السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / السلوى في تاريخ نزوى .. ترى النور في ستة مجلدات
السلوى في تاريخ نزوى .. ترى النور في ستة مجلدات

السلوى في تاريخ نزوى .. ترى النور في ستة مجلدات

الموسوعة تسد فراغا في المكتبة العمانية حول تاريخ وحضارة وأعلام ومعالم بيضة الإسلام
محمد السيفي بذل جهودا مضنية ليكون إصداره متزامنا مع احتفالات عاصمة الثقافة الإسلامية

كتب ـ خلفان الزيدي:
“مدينة قطنها خزنة من خواص الناس، وأعيان الفضل، وأنجم الأرض الذين نادموا الدفاتر، وسامروا القماطر والمحابر، فأضحت مساجدها تغص بالعلم الشريف، والقائمين، والركع السجود، وخرق سكون لياليها المتهجدون، الذين ( ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق).
غير أنها ما برحت تزدهر بالعلوم والصناعات، وتحتل أنعش التجارات، وتجود أرضها بالزراعات، وتنطلق من معكرها الفتوحات”.
بهذه الكلمات صدر الباحث محمد بن عبدالله بن سعيد السيفي موسوعة “السلوى في تاريخ نزوى”، معبرا عن وصف المدينة التي نشأ في حبها، وترعرع في حياض عشقها، وهام في وجدها، قاطفا من كلمات الثناء البديع، وعبارات الحسن البليغ ما يعبر عن هذا الوجد والهيام، ويفي حق المقام والمقال بمدينة “جمعت أطراف المحاسن، ونظمت أشتات الفضائل، وأخذت برقاب المحامد، واستولت على غايات المناقب، وفازت بأعلى المطالب”.
الموسوعة رأت النور أخيرا، وخرجت إلى حيز الوجود، وقرت عين مؤلفها بها، وكانت ابتسامته وهو يناظر الموسوعة الحاضرة في المؤتمر الصحفي الذي عقده سعادة الشيخ حمد بن هلال المعمري وكيل وزارة التراث والثقافة للشؤون الثقافية بوزارة التراث والثقافة أمس الأول للإعلان عن استضافة السلطنة للمؤتمر التاسع لوزراء الثقافة بدول العالم الإسلامي تحت عنوان “نحو ثقافة وسيطة تنموية للنهوض بالمجتمعات الإسلامية” بمسقط خلال الفترة من 2 إلى 4 نوفمبر المقبل.
كانت الموسوعة هي محط أنظار كل من تابع المؤتمر، وكذلك كان مؤلفها الذي بدا “عريسا” في لحظة فرح وهو يرى ثمار جهده، ونتاج عمله المضني وقد أصبح حقيقة، ولذلك تطايرت تباشير “السلوى” بين العالم الواقعي والافتراضي، وتوالت التهاني والتبريكات على مؤلفها، وبين الكلمات كانت تسكن عبارات الشكر لوزارة التراث والثقافة التي أسهمت بدورها في إخراج هذا الجهد الموسوعي للنور.
طبعت موسوعة “السلوى في تاريخ نزوى” في ستة مجلدات مصحوبة بالوثائق والصور كل جزءين في مجلد واحد، وقد تناول المجلدان الأول والثاني الأماكن والآثار، أما المجلدان الثالث والرابع فتناولا تراجم العلماء، والعالمات، وفي المجلدين الخامس والسادس المجتمع، والثقافة.
وقد قدم الباحث محمد السيفي موسوعة السلوى في تاريخ نزوى، بالإشارة إلى إهمال الأقلام ردحا من القرون عن الكتابة عن هذه المدينة، وتوثيق تاريخها وأعلامها ومعالمها، حتى غاب كثير من أعلامها، وتلاشت معظم معالمها، ونسيت أغلب أخباره، متصديا للمهمة بهمة عالية، وعزيمة لا تستكين، وكانت مناسبة الإعلان عن كون “نزوى عاصمة للثقافة الإسلامية” للعام 2015م، باعثا على الهمة فشمر سواعد الجد، والتجوال في نزوى سهولها وجبالها، حاراتها ومساكنها، مساجدها ومقابرها، أفلاجها ومزارعها، حصونها وقلاعها، والتنقيب في أمهات الكتب والموسوعات والمؤلفات والوثائق والمخطوطات العمانية والأجنبية، ومجالسة الكبار وتوثيق التاريخ الشفوي، والبحث سنين طوالا عن معلومة أو فائدة تخص مدينة نزوى، لتكون ضمن هذه الموسوعة الشاملة، التي أراد لها مؤلفها أن تكون مرجعا لكل باحث ودارس، عن كل شاردة وواردة تخص مدينة نزوى.
كانت المهمة شاقة، فالوثائق التي تضم مادة وافية عن مدينة نزوى قليلة، والحصول على مادة علمية من المخطوطات ليس بالشيء اليسير، لأنه يعني أن على الباحث أن يقرأ كل صفحات المخطوطات، وهذا أمر متعذر وعسير.
ويشير الباحث إلى بعض المؤلفات التي اعتبرها محاولات كان لها الأثر في حفظ شيء من جوانب التاريخ النزوي، ومن هذه الكتب، كتاب “نزوى عبر الأيام.. معالم وأعلام”، للمؤلف الشيخ ناصر بن منصور الفارسي، والكتاب صدر في مناسبة عام التراث خلال العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد، ويعد هذا الكتاب من أول المراجع التي كتبت عن مدينة نزوى، وقد اعتمد عليه الباحثون والكتاب، غير أن الشيخ ناصر الفارسي ـ والقول للباحث محمد السيفي ـ اقتصر في كتابه على تراجم الأعلام، وذكر مقدمة مقتضبة من واحد وعشرين صفحة تطرق فيها عن نشأة نزوى، وتسمياتها وموقعها ونشاط السكان وبعض معالم نزوى الأثرية المهمة، وبقي الكثير من الأعلام والقرى والمحلات والثناء النثري والنظمي إلى غير ذلك من المجالات غائبا في هذا الكتاب.
والكتاب الثاني الذي يذكره السيفي، والذي مثل مرجعا عن مدينة نزوى، وهو حصاد الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي في نزوى في 7 أكتوبر 1998م، على مدار يومين، وحمل الكتاب عنوان “نزوى عبر التاريخ”، وتضمن عددا من الأوراق التي ألقيت في الندوة بدءا من آثار نزوى ومكانتها التاريخية والاجتماعية، وحتى دور علمائها السياسي عبر العصور والصناعات التقليدية وغيرها، ولكن الكتاب أيضا ـ والقول للباحث محمد السيفي ـ لم يتطرق إلى جوانب عديدة ولم يأت على ذكر السلاطين والأئمة الذين اتخذوا نزوى عاصمة لهم، وذكر عددا ضئيلا من علماء نزوى بتراجم غير كافية، وغفل جانب النساء ولم يشر إلى المحلات وسكت عن أغلب المواقع الأثرية.
وإضافة إلى هذين الكتابين اللذين تحدثا عن نزوى من زوايا مختلفة، يذكر الباحث عددا من الدراسات الأكاديمية التخصصية التي تتبعت فترة تاريخية معينة من تاريخ مدينة نزوى، أو معلما أثريا دون غيره، كما هو الحال بالنسبة لكتاب “مدينة نزوى في عهد الإمامة الإباضية الثانية” للباحث عبدالرحمن بن أحمد السليماني، ورسالة الماجستير لبدر العلوي التي كانت حول قلعة نزوى، أو عن قرية أثرية كما في بحث سعيد السالمي التي تخصصت عن قرية كمه بنزوى، كما أعد على الشنفري وجيرد ويبجريز تقريرا حول المكتشفات في المقبرة التي تقع على منحدر جبل الحوراء شرق نزوى، وغيرها من الأبحاث.
وعلى هذا جاءت موسوعة “السلوى في تاريخ نزوى” لتغطي هذا النقص في المادة المكتوبة عن مدينة نزوى، وتاريخها وأعلامها، ومعالمها، وصناعاتها، وحرفها، وتقاليدها، وغير ذلك الكثير مما يحتاجه الباحث والدارس، والتي ستكون مرجعا للباحثين، ومقصدا للمطلعين، وعونا للدارسين، تسد فراغا في المكتبة العمانية، وتحتفي بمدينة كانت نشأتها متزامنة مع نشأة عمان، ولها تاريخ ضارب الجذور من قبل حتى أن يختارها العمانيون عاصمة لهم في القرن الثاني الهجري، ولفترة زمنية امتدت ألف سنة.
وقد اعتمد الباحث محمد السيفي في هذه الموسوعة على مصادر كثيرة ومتنوعة، منها الكنب المخطوطة والمطبوعة، والتتبع الميداني، والمراسلات والوثائق المخطوطة والمقابلات.
ويذكر في شأن المخطوطات، أنه اعتمد في جمع مادة الموسوعة على تقليب آلاف المخطوطات للحصول على أي معلومة يمكن أن ترفد مجلدات الموسوعة “الستة”، فقد تردد كثيرا على دائرة المخطوطات في وزارة التراث والثقافة، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي باعتبارها تحتضن كثيرا من المخطوطات، واستفاد من المكتبات الخاصة كمكتبة وقف بني سيف في نزوى، ومكتبة الشيخ محمد بن سالم بن محمد الريامي في بلدة العين بالجبل الأخضر، ومكتبة السالمي في بدية ومكتبة الشيخ سيف بن حمود البطاشي في دماء والطائيين، وتتبع ـ أحيانا ـ مخطوطات رجال العلم والفضل الذين كانوا بنزوى، وانتقلوا إلى شرق إفريقيا أيام زهرتها.
وفي شأن المطبوعات يذكر المؤلف أن الكتب المطبوعة تنوعت ما بين لغوية وفقهية وتاريخية وجغرافية ودواوين شعرية وكتب الرحلات والرسائل الجامعية من الماجستير والدكتوراة والتقارير التي تخدم مادة الموسوعة، وقد ذكر جميع المراجع في هوامش الموسوعة وفي ختامها.
كما قام الباحث محمد السيفي بجهد ميداني دوؤب لاستكمال معلوماته عن مقابر نزوى التي تحتضن إرثا من الآثار والشواهد كمقابر الأئمة، والمدة وسعال والبلوش، وتتبع آثار نزوى المترامية في القرى والمحلات، وقيد كتابات المساجد والحجارة وسقوف البيوت، والآثار المندرسة من الأفلاج والرموم.
واعتمد الباحث كذلك على المراسلات والوثائق المتعلقة بنزوى، أو أشارت إلى مدينة نزوى، وجميع المخطوطات والتقييدات المتعلقة بالأفلاج والوصايا والوكلات والأوقاف المتوفرة لديه، هذا بجانب المقابلات التي تتعلق أغلبها بالمحلات إذ القاطنون في المكان هم أدرى بمكانهم، وأجرى مقابلات لعدد من أصحاب المهن والحرف والمختلفة، وعدد من رجال الطب التقليدي.
إن كل هذا الجهد، وبعد أن صار واقعا، وخرج إلى النور، يحق لنزوى جميعها أن تفتخر به، وللمكتبة العمانية أن تزهو به، وتتزين أرففها بموسوعة طال انتظارها، ومن الجميل أن يكون صدورها، ونزوى ما زالت تعيش احتفالية كونها عاصمة الثقافة الإسلامية هذا العام، ومع اقتراب مناسبة غالية هي احتفالات السلطنة بعيدها الوطني الخامس والأربعين المجيد.

إلى الأعلى