الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يمثل “داعش”؟

من يمثل “داعش”؟

لا شك أن دخول روسيا بقوة على خط الأزمة السورية سيحول بين وجود تلك التنظيمات الإرهابية في أي مفاوضات حول مستقبل سوريا ولن تتمكن أميركا والغرب من فرض ذلك، كما فعلوا ويفعلون في ليبيا مثلا. لكن يصعب تصور أي مفاوضات حول مستقبل سوريا موحدة بدون طرف هام في الصراع هو “داعش” وأخواتها، فمن إذًا سيمثل “داعش” وأخواتها في أي لقاءات أو مفاوضات تسوية في سوريا؟

تتسارع الجهود منذ التدخل العسكري الروسي في الأزمة السورية لتطويق أي تطور يضر بمصالح القوى الإقليمية التي لها مصلحة في تغيير النظام في دمشق ـ بغض النظر عما يمكن أن يحدث بعد ذلك، حتى لو كان نارا لن توفر أحدا بما فيها تلك الأطراف الإقليمية. وتصادفت تلك الجهود مع اعتراف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بأن حربه هو والرئيس الأميركي وقتها جورج بوش الابن لغزو واحتلال العراق ساهمت في بروز “داعش”. ليس مهما اعتراف بلير الآن ـ وهو في الواقع لم يبدِ ندما على فعلته في مقابلته مع شبكة تلفزيون أميركية، إنما ألقى باللوم على معلومات استخباراتية مغلوطة ـ إنما المهم هو حقيقة أن تدمير العراق كان مقدمة تطور “داعش” وغيرها من تنظيمات الإرهاب. ولا شك في أن تدمير سوريا ـ كما يجري الآن ـ سيعزز من قوة “داعش” وأخواتها خاصة وأن فراغا ناجما عن إسقاط النظام لن يملأه سوى تنظيم الإخوان في سوريا.
المهم، أن الجهود المتسارعة للتوصل لحل سياسي لم تتضمن سوريا حتى الآن وبدأت باجتماع في فيينا قاده وزيرا خارجية روسيا وأميركا. وهناك حديث عن لقاء موسع لاستكمال مشوار مفاوضات جنيف للتسوية في سوريا. ومن غير الواضح من سيشارك في اللقاء الموسع، إذ طلبت روسيا إشراك إيران ومصر، وقد تطلب أميركا إشراك دول إقليمية أخرى، لكن يظل السؤال من سيمثل سوريا؟ بالطبع رد “الأطراف المعنية” جاهز: يمثل سوريا الشعب السوري. وإذا كان الروس والإيرانيون يرون أن الشعب السوري تمثله حكومته فإن أميركا وتركيا ومن لف لفهما لا يرى ذلك ويصر على أن المعارضة تمثل الشعب السوري، فالحل الوسط هو أن تكون اللقاءات تمهيدا للتسوية بين “أطراف” الشعب السوري: حكومة ومعارضة. معروف أن الحكومة السورية ستختار من يمثلها في أي مفاوضات، لكن ماذا عن المعارضة وكل فصيل فيها يدعمه طرف من “الأطراف المعنية”؟ ما نسمعه من تصريحات علنية من كافة تلك الأطراف يتحدث عن “المعارضة المعتدلة”، وهنا مربط الفرس.
لو سلمنا فرضا بأن هناك معارضة “معتدلة”، فماذا تمثل تلك المعارضة ومن يقاتلون على الأرض ويستولون على أجزاء كبيرة من سوريا هم “داعش” و”النصرة” وأمثالهما من التنظيمات “الجهادية” التي تقع في خانة الإرهاب؟ لا شك أن دخول روسيا بقوة على خط الأزمة السورية سيحول بين وجود تلك التنظيمات الإرهابية في أي مفاوضات حول مستقبل سوريا ولن تتمكن أميركا والغرب من فرض ذلك، كما فعلوا ويفعلون في ليبيا مثلا. لكن يصعب تصور أي مفاوضات حول مستقبل سوريا موحدة بدون طرف هام في الصراع هو “داعش” وأخواتها، فمن إذًا سيمثل “داعش” وأخواتها في أي لقاءات أو مفاوضات تسوية في سوريا؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، فالكل يفترض أنه “يحارب داعش” و”يكافح الإرهاب” ومن ثم يصعب تصور أن يكون أي من “الأطراف المعنية” ممثلا لداعش. لكن ربما ما أثير مؤخرا من زيادة الجدل حول “داعش” ومن وراءها؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يتقاطع معها؟ يلقي بعض الضوء على ماهية هذا التنظيم الذي فاق القاعدة وغيره من تنظيمات إرهابية قدرة ونفوذا في فترة وجيزة.
قبل أيام انتشر على الإنترنت شريط إعلاني من “داعش” فيه ملثم يوجه بيانا باللغة العبرية يتوعد “اليهود” بأن دولة الخلافة ستفرغ لهم عما قريب. وتلك هي المرة الأولى التي يذكر فيها “داعش” أي شيء له علاقة بإسرائيل، وجاء الشريط المصور بعد تصاعد الحديث عن علاقة إسرائيل بـ”داعش” وأن الموساد ضالع في بروز التنظيم. وبدا الشريط (في حال كان من “داعش” فعلا) وكأنه رد على تلك الاتهامات حول علاقة “داعش” بإسرائيل أكثر منه انتهازية لاستغلال انتفاضة الشباب الفلسطيني ضد الاحتلال والإرهابيين المسمين مستوطنين. المهم، أن من يديرون “داعش” أو من يتولون حملة علاقاتها العامة رأوا أن تلك مناسبة لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد بهذا البيان العبري. وواضح من الشواهد، فليس هناك معلومات دقيقة (وإلا لتمكن تحالف الستين دولة من ضرب داعش) حول التنظيم، أن الموساد ليست وحدها المستفيد من “داعش”.
يبقى أنه بغض النظر عن كل تلك الاستنتاجات، وتفسيرات نظريات المؤامرة، وأيا من كان الذي ساهم في بروز “داعش” (من حرب بلير/بوش إلى الموساد) فإن “داعش” وأخواتها هم نتاج علة فينا، فمن ينتحرون لذبح المسلمين وحرقهم هم متطرفون من بيننا يستمعون إلى متشددين يغسلون الأدمغة بجهل وظلامية. ولا أظن أنه يكفي لوم الموساد أو “سي آي إيه” كي يرتاح بالنا ونلقي بعبء الإرهاب عن كاهلنا، فالكل شريك: من خطط وتآمر، ومن جند ومن ممول ومن وعظ جهلا، ومن سكت عن تشدد وتطرف مراءاة وخشية أن ينظر إليه على أنه ليس غيور على دينه. ولعلنا ندرك أن أول الغيرة على الدين هي التخلص من كل من يشوهونه، من إرهابيين ومتشددين يفتون لهم وانتهازيون يتاجرون بكل ذلك سياسيا.

د. أحمد مصطفى
كاتب عربي ـ لندن

إلى الأعلى