الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إشكالية السَّفَر الكوني!

إشكالية السَّفَر الكوني!

جواد البشيتي

يعتقد عالم الفيزياء البريطاني الشهير، والمُقْعَد، ستيفن هوكينج Stephen Hawking أنَّ الجنس البشري مهدَّد بالزوال إذا لم يسارع إلى تطوير تكنولوجيا ووسائل نقل فضائية، تمكِّنه من استيطان كواكب “ملائمة” في مجموعات شمسية أخرى، فليس في مجموعتنا الشمسية من الكواكب التي تلائم الاستيطان البشري.
والمشكلة الكبرى التي لم تُحل حتى الآن، والتي لا بدَّ من حلها تلافيًا لكارثة كونية، أو من صنع البشر، يمكن أن تؤدي إلى زوال الجنس البشري، تكمن في عجز البشر العلمي ـ العملي، أو التكنولوجي، عن إيجاد بديل من الوقود الكيميائي التقليدي الذي يستخدمونه الآن قوَّة دفع لصواريخهم الفضائية، فالوصول إلى أقرب كوكب ملائم للاستيطان البشري بمركبات فضائية تستخدم مثل هذا الوقود يستغرق نحو 50 ألف عام!
وفي سعيه إلى البحث، أو إلى التشجيع على البحث، عن حل ثوري لتلك المشكلة، تحدَّث هوكينج، مؤلِّف كتاب “تاريخ مختَصَر للزمن”، عن استخدام مركبات فضائية على غرار “ستارتريك” التي تَسْتَخْدِم قوَّة دفع تسمح لها بالسير في الفضاء بسرعة تفوق سرعة الضوء، فتَنْتَقِل “لحظيا” إلى الموضع الكوني الذي تريد.
لم يَقُلْ هوكينج بقوة دفع كهذه؛ لأنَّ القول بها ينطوي على انتهاك كبير لقانون فيزيائي من أهم قوانين نظرية “النسبية” لآينشتاين هو قانون استحالة أن يتخطى أي جسم، أو جسيم، أكان له كتلة أم لم يكن، في سرعته، سرعة الضوء، التي هي السرعة العظمى في الكون.
هوكينج انتقل من روايات الخيال العلمي إلى بعض النظريات والحقائق الفيزيائية، في سعيه إلى إيجاد حل لمشكلة القوَّة الدافعة للصواريخ الفضائية، فأوضح أنَّ تطوير تكنولوجيا تسمح لنا بالإفادة من “الطاقة الخالصة” ـ المتأتية من تفاعل جسيمات المادة مع جسيمات المادة المضادة، كعملية تصادم الإلكترون وجسيمه المضاد البوزيترونـ في الحصول على قوَّة دفع لصواريخنا الفضائية تمكِّننا من السفر في الفضاء بسرعة تقل قليلا عن سرعة الضوء التي تبلغ 300 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة.
الحل الذي يتوقَّعه هوكينج يقوم أوَّلًا على تكنولوجيا تسمح للبشر بالحصول على “الطاقة الخالصة” ممَّا يسمى عملية “الفناء المتبادل للمادة والمادة المضادة”، فهذا المَصْدَر من الطاقة هو، بحسب ما يأمل ويتوقع هوكينج، الذي يمكنه تزويدنا قوَّة الدفع الصاروخية تلك؛ لكن، ثمة مشكلة أخرى لا بدَّ من حلها، إذا ما حللنا مشكلة “قوَّة الدفع”، هي أنَّ الوصول إلى كواكب ملائمة للاستيطان البشري يستغرق، ولو سافرنا في الفضاء بسرعة تقل قليلا عن سرعة الضوء، زمنًا طويلًا جدًّا.. مئات، أو آلاف، أو ملايين، أو بلايين، السنين، فكيف الحل؟!
الحل جاء به آينشتاين إذ اكْتَشَفَ، وإذ أُقيم الدليل الفيزيائي ـ العملي على صحَّة اكتشافه، أنَّ الزمني تباطأ في مركبة فضائية تسير بسرعة قريبة منسرعة الضوء.
نحن أبناء القرن الحادي والعشرين نَنْظُر إلى عالَمِنا (أو الكرة الأرضية) على أنَّها “قرية كبيرة”، نجوبها، ونتواصَل فيها بحاسَتَيِّ السمع والبصر، ونتبادل ما نُنْتِج، في زمن ضئيلٍ متضائلٍ، مُحْرِزين مزيدًا من السيطرة على المكان والزمان من طريق تَضْييقنا فَوَاصِل المكان والزمان؛ لكنَّ فَوَاصِل المكان والزمان على المستوى الكوني ما زالت تتحدَّانا أنْ نُضَيِّقها ولو قليلًا؛ فأبعد مكان وَصَلْنا إليه برجالنا هو القمر الذي يبعد عن الأرض نحو 400 ألف كم، أيْ أكثر قليلًا من ثانية ضوئية (الشمس تَبْعُد عن الأرض نحو 150 مليون كم، أيْ نحو 8 دقائق ضوئية).
للسفر (وللوصول) إلىأماكن (نجوم أو كواكب) بعيدة جدًّا في الكون، نحتاج إلى “وسيلة مواصلات كونية” هائلة السرعة؛ ولِجَعْل الكون كله “قرية كبيرة”، نحتاج إلى “وسيلة مواصلات كونية” تسير بسرعة تُقارِب (لا تَعْدِل، ولا تتجاوَز) سرعة الضوء، والتي هي 300 ألف كم/ث؛ فليس من شيءٍ في الكون يمكنه السَّير بسرعة الضوء.
لِنَفْتَرِضْ أنَّنا امتلكنا هذه “الوسيلة”، وأنَّ وِجْهَة سفرنا هي كوكب يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية؛ فكيف لنا أنْ نَصِل إليه والإنسان لا يمكنه أنْ يبقى على قَيْد الحياة أكثر من 120 سنة (مثلًا)؟
لو كانت السرعة القصوى لهذه “الوسيلة” هي 290 ألف كم/ث، لاسْتَغْرَق وصولنا إلى هذا الكوكب نحو 120 مليون سنة؛ وليس في مقدور أي إنسان أنْ يبقى على قَيْد الحياة 120 مليون سنة.
والاستنتاج “المنطقي” مِنْ ثَمَّ هو “استحالة السفر (والوصول) إلى ذاك الكوكب، ولو سِرْنا بهذه السرعة (290 ألف كم/ث) التي تُقارِب سرعة الضوء.
هذا الاستنتاج “المنطقي” خاطئ من وجهة نظر “النسبية العامة” لآينشتاين؛ فبحسب هذه النظرية، يتباطأ الزمن لدى المسافِر (بهذه السرعة) مع كلِّ زيادة في سرعته؛ والاستنتاج، مِنْ ثمَّ، هو الآتي: يمكننا، إذا ما زِدْنا سرعتنا، في استمرار، وصولًاإلى السرعة 290 ألف كم/ث، أنْ نَصِل إلى ذاك الكوكب (الذي يبعد عن الأرض 100 مليون سنة ضوئية) بَعْد 6 دقائق (مثلًا) من مغادرتنا كوكب الأرض. المسافرون إلى ذاك الكوكب تأكَّدوا إذْ نظروا في ساعاتهم أنَّ رحلتهم استغرقت 6 دقائق فحسب؛ وفي أثناء هذه الرحلة نَبَضَ قَلْب كل مسافِر نحو 420 نبضة، وزاد عُمْرُه 6 دقائق فحسب؛ ومع ذلك، لم تَسَرْ “الوسيلة” بسرعة تَفُوق سرعة الضوء. ولو سَأَلْتَ المسافرين عن المسافة التي قَطَعوها لأجابوكَ قائلين: إنَّها نحو 104ملايين كم؛ فالمسافة التي كانت 100 مليون سنة ضوئية اخْتُصِرَت إلى 104 ملايين كم، أيْ 5.8 دقيقة ضوئية.
امتلاك هذه “الوسيلة” قد يُغْري بعض الناس على صناعة “سفينة نوح الكونية”؛ وهذه السفينة قد تَتَّسِع لمئات الآلاف، أو للملايين، من البشر، وتكون نسخة اصطناعية من كوكب الأرض، أيْ من البيئة الأرضية، وتَصْلُح، مِنْ ثمَّ، للعيش الأبدي فيها. عندئذٍ، قد يصبح في مقدور الإنسان (الفَرْد) في هذه السفينة أنْ يَجوب الكون كله (من أقصاه إلى أقصاه) مرَّات عِدَّة في حياته (أيْ في 100 سنة مثلًا). وهكذا، يصبح الإنسان سيِّد المكان والزمان على المستوى الكوني!
الأمر ليس ممكنًا؛ فهو فَوْق قُدُراتنا، ولا تجيزه بعض قوانين الفيزياء؛ ومع ذلك، دَعونا نتخيَّل هذا الأمر الصحيح نظريًّا وعِلْميًّا ممكنًا عمليًّا.
تخيَّلوا أنَّنا الآن نعيش على سطح الأرض قبل عشرات الآلاف من السنين، وأنَّ كائنات فضائية زارتنا، وزوَّدتنا مركبة فضائية، وَضَعْنا فيها رَجُلًا، معه “ساعة”، وَجَعَلْنا هذه المركبة في مدارٍ (قريب) حَوْل كوكب الأرض، فدارت فيه أَسْرَع، فأَسْرَع، حتى قارَبَت سرعة دورانها سرعة الضوء، وظلَّت تدور فيه 5 دقائق فحسب، بحسب ساعة الرَّجُل الموجود في هذه المركبة؛ فكيف يرانا، وكيف نراه؟
هذا الرَّجُل يَنْظُر إلى نفسه، وإلى كل ما تشتمل عليه مركبته من أشياء، وما يَقَع فيها من أحداث، فلا يرى إلاَّ ما اعتاد أنْ يراه؛ وكأنْ لا جديد تحت الشمس، أيْ فيه، وفي مركبته. الزمن، أَراقَبَهُ في “ساعته” أم في أيِّ “ساعة طبيعية”، في داخل مركبته، كـ”قلبه النابِض”، يسير ويجري كالمعتاد، على ما يرى هو؛ لكنَّ غيره، وَلْنَقُلْ “المراقِب الأرضي”، يرى الزمن لديه يسير في بطء شديد؛ فالثانية الواحدة عنده تَعْدِل (افتراضًا) سنوات عند هذا “المراقِب الأرضي”.
هذا الرَّجُل البدائي، وقَبْل أنْ ينهي رحلته المدارية، التي استغرقت 5 دقائق فحسب، كَبُر فيها، عُمْرًا، بما يَعْدِل 5 دقائق فحسب، عائدًاإلى سطح الأرض، رأى العجب العجاب؛ فهو رأى التاريخ، بكل أحداثه، يسير بسرعة لا مثيل لها.
لقد رأى، في 5 دقائق فحسب، البشر البدائيين وقد عَرَفوا “النار”، و”الزراعة”، و”الرعي”، و”الحرفة”، و”المقايضة”، و”التجارة”، و”النقود الذهبية”؛ ورأى “الحروب”، و”الدول القديمة”؛ ورأى أنبياء بني إسرائيل، نبيًّانبيًّا، وظهور المسيح؛ ورأى “العبودية”، والإمبراطورية الرومانية، وسائر الإمبراطوريات والممالك القديمة؛ ورأى “الفتوحات العربية (الإسلامية)” جميعًا، وعصور الإقطاع في أوروبا؛ ورأى رحلة كولومبوس، وإعلان استقلال الولايات المتحدة؛ ورأى الحربين العالميتين الأولى والثانية، والحرب الباردة، وهبوط الإنسان على سطح القمر؛ ورأى اختراع الكمبيوتر.. وضَم شبه جزيرة القِرَم إلى روسيا.
في 5 دقائق فحسب، انتقلَ من الحياة التي عرفها البشر قبل عشرات الآلاف من السنين إلى الحياة التي نعيشها نحن أبناء القرن الحادي والعشرين، وفي سنة 2015!

إلى الأعلى