الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نذر الحرب الباردة

نذر الحرب الباردة

أ.د. محمد الدعمي

”يجهل الكثيرون أهمية أوكرانيا بالنسبة للاتحاد الروسي الآن، وبالنسبة للاتحاد السوفييتي سابقاً: فأوكرانيا تشكل العمق الاستراتيجي لموسكو اقتصاديًّا وعسكريًّا وحتى سياسيًّا وثقافيًّا وسكانيًّا (لاحظ أن 60% من الأوكرانيين هم من التابعية الروسية)، الأمر الذي يعني بأن الروس لن يتسامحوا مع وقوعها تحت المظلة الغربية،”
ـــــــــــــــــــــــــ
لا مفر من أن يشعر المرء بأن العالم يحبس أنفاسه الآن وهو يراقب تداعيات الأوضاع عبر أقاليم ساخنة، خشية الوقوع في غياهب حرب باردة جديدة، خاصة وأنه يلاحظ أن تبادل الأحضان والمصافحات والابتسامات بين قادة الدبلوماسيتين الأميركية والروسية لا تكمن على شيء من المصداقية، وكأنهما يحتضنان بعضهما بيد ويخفيان خنجريهما في اليد الأخرى. والدليل هو أن من يتابع هذه المشاهد “الحميمة” ويقارنها بما يجري في سوريا وأوكرانيا من حرائق ودمار يصدم ببون مهول بين الصورة والحقيقة، اي الأداء أمام الكاميرات، وبين الأداء على الأرض أما بالإنابة أو عبر تيار الإعلام والإعلام المضاد.
للمرء أن يلاحظ هذا الأمر، مستذكراً رعب الحرب الباردة الذي حدا بأعداد لابأس بها من الأميركان والكنديين والأوربيين للهجرة إلى أستراليا ابتعاداً عن مصدر الرعب والاحتكاك، متوهمين أن حرباً كونية بين العملاقين الأميركي والروسي يمكن أن تستثني أقاليم جنوب المحيط الهادي النائية!
لا يفلت من يتابع الأنباء من ملاحظة مؤشر التوتر المتصاعد، ليس فقط في المقابلات بين مسؤولي الدولتين الكبريين (أوباما، بوتن)، بل كذلك في الشكوك المتبادلة وفي الشد والجذب على “مسارح العمليات” الساخنة في الشرق الأوسط، والآن في أوكرانيا.
في الحال الثانية، يجهل الكثيرون أهمية أوكرانيا بالنسبة للاتحاد الروسي الآن، وبالنسبة للاتحاد السوفييتي سابقاً: فأوكرانيا تشكل العمق الاستراتيجي لموسكو اقتصاديًّا وعسكريًّا وحتى سياسيًّا وثقافيًّا وسكانيًّا (لاحظ أن 60% من الأوكرانيين هم من التابعية الروسية)، الأمر الذي يعني بأن الروس لن يتسامحوا مع وقوعها تحت المظلة الغربية، ناهيك عن أنهم لا يمكن أن يسلموا هذا البلد المطل مباشرة على البحر الأسود للهيمنة الغربية (لاحظ أن موانئ شبه جزيرة القرم تشكل الممر الروسي الوحيد إلى البحر المتوسط).
أما مسألة خرق عسكري روسي مباشر عبر الحدود الأوكرانية، فيمكن للمرء أن يتوقع حدوثه، خاصة عندما تتصاعد التحديات والتنافسات على المحك الحقيقي، وخاصة بعدما غزت الولايات المتحدة العراق دون استئذان الروس أو سواهم.
الرئيس بوتن يدرك جيداً الآن أن أية إشارة على تهاون روسيا في قضية نفوذها بأوكرانيا يعني نهايتها كقوة عسكرية كبرى من الناحية العملية. الغرب سيفعل كل ما بوسعه للاندفاع وانتزاع العمق الأوكراني من الكرملين، خاصة وأن المخاوف تنبعث من داخل أوكرانيا اليوم حيث رفعت “الرايات الحمراء” في أقاليم أوكرانية يسودها استخدام اللغة الروسية، وكأنك تشهد دبيب الحياة بعروق الشيوعية التي يتوقع الكثير من المراقبين أنها قد قضت نحبها منذ بداية التسعينيات. أقول هذا وأنا أتابع فضائية RT الروسية حيث لا مفر لمن يتابعها من تحسس ذبذبات الدعاية الشيوعية إبان الحرب الباردة وهي تطل برأسها من هناك على نحو متواصل، ليس فقط في حقل نقد اقتصادات رأس المال، وإنما كذلك في حقول التشبث باختلالات المجتمعات الرأسمالية.
أما على الأرض، فثمة مؤشرات نذر غزو اعتباري غربي يحاول جاهداً استثمار دخول روسيا أوكرانيا لتشويه صورتها كدولة تحاول بناء امبراطورية من جديد.

إلى الأعلى