الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مواكب الكميم .. ترسيخ لنهج الشورى والمشاركة الوطنية

مواكب الكميم .. ترسيخ لنهج الشورى والمشاركة الوطنية

محمد عبد الصادق

على عضو المجلس القادم الإعداد الجيد لمداخلاته واختيار الأسئلة والملفات التي يريد طرحها أمام المجلس أو توجيهها للوزراء المختصين بعناية, بحيث تكون جديدة وفي محلها, ولم يتم طرحها من قبل حتى لا يقع في دائرة التكرار والملل, وعلى الناخبين أيضًا مسؤولية تغيير الثقافة النمطية السائدة عن دور عضو مجلس الشورى, ونظرتها التقليدية وتقييمها لأدائه حسب الخدمات والمصالح الشخصية التي يؤديها للمواطنين.

اصطف العمانيون يوم الأحد الماضي أمام لجان الانتخابات, بمختلف محافظات السلطنة لاختيار ممثليهم في مجلس الشورى للفترة الثامنة, مسطرين ملحمة انتماء وولاء لوطنهم عُمان, ومجددين عهد الحب والوفاء لراعي مسيرة عُمان ومفجر نهضتها جلالة السلطان قابوس المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وليشاركوا في إثراء التجربة الديمقراطية العمانية, التي أثبتت نضجها وفعاليتها من خلال الممارسة البرلمانية الواعية خلال قرابة ربع قرن من عمر مجلس الشورى العماني, الذي قام بدور مشهود في مشاركة الحكومة الرشيدة أعباء إصدار القوانين وسن التشريعات بعد بحث ونقاش مستفيضين, من أجل الوصول للصيغة التي تراعي المصلحة الوطنية, وتوازن بين مصالح الفئات والأطراف المتعددة, وتسهم في تنفيذ خطط التنمية المتعددة التي تسعى لخير ورفاهية الإنسان العماني.
ولعُمان تجربتها الخاصة في ميدان العمل البرلماني ومشاركة العمانيين في اختيار ممثليهم ليساهموا في صنع القرارات الوطنية، وتجسيد الإرادة الشعبية تحت قبة “الشورى”, وهي تجربة فريدة ومتميزة تم بناؤها بتأنٍّ ولكن على أسس ثابتة لتتماشى مع واقع المجتمع العماني, ومعطيات العصر الذي نعيشه, وأسهمت الممارسة الشوروية على مدار الدورات السبع السابقة في الارتقاء بالمواطن سياسيًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا, من خلال تحسن جميع مؤشرات التنمية البشرية الإقليمية والعالمية, التي وضعت السلطنة في منزلة متقدمة في مجالات الصحة ورعاية الأمومة والطفولة والحصول على التعليم والقضاء على الأمية, وتضاعف معدلات الدخل وعدالة توزيع الثروة, وتدني نسب التضخم والبحث عن عمل, نتيجة علاقة الشراكة المثمرة بين الحكومة ومجلس الشورى خلال الفترات البرلمانية السابقة, التي كان شعارها إعلاء المصلحة الوطنية على ما عداها من مكاسب سياسية أو مناطقية أو شخصية.
ومجلس الشورى القادم تنتظره أعباء جسام, ومسؤولية كبيرة في الارتقاء بمسيرة بناء عُمان الحديثة, في ظل تحديات محلية وإقليمية ودولية, بسبب تدني أسعار النفط, وتأثير ذلك على خطط التنمية, واحتياجات الولايات والمناطق من الخدمات والمرافق العامة وتوفير الميزانيات اللازمة لخدمات التعليم والتوظيف والتنمية الثقافية ورعاية الشباب والرياضة وهناك ضرورة ملحة للتفكير خارج الصندوق عن حلول بديلة لتنويع مصادر الدخل, واستغلال إمكانيات وموارد السلطنة المتعددة في مجالات السياحة والزراعة والثروة السمكية والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ لإيجاد مشاريع ومجالات جديدة توفر فرص عمل وتحقق دخلًا لخزينة الدولة, ولكي يتحقق ذلك لا بد من مشاركة مجتمعية تتفاعل وتدلو بدلوها من خلال الحوارات المجتمعية حول القوانين والتشريعات التي ستطرحها الحكومة على مجلس الشورى, وتهيئة المجتمع لأي قرارات صعبة ربما تلجأ إليها الحكومة خلال المرحلة القادمة, لتستطيع مواجهة العجز المتوقع في الميزانية, وإعادة النظر في أوجه الإنفاق الحكومي للتعامل مع الظروف الراهنة.
ننتظر من المجلس القادم الاضطلاع بمسؤولياته في الرقابة والتشريع, وأن يتسلح عضو المجلس بالخبرة والكفاءة والمهارات والمؤهلات الشخصية والعملية اللازمة للقيام بهذه المهمة, والتفاعل مع السياسات والتقارير التي تقدمها الجهات الحكومية، وأن يكون لديه القدرة على تحليل السياسات والقراءة المنهجية العلمية لكل ما يرد للمجلس من تقارير, وعليه الاستماع لنبض الشارع والتعاطي بواقعية مع هموم ومتطلبات المواطنين, والتواصل مع مؤسسات القطاع الخاص, والجمعيات الأهلية, ومنظمات العمل الأهلي, ومحاولة تقوية هذه الجهات وتفعيل مشاركتها في الشأن العام ونقل وجهات نظرها للمسؤولين لمحاولة حل المشكلات وإزالة المعوقات التي تعطل عمل وتقلل إنتاج هذه الجهات وفقًا للقانون ولما فيه مصلحة وارتقاء الوطن.
على عضو مجلس الشورى الجديد الإلمام بالتشريعات والقوانين والنظام الأساسي للدولة, واللائحة الداخلية التي تنظم عمل المجلس, فضلًا عن الاطلاع على أهداف ومسؤوليات وسياسات المؤسسات الحكومية المختلفة, ليتسنى له ممارسة دوره الرقابي بفاعلية, فالثقافة والقراءة المتنوعة هما سلاح عضو المجلس ليستطيع التحدث بلباقة وثقة تحت قبة المجلس, كما عليه الإنصات والمتابعة لأعمال اللجان المختلفة, ولا مانع من الاستعانة بالخبراء وأصحاب الرأي والخبرة من كافة أطياف وفئات المجتمع, عند دراسته لملفات بعيدة عن تخصصه, كما على عضو المجلس القادم أن يدرك جيدًا كيفية التعامل والتعاطي مع الإعلام, وأن يدرك أنه أصبح شخصية عامة، وسيكون محط اهتمام وسائل الإعلام المختلفة, وأن يحسن استغلال فرص ظهوره الإعلامي لتوصيل الرسائل التي تخدم أهداف “المجلس” وتتسق مع سياسة الحكومة وتوجهات الدولة, وعليه التصرف بمسؤولية والحرص في تصريحاته وأقواله؛ سواء داخل المجلس أو خارجه أو حتى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة “الإنترنت”, حتى لا يقع في شراك زلة اللسان ومظنة سوء القصد والتأويل.
على عضو المجلس القادم الإعداد الجيد لمداخلاته واختيار الأسئلة والملفات التي يريد طرحها أمام المجلس أو توجيهها للوزراء المختصين بعناية, بحيث تكون جديدة وفي محلها, ولم يتم طرحها من قبل حتى لا يقع في دائرة التكرار والملل, وعلى الناخبين أيضًا مسؤولية تغيير الثقافة النمطية السائدة عن دور عضو مجلس الشورى, ونظرتها التقليدية وتقييمها لأدائه حسب الخدمات والمصالح الشخصية التي يؤديها للمواطنين, فهذا ليس دور عضو مجلس الشورى, وإنما دور المجالس البلدية, ومن قبلها الجهات الحكومية التي مهمتها إعطاء كل مواطن حقه طالما توافرت فيه الشروط وطبقًا للقانون, دون واسطة عضو مجلس شورى أو مسؤول كبير, وإن كان بعض الأعضاء يشاركون في نشر هذه الثقافة, من خلال الإسراف في الوعود الانتخابية حتى يستميل المواطنين لانتخابه, وبعد نجاحه وارتدائه حلة المجلس, يجد نفسه محاصرًا من الناخبين ومطالبًا بتحقيق الوعود, وحين يعجز عن تلبية ما وعدهم به, يضطر إلى الاختفاء والتواري عن الأنظار, ويلصق بالمجلس وأعضائه تهمة السلبية وانعدام الفاعلية وغياب المصداقية, وخيبة الظن, وربما أثرت هذه الممارسات وتلك الظواهر على نسب المشاركة, وتراجع اهتمام المواطن بالشأن العام.

إلى الأعلى