الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مخيم اليرموك يأبى الاحتضار

مخيم اليرموك يأبى الاحتضار

علي بدوان

لم يَشهد مُخيم أو تجمع فلسطيني في الداخل والشتات من الكوارث التي سَقَطت عليه كما شَهِد ويَشهد مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، تلك الحالة الصعبة التي مازال يَعِيشُ في محنتها فلسطينيو سوريا داخل مخيم اليرموك والمُهجّرين خارجه وعلى حدوده المُحيطة به في الأحياء القريبة منه، كما في عددٍ من المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأرض السورية، في مخيم درعا، ومخيم حندرات شمال مدينة حلب، ومخيم السبينة في ريف دمشق … ففلسطينيو مخيم اليرموك وسوريا عمومًا يتألمون بصمت، ويغصون على جراحهم بصمت.
مخيم اليرموك، عاصمة الشتات واللجوء الفلسطيني، أوّل الرصاص، أوّل المشوار في الحركة الوطنية الفلسطينية المُعاصرة يحتضر ببطء شديد، يحاول أن ينهض بمن تبقى داخله وعلى محيطه من أهله ومواطنيه، رافضًا أن يموت، ورافضًا أن يموت معه ذلك التاريخ الحي النابض والطازج لمسيرة الآلام والكفاح الفلسطينية المعاصرة.
لقد أراد من تآمر على مخيم اليرموك وفلسطينيي سوريا، تهجير وقتل الفلسطيني السوري، وقتل روحه، وقتل حقيقته قتلًا مُبرحًا غير رحيم، مُتناسين أيضًا أنه كان ومازال جزءًا من هذه الأرض الشامية على امتدادها الجغرافي وعمقها التاريخي. ففلسطين وقدسها وعراقتها التاريخية كانت ومازالت عبر التاريخ روح بلاد الشام، ودمشق نبضها الحي.
كان مخيم اليرموك ومازال الخزان البشري للثورة والحركة الوطنية الفلسطينية المُعاصرة، التي فجّرت رصاصاتها الأولى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وباقي القوى الفلسطينية التي انطلقت تباعًا. خزان المقاتلين الذين ملأوا معسكرات ومواقع الثورة الفلسطينية في جبهات العمل الفدائي العسكري التي امتدت في حينها من الأغوار الأردنية إلى الجولان إلى جنوب لبنان وحتى إلى عمق الداخل الفلسطيني المُحتل عام 1948.
مخيم اليرموك، عَشِقَهُ الجميع، ولايستطيع أي فلسطيني، وأي سوري، وأي عربي، عاش داخله أو بين جنباته أو مَرَ عليه مرورًا، أن ينساه أو أن ينسى أهله وسكانه الطيبين من فلسطينيين وسوريين. ففلسطين مُجسّدة ومرسومة وموشومة على جدران المخيم وحواريه وأزقته، وداخل أفئدة كل أهله من أبناء حيفا ويافا وعكا وصفد وطبريا والناصرة وعموم والجليل…الذين غَدرت بهم النكبات الأخيرة، وعثرات الزمن، وجَعَلت منهم طعامًا سائغًا على مائدة من يريد إنهاء المخيم الفلسطيني ورمزيته، ومن يريد تدمير حق العودة، والإطاحة بحلم فلسطين الراسخ في صفوف الأجيال المُتعاقبة من فلسطينيي الشتات وفي المقدمة منهم فلسطينيو سوريا، الذين شكّلوا على الدوام البنية التحتية التي رفدت مسار الثورة والحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بالفدائيين المقاتلين وبالورود والياسمين ورائحة فلسطين.
المُشكلة الكبرى الآن تتمثل في دفع البعض لتهجير فلسطينيي سوريا، بنكبتهم المأساوية الثانية التي فاقت بتفعيلاتها على الأرض النكبة الكبرى الأولى عام 1948، حيث هجرة الأعداد المُتزايدة منهم باتجاه الخارج، وتحديدًا نحو دول الغرب الأوروبي، التي وجدوا فيها ـويا للمفارقة ـ المأوى الدافئ والملاذ الآمن بعد أن ضاقت بهم أرض العروبة على اتساعها. حيث تُشير المُعطيات المتوفرة حتى منتصف أيلول/سبتمبر 2015، أن نحو مئتي ألف لاجئ من فلسطينيي سوريا قد أصبحوا خارج سوريا، وغالبيتهم وصل إلى السويد وألمانيا وهولندا وعموم الغرب الأوروبي، والأعداد مُرشحة للازدياد.
وبالطبع، لايلام اللاجئ الفلسطيني في سوريا في هجرته القسرية الجديدة، فهي هجرة ليست طوعية أو اختيارية، أو هجرة اغترابية، بمقدار ماهي هجرة المَظلومِ، وهجرة الحفاظ على الذات من أجل وطن اسمه فلسطين، أرادوا قتله ووأد حلم العودة إليه، وانتزاعه من بين أفئدة عموم لاجئي فلسطين في سوريا.
لم ولن يفهم الكثيرون، معنى أن يمشي اللاجئ الفلسطيني في سوريا وأسرته وأطفالهفي نكبته الثانية مئات الكيلومترات على سكة حديد في أصقاع القارة الأوروبية كي لا تضيّع الطريق، في بلادٍيجهل كل ما فيها! وسيقول لههؤلاء العابثون والموتورون من المتحاملين على فلسطينيي سوريا، إن رجلًا يابانيًّا مشى أربعين ألف كيلومتر في رحلة حول العالم على قدميه، وإن عجوزا يابانية هي الأخرى تسلقت قمة إفرست، فلماذا لم تتعلموا قوة الإرادة من اليابانيين مثلا…
إن استهداف لاجئي فلسطين في سوريا، بات واضحًا وصارخًا من قبل العديدمن الأطراف الداخلية وغير الداخلية المتورطة في مُستنقع وأوحال الأزمة السورية، التي عَمِلت على خلط الأمور والأوراق في ديماغوجيا مقصودة وملعوبة، كما وجَدَت الفرصة لحياكة ونسج تلك اللعبة اللئيمة لتهجيرهم وإبعادهم عن حدود وطنهم فلسطين إلى أصقاع المعمورة الأربعة.
وفي حملة التحريض على فلسطينيي سوريا، عاد الموتورون ومن خلال صفحات التواصل الاجتماعي وغيرها، ليطرحوا على الفلسطينيين سؤال النكبة الأولى، لماذا تركتم فلسطين، بل ويَكتُب بعضهم لماذا بعتم فلسطين..؟
سؤال التحريض الصارخ في معمعان الأزمة لتطفيش فلسطينيي سوريا، حيث تناسى أصحابه أن حوالي خمسمئة قرية في فلسطين المحتلة عام 1948 مُسحت عن وجه الأرض وصودرت، ولكثير منها مجازرها ومقابرها الجماعية، وبئرها التي رُدِمت على الأحياء!
نعم في معمعان الأزمة الداخلية في سوريا، هناك أطراف موتورة تقود حملاتها لتطفيش الفلسطينيين، حيث ما زال هناك من يقول إن الفلسطينيين باعوا وطنهم، حتى وهو يرى، حتى هذه اللحظة، طرد الفلاحين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967 وماتبقى منهم فوق الأرض المحتلة عام 1948 من أراضيهم وإحراق محاصيلهم وحرق بيوتهم وهدمها ومصادرات أراضيهم وتجريفها بالجرافات العملاقة المدعومة بأحدث جيوش العالم، واقتحام مقدساتهم بالبث المباشر وإحراقها وتخريبها أمام سمع وأبصار العالم والعرب الذين قد يُحرجون ويضطرون لمعاتبة إسرائيل!
مخيم اليرموك يأبى الاحتضار، وفلسطينيو سوريا هم الجزء الغالي في الجسد السوري، بل هم الكبد السوري الذي لايعيش الجسم ولايستطيع أن يحيا دونه. فكلام التطفيش وسلوك الموتورين سيذهب في نهاية المطاف هباءً منثورًا.

إلى الأعلى