزة, كما أن على الأنظمة السياسية في المقابل أن لا تعتريها الخشية والخوف من فتح نوافذ الشرفات الفكرية والإصلاحية لأبنائها. والسؤال المهم هنا هو: كيف يمكننا المضي بالشكل الأمثل لتحقيق هذه المهمة؟ كيف يمكننا تجهيز أنفسنا بالمعرفة والثقافة والإدراك الحضاري الأكثر أساسية عن العالم من حولنا ؟ وبمعنى آخر، هل نقبل أن تدفعنا تيارات التغيير والعصرنة والحداثة العابرة للقارات, إلى عوالم ما زلنا نجهل حقيقتها؟ أو ربما لا ندرك أسرارها!! أو حتى ما زلنا لم نصل بعد إلى المستوى الثقافي والمعرفي الذي يؤهلنا للاندماج والتواصل الحضاري والفكري المباشر مع تياراتها بالطريقة الصحيحة؟
وحيث كان من المفترض أن تدفعنا مشاريع الإصلاح والحداثة المعاصرة والتغيير إلى عالم أكثر استقرارا وأمنا, بل وكان من المفترض أن تحفزنا تلك الاتجاهات الإنسانية الحديثة إلى رقي ونهضة مجتمعاتنا الإسلامية وبطريقة لا تفرض علينا التغيير عن بعد, أو “بالريموت كنترول”, فإن ما نشهده في واقع بعض المجتمعات العربية اليوم هو تجارب تحديث استهلاكي, تعوزها الأصالة والإبداع والروح النقدية, وهو ما يتطلب تجاوز أنماط التحديث السطحي إلى ضرب من الحداثة العقلية والفكرية نابعة من رؤية شاملة للوجود, حداثة متأصلة في الوعي العربي ونابعة من عقيدتنا وثقافتنا الإسلامية الشاملة, تجيب عن تساؤلات الواقع العربي وتستجيب لطموحات الإنسان العربي.
وإني على يقين من أن هذا الأمر؛ أي الحداثة والتغيير وفي مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية, لا يمكن أن يتحقق لنا كشعوب مسلمة من خلال مشاريع تطبيع ثقافية واقتصادية وسياسية معلبة ومكتوب عليها من الخارج “صالحة للتصدير والاستهلاك العربي فقط”, وإذا كنا نؤمن بحتمية التغيير وضرورة مواكبة التحولات العالمية والتوازن الثقافي القائم على إعادة صياغة منظومة المعارف العابرة للقارات على ضوء التغيرات الحاصلة في القاعدة الاجتماعية الدولية, فإن ذلك لا يمكن أن يجبرنا على تغيير قاعدة الهرم الثقافي الذي تقوم عليها مجتمعاتنا الإسلامية بطريقة القص واللصق, ـ وأقصد بقاعدة الهرم ـ مجموعة القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية والعربية الفاضلة, وذلك تحت مسميات وشعارات التغيير والحداثة والإصلاح.
نعم …. نحن هنا لا نرفض التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعوب والحضارات, ولا نرفض الأخذ والتعلم من الآخر, ولا ندعو للتراجع الحضاري والإنساني والتنموي ومواكبة التطورات العالمية, ولا ندعو لسلب الحريات والحقوق الشرعية والمدنية للشعوب والتي كفلها هذا الدين العظيم, أو العودة إلى الوراء وتقييد سرعة الانتقال إلى مراحل حضارية تتوافق وروح العصر, ولكن بشرط أن تكون تلك القيم والمعارف المستوردة من الخارج لا تتعارض وقيمنا ومبادئنا الإسلامية التي تفرضها علينا عقيدتنا وشريعتنا وثقافتنا الإسلامية, كما لا يجب أن نندفع وراء تيارات التغيير والتغريب والعصرنة والحداثة دون تمحيص وغربلة لتلك المفاهيم والقيم العابرة للقارات, والتي نعتبرها التحدي الثقافي الأكبر والتهديد الحضاري الأخطر الذي يعصف بمجتمعاتنا الإسلامية اليوم.
وهذا ما يظهر أن للطبيعة البشرية أهمية كبيرة في الصراعات الدائرة داخل المجتمعات وخارجها, والتاريخ هو حصيلة التأثير المتبادل بين القوتين, وإن كنا لا ندعو لتفكيك العقل وإلغاء المشاعر الإنسانية في مسائل الإصلاح والتغيير, ولكن التاريخ الإنساني يثبت كل يوم أن اندفاعات الحياة العاطفية واللاشعورية والمؤثرات الغريزية هي ما تولد الشهوات وجميع المنازعات التي تقوض حياة واستقرار الأمم والشعوب, وإنما بالعقل والمنطق والتخطيط واستشراف المستقبل تتفجر عجائب العلم التي تعين الإنسانية على التطوير الحضاري والارتقاء بالمجتمعات والإصلاح والتغيير الحقيقيين.
إن المعرفة الصحيحة لا المتوهمة, ولا المتخيلة بما يدور من حولنا كما يقول الدكتور شاكر النابلسي في كتابة الزمن المالح – جدلية الأدب والسياسة في الثقافة العربية المعاصرة – وإنما المكتسبة بالنهج الموضوعي والأساليب النقدية, ومهما كانت نتائجها مخالفة لتصوراتنا أو لأهوائنا, هي المطلب المستقبلي العربي, وعلى المثقفين والمجتمع بأسره أن يعملوا على تحقيقها وترسيخها, فالنهوض والتقدم والإصلاح لم ولن يأتيا في يوم من الأيام من مجرد التقليد أو التهالك على أفكار وثقافات ومعارف مستوردة ومعلبة, وإنما يأتيان من اكتساب القدرة الفردية والجماعية على التغيير والإصلاح, وهي قدرة قائمة إلى حد كبير على الريادة والابتكار والتقدم وعدم استعجال التغيير.
وعليه، فإن عملية التغيير والإصلاح تبقى مسألة داخلية في الدرجة الأولى, ولا ينبغي أن توجه أو توضع في إطار خارجي باهت ومفرغ من مضمون الخصوصية الثقافية والاجتماعية, وإن كانت البيئة الخارجية بوضعها الراهن اليوم قد وفرت آليات جديدة يسرت على قوى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي تمثل الطرف الآخر في العملية السياسية التحرك والنشاط فإن ذلك لا يعني قبول التحول إلى مشاريع ومقاربات معلبة ومستهلكة, (حيث يشعر عموم العرب بمقدار من الإحراج إزاء هذه الدعوة الملحة, فالأنظمة العربية تأبى أن تقوم على إصلاحات تدفعها إلى المغامرة بمستقبل وجودها, والناس في المولاة والمعارضة لا يهللون لإصلاح يدعى إليه من الخارج, أو يتجاهل همومهم الوطنية والقومية الكبرى). يقول تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) صدق الله العظيم.

إلى الأعلى