الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : اعتذار بلير ودموع التماسيح

في الحدث : اعتذار بلير ودموع التماسيح

طارق أشقر

فوجئ الشارع العربي باعتذار رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير مساء الأحد عن ما سماه (جوانب معينة) من غزو العراق في عام 2003، مشيرًا في معرض حديثه إلى أن هناك شيئًا من الحقيقة في ارتباط الغزو بظهور تنظيم الدولة الإسلامية، معربًا عن أسفه على الإخفاقات الاستخبارية والأخطاء على التخطيط لغزو العراق، مؤكدًا في الوقت نفسه عدم ندمه على الإطاحة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
إن العبارة التي يتوقع أن تتفوه بها أي أُم عراقية قبل غيرها عند سماعها لهذا التصريح هي “يا فرحتي باعتذارك يا بلير”، فهو اعتذار للثكالى من النساء و(للنادمين) من الرجال، أشبه بدموع التماسيح، التي يؤكد صيادوها أنها تذرف دموعًا عندما تكون فريستها بين كفيها خصوصا عندما تكون الفريسة من بني الإنسان.
إن الإخفاقات الاستخباراتية وأخطاء التخطيط التي أشار إليها بلير يمكن التعرف على نتائجها و(تداعياتها) على الشعب العراقي كمثال من خلال ما سبق أن أعلن عنه الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية علي الدباغ عام 2012 في بيان عن عدد ضحايا العنف في العراق بأنهم بلغوا خلال الفترة من 2004-2011 قرابة تسعة وستين ألف عراقي قتلوا في أحداث عنف متفرقة.
ترى ماذا سيفيد اعتذار بلير أبناء وأمهات هذا العدد الكبير من ضحايا العنف الذي ساد العراق بعد الغزو مباشرة؛ أي بعد 2003 كنتيجة حتمية لحالة من انفراط العقد وعدم الاستقرار السياسي، وسيادة الجهوية والطائفية، وتأجج الصراعات بعد الغزو؟ ألم يكن ذلك ضمن نتائج أخطاء التخطيط للغزو ونتائجه؟
إن صورة الفريسة بين فكي التمساح الذي يذرف دمعا على ضحيته رغم لذة طعمها، ما زالت ماثلة ليست في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كافة، خصوصا وأنها ورغم دور أبنائها فيما وصلت إليه، إلا أن نتائج الإخفاقات الاستخباراتية التي اعترف بها الغرب، مكنته (أي الغرب نفسه) من القبض على مفاصل الأمور في تحديد حاضر ومستقبل المنطقة واستقرارها خصوصا العسكري والسياسي والاقتصادي.
كما أن الأكثر تخويفا لمستقبل المنطقة يبدو أخطر للمراقبين من فعل التباكي على الماضي، فهو متمثل بوضوح في “داعش” الذي أكد قراءة بلير بأن ظهورها مرتبط بتداعيات غزو العراق. وذلك متفقا مع ما ذهب إليه المراقبون بأنه لولا اختلال موازين القوة في المنطقة بسبب الحرب على العراق لما ظهرت هذه الحركات المسلحة أصلا. في حين أن أنها تنامت وأصبحت عنصرًا مهددًا حتى لمن كان سببًا بأخطائه في ظهورها، فشكلت قلقًا اجتماعيا للكثير من المجتمعات الغربية التي بدأت مجموعات من أبنائها الانضمام إليها.
وكيفما كان حجم الأخطاء الاستخباراتية في فترة ما قبل غزو العراق، وما قد يستجد من أخطاء لغموض الصورة طالما أن الأمر استخباراتي وسري يصعب فهمه على البسطاء، إلا أن الدروس المستقاة من هذا الاعتراف ينبغي على العرب الاستفادة منها، عبر الحرص على عدم تدويل المشكلات العربية ومحاولة التخلي عن عادة الانبطاح للغرب حتى لا يظل خلاف التكنوقراط العرب المعارضين لأنظمة بلدانهم مطية للمخابرات الغربية التي كثيرًا ما تستبدل عقول الغاضبين على سياسات بلدانهم بدبابات يغزون بها بلدانهم، بينما يكسب الطرف الآخر جني المزايا من التداعيات… ويأتي بعد برهة من الوقت ليعزز مكاسبه تلك بعبارات أو كلمات يعتبرها الاجتماعيوين وعلماء النفس والسلوك، بأنها موقف حضاري راقٍ كونه حمل اعتذارًا عن خطأ ما..!

إلى الأعلى