الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أكبر من غارة وأبعد من علاج

أكبر من غارة وأبعد من علاج

د. فايز رشيد

”الجديد في السياسة الإسرائيلية هو الإعلان عن الدور الإسرائيلي المباشر كطرف رئيسي في الصراع الدائر في سوريا. ربما منذ ثلاثة أعوام أراد الكيان الصهيوني أن يمارس سياساته بالسر، لكن هذه المرة أراد إيصال دوره في القتال بالعلن. هذا لا يمكن فصله أيضاً عمّا تتداوله دوائر المراقبين من فتح جبهات قتال جديدة في الجنوب للتأثير على كافة المعارك الدائرة في المناطق الأخرى،”
ــــــــــــــــــــــــــ
الغارة التي شنها الطيران الإسرائيلي على موقع لحزب الله على الحدود اللبنانية السورية تمثل خرقاً لوقف إطلاق النار غير المعلن بين الحزب وإسرائيل، الغارة تستهدف العديد من الاشارات التي يحرص الكيان الصهيوني على إرسالها للحزب، ولأنها مثلما قال نتنياهو: عندما سئل عنها في المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشارة أنجيلا ميركيل “بأنها تدخل في مجال الأمن الإسرائيلي، وإسرائيل لا تُعلن عما يمّس هذا الأمن”، فإن الكيان الصهيوني حاول التعتيم عليها، مما خلق بعض التساؤلات حول حقيقتها، إلى أن اعترف حزب الله بحدوثها بعد يوم ونصف اليوم من شنها في 24 فبراير الماضي. من جهة ثانية فإن أجهزة الإعلام الإسرائيلية نقلت صوراً وبثت تحقيقات عن علاج جرحى الجماعات الأصولية والتكفيرية المقاتلة في سوريا، في إسرائيل، وزيارة العديدين من المسؤولين الإسرائيليين لهم وسط أنباء تحدثت عن أن ما بين 1000-1700 جريح من تلك الجماعات سبق لهم وأن عولجوا في الكيان الصهيوني. وعن هذه المسألة ليس أصدق من ـ إيهود يغاري ـ معلق شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي في مقال له نُشر على موقع”معهد واشنطن للدراسات” وأورد تفاصيله أحد الكتاب في مقالة له في صحيفة السفير اللبنانية، قال يغاري:” على المرء أن يفترض أن التفاهمات التي سمحت بإجلاء نحو ستمائة جريح من التنظيمات المقاتلة في سوريا، لتلقى العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، تؤكد صوراً أخرى من التعاون. إن عملية من هذا النوع ترجح وجود منظومة من التواصل والعلاقات التي تم إنشاؤها مع المسلحين الثوار”. من هنا فإنه يبدو طبيعيًّا أن ترسل أجهزة الإعلام الصهيونية بعض المندوبين لها لتغطية بعض عمليات المسلحين. إسرائيل وبدلاً من التكتم على هذه الأخبار منعاً لإحراج التكفيريين الأصوليين، حاولت الإطاحة بكل جوانب العلاقة بينها وبين الآخرين. نعم ولأنه لا شيء يأتي بالمصادفة فإن في الحدثيْن: الغارة والعلاج رسائل يحاول الكيان إرسالها إلى المعنيين!.
قبل استعراض مضامين هذه الرسائل لا بد من التوقف عند بعض القضايا والتي أبرزها: ان هذه الجماعات جعلت من بين أهدافها ونشاطاتها: استهداف قوى الممانعة في المنطقة، العمل على تفتيت بعض الأقطار العربية. وعلى هذا الأساس فإن ما يجري من محاولة لتفتيت سوريا يحاولون تكراره في مصر ولبنان، بعد النجاح النسبي الذي أصابته هذه الجماعات في العراق، وليبيا واليمن، وتحاول أيضاً في السودان وفي الجزائر وفي أكثر من دولة عربية أخرى، أو تلك التي انضمت إلى الجامعة العربية كالصومال مثلاً. إن “أنصار بيت المقدس” جعلت من أهدافها تخريب مصر، وكما أعلنت فإنها مع الاغتيالات والتفجيرات الانتحارية والهجمات بالأسلحة النارية وأنها تستهدف رجال الشرطة والجيش والمؤسسات الحكومية وغيرها من الأهداف. كما كشفت عن استراتيجية جديدة تستهدف الأجانب من أجل توجيه ضربة موجعة للسياحة، التي تعد شريان حياة للاقتصاد المصري المتعثر. تبنت هذه الجماعة مقتل اثنين من رعايا كوريا الجنوبية ومصري قرب مدينة طابا (الأحد 23 فبراير الماضي). هذه الجماعات تلتقي مع ما تخطط له الصهيونية وإسرائيل والولايات المتحدة للمنطقة، ويمكن لمن يريد الاضطلاع على تفاصيل المخطط الذي يستهدف رسم خريطة جديدة للأقطار العربية تقوم على تفتيتها إلى دويلات، الإطلاع على الشبكة العنكبوتية على مخطط برنارد ليفي لتفتيت الأقطار العربية. الغريب أن” أنصار بيت المقدس”لم تظهر إلا بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، وإزاحة ممثلهم في قصر الاتحادية عن منصب الرئيس.
من أهداف هذه الجماعات أيضاً: إشعال الحروب المذهبية والطائفية والدينية والإثنية في المنطقة العربية، ليتحول التناقض التناحري الرئيسي من: مقاومة إسرائيل إلى صراع بين المذاهب والطوائف والأديان والأصول العرقية. لهذا السبب فإن التفجيرات لا تقتصر على مذهب أو طائفة معينة، بل تستهدفها كافة. في لبنان جرى تفجيرات في المناطق الشيعية على أيدي جبهة النصرة وغيرها، وأحياناً تجري التفجيرات في المناطق السنية، وفي مصر كما في العراق على سبيل المثال لا الحصر، كما في سوريا. تُستهدف الكنائس في محاولة واضحة لحث المسيحيين على الهجرة من الوطن العربي. هؤلاء الذين عاشوا لقرون زمنية طويلة في سلام ووئام مع إخوانهم المسلمين. نعم يريدون إشعال النار أيضاً بين السنة والشيعة. في ليبيا والجزائر وبعض أقطار المغرب العربي تُثار الفتن بين العرب والأمازيغ. في العراق بين العرب والأكراد، وعلى ذلك قِسْ. السؤال المحيّر تماماً والذي يتحول إلى جواب بسيط من خلال أفعال هذه الجماعات وممارساتها هو: لماذا لا توجه هذه الجماعات نشاطاتها إلى الكيان الصهيوني الذي يستبيح صباح مساء المسجد الأقصى، وقبة الصخرة والحرم الإبراهيمي في الخليل، ويحول الجوامع إلى بارات واسطبلات للخيول! ألا يستفز ذلك فيهم الشهامة الإسلامية؟ ولا القتال ضد أعداء الله والدين؟ ليس ذلك فحسب وإنما تقوم هذه الجماعات بإرسال جرحاها لتلقي العلاج في الكيان الصهيوني. غريب أمر هذه الأحداث في الزمن الحالي؟! إنه زمن الأعاجيب على مسرح تتسع مساحته في كل يوم وفي كل ساعة، وهو مسرح اللامعقول؟!.
بالنسبة للرسائل التي تحاول إسرائيل إيصالها من خلال حدثي الغارة على موقع لحزب الله على الحدود السورية ـ اللبنانية، ومن كشف علاج جرحى الجماعات التكفيرية الأصولية في مستشفياتها، فهي تهدف إلى:
أولاً: أن الجديد في السياسة الإسرائيلية هو الإعلان عن الدور الإسرائيلي المباشر كطرف رئيسي في الصراع الدائر في سوريا. ربما منذ ثلاثة أعوام أراد الكيان الصهيوني أن يمارس سياساته بالسر، لكن هذه المرة أراد إيصال دوره في القتال بالعلن. هذا لا يمكن فصله أيضاً عمّا تتداوله دوائر المراقبين من فتح جبهات قتال جديدة في الجنوب للتأثير على كافة المعارك الدائرة في المناطق الأخرى، بعد النجاحات المشهودة التي استطاعت القوات النظامية السورية تحقيقها مؤخراً. أيضاً لا يمكن فصل الحدثين عن الدور القتالي الذي يقوم به حزب الله إلى جانب حليفه الاستراتيجي وهو النظام السوري.
ثانياً: محاولة إظهار الوجه الحضاري الإنساني للكيان الصهيوني، الذي يعالج الجرحى من “الثوار” وبخاصة بعد المحاولات الإسرائيلية لتهويد الأقصى والاعتداء عليه، وفي الذكرى العشرين للمجزرة الصهيونية في الحرم الإبراهيمي في الخليل، وللتغطية على المجازر الصهيونية ضد شعبنا الفلسطيني، وللتغطية على الاستيطان والاعتقالات والاغتيالات، وغيرها من الموبقات. ليس صدفة أن يأتي الحدثان في الوقت الذي تطلق فيه نشاطات “أسبوع مقاومة الأبارتهايد الإسرائيلي” والذي ينظمه طلبة جامعيون وناشطون في 200 مدينة حول العالم، منها مدن في الولايات المتحدة وبريطانيا. يأتي في الوقت الذي يتم رفع قضايا اتهامية بارتكاب العديد من القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين لمجازر وجرائم حرب ضد الإنسانية، في محاكم لدول كثيرة على صعيد العالم، وفي ظل المطالبة الإسرائيلية للفلسطينيين والعرب بالاعتراف”بيهودية دولة إسرائيل”.
ثالثاً: محاولة ثأر من حزب الله بعد الهزيمة التي ذاقتها إسرائيل في عام 2006، وفشل أهدافها آنذاك، وإجماع مؤسساتي وفردي في داخل الكيان الصهيوني على أن إسرائيل هزُمت في تلك الحرب. إسرائيل تحاول استغلال الوقت الذي يمر به الحزب، الموجهة غالبية قواه إلى الصراع الدائر في سوريا. اسرائيل تدرك صعوبة فتح الحزب لجبهة جديدة مع إسرائيل. الأخيرة حرصت منذ عدوان 2006 على توجيه ضربات فردية إلى الحزب: اغتيال عماد مغنية، الغارة الأخيرة. الإعلام التضليلي استغل ما قاله الحزب في بيانه من أنه سيرد في الوقت والمكان المناسبين ليطلق على الحزب لقب “أبطال الممانعة” في محاولة ربط واضحة بين ما وعد به الحزب من رد، وبين البلاغات السورية بعد توجيه ضربات عسكرية لأهداف في سوريا!.
رابعاً: إرسال رسالة إلى كافة دول العالم بأن إسرائيل أصبحت لاعباً أساسيًّا في منطقة الشرق الأوسط، وإثبات لما تدّعيه بأن الصراع الفلسطيني العربي ـ الصهيوني ليس الصراع الأساسي في المنطقة (وهذا ما ركز عليه نتنياهو في مؤلفه: مكان تحت الشمس) وأن الصراع مع اسرائيل ليس السبب في الحروب الدائرة في الشرق الاوسط، وأن الصراع العربي- العربي هو الأساس، بدليل الصراعات الدائرة في أكثر من دولة عربية، وهذا ما تتشدق به دوماً إسرائيل (المغلوبة على أمرها وسط منطقة عربية تريد رمي اليهود في البحر!؟) وأن إسرائيل محقة إن طلبت مراعاة أمنها في أية تسوية بينها وبين الفلسطينيين أو مع العرب. لقد ناقش الكنيست الإسرائيلي مؤخراً إسقاط المسؤولية الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس، والحبل على الجرّار.
يبقى القول: إن حدثاين بديا طبيعيْين قامت بهما إسرائيل في استهداف موقع لحزب الله على الحدود السورية اللبنانية، وعلاج مرضى، لكن الكيان الصهيوني أراد من خلالهما إرسال رسالة إلى أطراف عديدة في المنطقة وفي العالم.

إلى الأعلى