الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / غراندي في اليرموك

غراندي في اليرموك

علي بدوان

”المفوض العام (فيليبو غراندي) وحسب بيان (الأونروا) “شَعَرَ بالصدمة لما آل إليه حال اللاجئين الفلسطينيين ممن تحدثَ إليهم ومدى الضرر الذي لحق بالمنازل… وأن غراندي تابع عملية استئناف توزيع المساعدات الإنسانية العاجلة للمواطنين الفلسطينيين الذين ما زالوا داخل مخيم اليرموك”. ”
ـــــــــــــــــــ
خطوة مهمة، ولو جاءت متأخرة جداً، هي الزيارة الميدانية المُباشرة قبل أيام قليلة لمخيم اليرموك جنوب العاصمة السورية دمشق التي قام بها (فيليبو غراندي) الاسم اللامع والحاضر الآن في أذهان اللاجئين الفلسطينيين، المفوض العام للوكالة الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا).
الزيارة هي الأولى للمفوض العام (فيليبو غراندي) لمخيم اليرموك في ظل الأزمة والمحنة العامة التي يتعرض لها فلسطينيو سوريا، لكن من سَبَقَهُ من مفوضي الوكالة كانوا قد زاروا عموم المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية خلال السنوات الطويلة من عمل الوكالة وسط اللاجئين الفلسطينيين وخصوصاً منهم المفوض السابق (كارين أبو زيد) والمفوض الأسبق (بيتر هانسن) والمفوض الذي قبله (أولتر تركمان).
لكن المهم في هذا المقام أن زيارة المفوض العام الحالي (فيليبو غراندي) أنها تأتي في ظروفٍ خاصة جداً من حياة فلسطينيي سوريا، وفي ظلِ مُعطياتٍ تختلف كليًّا عن زيارة أي مسؤول دولي سابق لمخيم فلسطيني كمخيم اليرموك في سوريا، ما يعني أن دور الوكالة في هذا الوقت بالذات يختلف عن الأدوار السابقة المهمة التي لعبتها وما زالت تلعبها على صعيد تقديم خدماتها المعتادة بجوانبها الثلاث الصحية والتعليمية والإغاثة الاجتماعية لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا.
الزيارة إياها للمفوض العام للوكالة تمت على وجه التحديد للمُربع المُدمر من المخيم، والمُمتد على مداخله ما بين حارة الفدائية وشارعي مفلح السالم وعلى الخربوش وشارع راما، حيث (هيروشيما) اليرموك تَطُلُ وتُفصح عن نفسها في مشهَدٍ سيريالي (فوق مُتوقع) لمآلات ما جرى من تطاحن على جسد اليرموك ومواطنيه من اللاجئين الفلسطينيين وأشقائهم السوريين من سكان اليرموك، وهم الذين (لا ناقة ولا جمل لهم) بكل ما جرى، فهم ضحايا منسيون لأزمةٍ ولعبةٍ كبرى أريد من خِلالِ بعض استهدافاتها تدمير المخيم والتجمع الفلسطيني في سوريا على وجه التحديد، وشطبِ دلالاته الرمزية والتاريخية ووأد حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
المفوض العام (فيليبو غراندي) وحسب بيان (الأونروا) “شَعَرَ بالصدمة لما آل إليه حال اللاجئين الفلسطينيين ممن تحدثَ إليهم ومدى الضرر الذي لحق بالمنازل… وأن غراندي تابع عملية استئناف توزيع المساعدات الإنسانية العاجلة للمواطنين الفلسطينيين الذين ما زالوا داخل مخيم اليرموك”.
وأضاف بيان الأونروا أن (فيليبو غراندي) قال حرفيًّا “أشعر بالإنزعاج الشديد لما رأيته اليوم. لقد عانى اللاجئون الفلسطينيون ممن تحدثتُ إليهم الكثير، والعديد منهم في حاجة واضحة لدعم فوري، لا سيما الغذاء والعلاج الطبي. ما شاهدته وأستمعت إليه اليوم يؤكد أهمية صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2139 في الوقت المناسب حول إيصال المساعدات الإنسانية والحاجة إلى التزام جميع الاطراف بتنفيذ هذا القرار”.
تصريحات (فيليبو غراندي) الواردة أعلاه، ذات طابع إنساني وعاطفي، مهمة وجيدة، وتلامس آلام الناس، وزيارته بالإجمال كانت لفتة طيبة حتى لو جاءت متأخرة، ولكن الأهم من كل ذلك أن مخيم اليرموك ومعه عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية التي تضررت بشكل كبير كمخيم درعا ومخيم الحسينية، بحاجة الآن لمساعادت فورية إلى جانب ما يتم تقديمه من قبل الوكالة من برامج الدعم الصحي والتعليمي وبرامج الإغاثة الاجتماعية.
إن الحاجة الماسة تَفتَرِضُ بالوكالة العمل من أجل حث المجتمع الدولي لتوفير السيولة المالية والاعتمادات الكافية لإعادة إعمار ما تم تدميره في المرحلة التالية خصوصاً وأن بوادر إيجابية تلوحُ وتُبشّر باقتراب خلاص مخيم اليرموك مع الخروج المتتالي لمجموعات المسلحين منه، وتفكك تلك الظاهرة وخروجه من الأزمة وعودة الناس إليه.
وعليه، إن أزمة مخيم اليرموك وغيره من التجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية تتطلب من وكالة (الأونروا) العمل الحثيث من أجل إطلاق نداء طوارئ عاجل للدول المانحة للتبرع لإعادة إعمار المناطق التي دُمرت في مخيم اليرموك خلال الأحداث الأخيرة، وخاصةً منها المُربع الأول لليرموك والمحصور بين شارعي الناصرة (شارع راما) وشارع اليرموك، حتى ساحة الريجه، والذي تقع بضمنه جادتيّ (حارتيّ) الشهيدين مفلح السالم وعلي الخربوش، والتي باتت منطقة مُدمرة كليًّا.
إن عودة أهل اليرموك لمنازلهم أصبحت قريباً جداً كما تُشير مُعظم المعطيات المتوفرة والتي بين أيدينا، لكن سكان هذا المربع (والمقصود المُربع المُدمر من اليرموك) في حالة صعبة نتيجة الدمار الهائل والكلي الواقع بمنازلهم ودورهم وأرزاقهم، وهو ما قد يؤجل عودتهم لليرموك إلى حين إعادة بناء منازلهم من جديد وهو أمرٌ قد يطول حال لم يتم تدارك الموقف والإسراع بتقديم الدعم المادي اللازم لإعادة إعمار تلك المنطقة المُدمرة كليًّا من مخيم اليرموك.
إن وكالة الأونروا، وباعتبارها الجهة الدولية المسؤولة والوصية على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في الداخل والشتات مدعوة الآن لإطلاق النداء العاجل، نداء الطوارئ للدول المانحة من أجل رفد ميزانية الوكالة لإعادة إعمار المنطقة المُشار إليها في مخيم اليرموك، حيث تقدر مختلف المصادر بأن إعادة إعمار المنطقة المدمرة من مخيم اليرموك ومعه مخيمات درعا والحسينية والسبينه تتطلب نحو (400) مليون دولار أميركي يمكن للدول المانحة أن تقدمها لوكالة الأونروا بسهولة ويسر حال توفر الجهد العربي والفلسطيني إلى جانب نداء الطوارئ المطلوب إطلاقه من قبل الوكالة للدول المانحة.
لذلك، على الدول العربية، وعلى الجهات الرسمية الفلسطينية ضرورة التحرك من أجل دفع وكالة الأونروا لإطلاق النداء الجديد وحث الدول المانحة والمجتمع الدولي للتبرع من أجل إسدال الستار على مأساة مخيم اليرموك.
أخيراً، يشار في هذا الصدد، أن (تريغفي هالفدان لي) وهو نرويجي الجنسية وأول من شَغِلَ منصب أمين عام الأمم المتحدة وذلك للفترة من (1946 ـ 1952) كان أول مسؤول دولي عالي المستوى قد زار المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا حتى قبل قيام مخيم اليرموك، فقد زار التجمع الفلسطيني الكبير سنتذاك في حي الأمين (الأليانس) عام 1951، وفي حينها ألقيت كلمات أمامه من قبل اللاجئين الفلسطينيين اكدت تمسك الشعب الفلسطيني واللاجئين منه بحقهم في العودة إلى ديارهم في فلسطين.

إلى الأعلى