السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / مدرسة دائمة للبطولة والثورة: الجزائر في عيدها

مدرسة دائمة للبطولة والثورة: الجزائر في عيدها

زهير ماجد

انطلقت طفولتنا مع أحداث كبرى منها ما فهمناه ومنها ما انطبع في الذاكرة إلى أن جاء فهمه .. في طليعة ما فهمناه كان ثورة الجزائر التي حركت الشارع العربي، ولبنان تحديدا .. وأذكر أن فيلم “جميلة بو حيرد” الذي شاهدناه في الستينيات من القرن الماضي حول شوارع بيروت إلى تظاهرات لم تتوقف استدعت مئات من قوى الأمن لضبط الوضع .. كما أذكر فيلما آخر عن الجزائر يحكي قصة بطل حي القصبة في العاصمة الجزائرية علي لابوانت الذي أرعب الجيش الفرنسي إلى أن تم قتله بطريقة وحشية.
إذا ما ذكرت ثورات القرن العشرين كانت الجزائر أبرزها، إلى جانب الصين، وفيتنام .. ومن ثم الثورة الفلسطينية التي استفادت كثيرا من الثورة الجزائرية، بل إن أول احتكاك لبعض قياديي تلك الثورة بالعمل الثوري كان من خلال مكتب لهم في الجزائر، ويحضرنا هنا خليل الوزير الذي بدأ مبكرا اتصالاته بالجزائر مستفيدا من خبراتها الثورية، فكان أول دعم تلقاه منها، وما قدمه الجزائريون إلى الفلسطينيين الشيء الكثير. بل ما زلت أذكر تلك الكراسات الصغيرة التي كانت تثقف بها مقاتليها حركة “فتح” كانت ثورة الجزائر أبرزها.
مدرسة ثورية هي، ثورة المليون ونصف المليون شهيد عنوانها، مع أن أحد المثقفين الجزائريين يعتبرون أن عدد شهداء الثورة تسعة ملايين إذا ما حسبنا الثورات التي انطلقت منذ الاحتلال الفرنسي وحتى لحظة الاستقلال.
اليوم، وذكرى الأول من نوفمبر التي هي لحظة انطلاق الثورة ليست بعيدة، فإن الكتابة عنها تظل ساخنة، صادقة، وبنفس ملحمي يمكن للكاتب أن يسترجع تلك الأحداث الكبرى التي استمرت سنينا واتخذت أشكالا مختلفة إلى أن تم إنجاز الاستقلال. وكيف ينسى المرء أيضا تلك القامات الجزائرية القيادية التي لعبت أدوارا غيرت مسار الواقع الجزائري، هل يمكن أن ننسى أحمد بن بلله وهواري بومدين وبوضياف ورابح بيطاط وآخرين؟ هل يمكن أن ننسى ذلك المشهد في ساحات العاصمة الجزائرية وجيل كامل تحول إلى صباغ أحذية، يمد له الفرنسي رجله كي يسمح حذاءه .. كانوا جيشا من ماسحي الأحذية، ما أن أمسك بن بلله بالحكم حتى شطب ذلك المشهد بمنع مسح الأحذية تماما. ويذكر الكاتب خالد نزار في كتابه عن معارك جزائرية ما قوله “كان الجزائريون المصطفون على طول أزقة المدينة لتلميع أحذية الكولونيل يلقبون بالأولاد، في حين كان الكتاب ذاته يظهر الطفل الفرنسي بزيه الحسن الذي تزيده جمالا والجوارب القصيرة وتسريحة الشعر”.
اليوم تتمتع الجزائر بتلك الاستقلالية لكنها لم تدر ظهرها إلى ماضيها الذي كان .. لا تنسى شهداءها، وإن كان الكاتب الطاهر وطار قد قسا على الثورة حين كتب روايته “الشهداء ينهضون هذا الأسبوع” .. فقد كتب ذلك من خلال حبه لبلده وتقييمه للأسباب التي سقط من أجلها كل أولئك الشهداء.
“تاريخ يحكي”
تقول التواريخ المكتوبة التي يمكن النقل عنها، إن بدايات المقاومة في الجزائر لم تبدأ في تاريخها الحديث، بل تعود إلى الساعات الأولى التي احتلت فيها فرنسا البلد العريق .. ولعل أبرز الحركات التي واجهت الفرنسيين كانت ثورة عبدالقادر الجزائري 1832 التي استمرت خمسة عشر عاما .. لم تكن الثورة تملك السلاح الكافي ولا الإمكانيات اللوجستية، فيما كان الجيش الفرنسي في كامل عدته وعدده الذي وصل إلى 120 ألفا، فمارس حرب إبادة ضد الجزائريين قتل فيها البشر والحيوانات وأحرق المزارع، بمعنى كانت حرب إنهاء كل مظهر ثوري، مما أوقع الذعر في صفوف الأهالي، في حين استسلم عبدالقادر ونفي إلى دمشق التي توفي ودفن فيها. لكن ذلك لم يعنِ أن الثورات انتهت، بل كانت تندلع بين الفينة والأخرى وإن لم تكن شاملة، فهي أمام جهوية أو عشائرية، ويقول تاريخ تلك الفترات إن المقاومة ضعفت بعد ثورة أحمد بومرزاق سنة 1872 وقتل الثورات بسبب وحشية الجيش الفرنسي وابتاعهم سياسة الإبادة والتصفية الجسدية، في حين كان الشعب يفقد قيادته رويدا، ولعب الإفقار أيضا دورا في تنمية تراجع الثورات أيضا. وتذكر التواريخ أيضا، أن فرنسا اتبعت منذ لحظات احتلالها للجزائر سياسة الفرنسة بحيث يتحول كل ما في البلد إلى الفرنسية بشكل تلقائي، وقد ثبت لاحقا من خلال عمليات التصدي للثورة كيف عوملت بقسوة وبطش شديدين حين لم يكن في عرف فرنسا الخروج مطلقا من الجزائر .. هنا نتذكر أن الاحتلال الفرنسي أحدث جروحا عميقة في المجتمع الجزائري فقد عملت فرنسا على إيقاف النمو الحضاري والمجتمعي طيلة احتلالها الذي دام مئة وثلاثين سنة .. كما عملت على طمس هوية الجزائريين الوطنية، وتصفية الأسس المادية والمعنوية التي يقوم عليها هذا المجتمع، بضرب وحدته القبلية والأسرية واتباع سياسة تبشيرية تفضي إلى القضاء على الإسلام الذي كان من الصعب القضاء عليه، بل كان الحافز الأكبر في عملية التحرير وإعادة تجميع الشعب الجزائري في ثورته المظفرة. ومن الدلائل أيضا على الفرنسة ما تم إحياؤه للكنيسة الإفريقية تحت مقولة كانت تتردد في لك الوقت “من أن العرب لا يطيعون فرنسا إلا إذا أصبحوا فرنسيين ولن يصبحوا فرنسيين إلا إذا أصبحوا مسيحيين”.
ولأن اتجاه الفرنسة كان أساسيا، فقد اتجه الفرنسيون إلى محو اللغة العربية عبر محاربتها بكافة الطرق إما بإغلاق المعاهد والمدارس التي تدرس العربية ثم تدرج إلى منع تعليم اللغة العربية في جميع المدارس والمعاهد والجامعات .. وعدم السماح لأي شخص بممارسة تعليمها إلا بعد الحصول على ترخيص خاص وفي حالات استثنائية، حدث ذلك كله مقابل نشر الثقافة واللغة الفرنسية واشترطوا على كل ترقية اجتماعية ضرورة تعلم اللغة الفرنسية، كذلك عملوا على الفصل بين اللغة العربية والإسلام والترويج لفكرة أن الجزائريين مسلمون ومسيحيون.
إضافة إلى ذلك، اهتم الفرنسيون بالترويج للهجات المحلية على حساب اللغة العربية، فشجعوا اللهجة الجزائرية واتبعوا كل سبيل لمحاربة اللسان العربي واعتبروا اللغة العربية الفصحى في الجزائر لغة ميتة .. وفي وقت متأخر كان قد أصدر الرئيس الراحل هواري بومدين قرارا صارما بإعادة تعلم اللغة العربية وممارستها في كل مكان، ومن لا يتقنها يتحمل المسؤولية بطرده من عمله .. كم سعى الفرنسيون إلى ضرب الوحدة الوطنية الجزائرية بين الأمازيغ والعرب فأوجدوا تفسيرات مغرضة وأحكاما متحيزة لأحداث التاريخ الجزائري، ومنها أن الأمازيغ كان من الممكن أن يكون لهم مصير أوروبي لولا الإسلام، واعتبروا العنصر الأمازيغي من أصل أوروبي وحكموا عليه أنه بطبعه معاد للعرب، وسعوا لإثبات ذلك من خلال الدراسات والأبحاث، وخلصوا من ذلك إلى اعتبار أن اللغة الأمازيغية لها خصوصيتها ..
ولم تقف الفرنسة عند هذا الحد، بل ذهب الفرنسيون إلى عملية تنصير الشعب الجزائري فاتبعوا سياسة تبشيرية ففتحت الكثير من المدارس التبشيرية وبنيت الكنائس ووجه نساكها للأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية لربطها بواقع السكان الفقراء .. وحسب الإحصاءات الفرنسية فإن منطقة القبائل كان بها مدرسة لكل 2100 طفل، في حين كانت هناك مدرسة لكل أربعين طفلا في بعض المناطق الأخرى بالجزائر. ومن السياسات الفرنسية أيضا أنها سعت إلى عزل السكان عن بعضهم البعض ورعوا النزعات الإقليمية التي تتنافى مع وحدة الشعب الجزائري وذلك بالاهتمام بالأعراف والفلكلور واللهجات والتقاليد على حساب الثقافة العربية الإسلامية .. رغم ذلك لم تتمكن فرنسا من تحقيق أهدافها، إذ لولا المواقف الشجاعة والتضحيات التي قدمها أبناء القبائل للمخطط الاستعماري تدمير البنية الاجتماعية للشعب الجزائري في تلك المناطق.
يتذكر اللواء الجزائري خالد نزار بعضا من تلك الأيام فيقول في كتابه عن معارك الجزائر “شعرت بالهوة التي كانت تفصل بين الجزائريين والفرنسيين وأنا في المدرسة الابتدائية إذ كنا تلاميذ من الدرجة الثانية، في حين كان التلامذة الفرنسيون ينتقلون من قسم إلى آخر وإن كان مستواهم أدنى من مستوانا، فيلتحقون بالمدارس التكميلية الكائنة بباتنة وقسنطينة، بل إن بعضهم كان ينتقل إلى فرنسا” .. يتابع فيقول “قرر الفرنسيون في البرنامج المدرسي كتابا عنوانه “عبدالله” كان يشوه صورة الجزائريين، يعود ذلك إلى الخمسينيات حيث كانت النصوص تعكس صورة جزائري يمتطي حمارا ويرتدي الجلابة والشاشية حافي القدمين تارية ومرتديا زوج طرابيش تارة أخرى”. يضيف اللواء نزار إنه “في أحد الأيام وأنا ألعب الكريات الملونة ناداني أحد أعمامي كان يقف في زاوية مطعم كنا في موسم العريب وهي عادة يتنقل فيها السكان إلى السهل إما للحصاد أو الحرث، وطلب مني عمي أن أشتري له خبزا، ولما ساورني الشك تجرأت فسألته: لماذا لم يفعل ذلك بنفسه؟ أجابني: لا أريد أن أصبّح على وجه مستعمر .. كان موقف عمي الذي لم أستوعبه إلا بعد مرور الأعوام، يترجم الاعتقاد السائد آنذاك عند الجزائريين بأن الكولون فأل مشؤوم .. أرسلني أبي لما ضاق الأفق في وجهي إلى مدرسة القليعة للأشبال حيث تلقيت كل أنواع الإهانة والاحتقار، وكلما اقتربت من سن المراهقة تجلت في عيني الفرق الشاسع بين الجزائريين والفرنسيين”.
هكذا كان يبدو الإحساس الجزائري الذي ما لبث دائما أن تحول إلى ثورة على الأرض وفي الميدان .. فقد كان الشعب الجزائري بأسره رافضا تماما للسياسة الفرنسية، بل كان الإسلام على الدوام محرضا وجامعا للجزائريين، بل ظلت اللغة العربية حامية لهذا الشعب وممسكة به إلى أبعد الحدود، بل إن اللعب الفرنسي على الوتر الأمازيغي والعربي لم يؤدِّ إلى نتيجة. ظل الشعب الجزائري يرفع شعاره الأوحد “الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا”، وهو ما كان أعلنه العلامة المجاهد الكبير عبدالحميد بن باديس.. وعندما فشلت بعض المقاومات، أصر بعض المصلحين على العودة إلى التربية الإسلامية لتكوين قاعدة صلبة يمكن أن يقوم عليها الجهاد في المستقبل، فتم تأسيس جمهية العلماء المسلمين بزعامة بن باديس الذي هاجم الفرنسيين بقوة، ثم عمد إلى إقامة مدارس إسلامية تدرس اللغة العربية، وبذلك تم بناء قوة إسلامية جزائرية هدفها صيانة الجزائر، والتحضير لما هو أكبر؛ أي تحريرها من النير الفرنسي، ومن خلال هذا الجو ظهرت أحزاب عديدة لعبت دورا مهما إبان انطلاق الثورة الجزائرية وقبلها أيضا.
“المجزرة الرهيبة”
ظلت الأمور تتفاقم، لكن الشعب الجزائري ظل على وعيه بأهمية تحرير بلاده واستقلاله التام عن فرنسا .. فكان أن أسس فرحات عباس حركة البيان والحرية التي تقول بقيام جمهورية جزائرية مستقلة ذاتيا ومتحدة مع فرنسا، فوقع بينه وبين مصالي الحاج خلاف كبير والذي نصح فرحات بقوله “إن فرنسا لن تعطيك شيئا وهي لن ترضخ إلا للقوة، ولن تعطي إلا ما نستطيع انتزاعه منها .. ولم يمضِ وقت طويل حتى استغلت فرنسا قيام بعض التظاهرات في الثامن من مايو 1945 في عدد من المدن الجزائرية وإحراقها للعلم الفرنسي، فقامت بارتكاب أكبر مذبحة في التاريخ سقط فيها في يوم واحد 45 ألف شهيد، فاعتبر ذلك تحولا مهما في كفاح الجزائريين من أجل الحرية والاستقلال، إذ أدركوا أن لا سبيل لتحقيق أهدافهم سوى العمل المسلح والثورة الشاملة، فانصرف الجهد إلى جمع السلاح وإعداد الخلايا السرية الثورية بتوجيه وتمويل ودعم عربي حتى يحين الوقت لتفجير الصراع المسلح.
“إعلان الثورة”
أما وقد وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه وبات الجزائريون مستعدين بكافة أشكال الاستعداد، فقد تم وضع اللمسات الأخيرة للتحضير للثورة في الـ23 من مارس 1954 بميلاد اللجنة الثورية للوحدة والعمل وإصدارها مجلة “الوطني” ثم تقرر تفجير الثورة التحريرية في الـ23 من أكتوبر 1954، لكن في الأول من نوفمبر تقرر اندلاع الثورة بنداء الأول من نوفمبر 1954 حيث دعا النداء إلى استقلال الجزائر واسترجاع السيادة الوطنية وإنشاء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار من المبادئ الإسلامية، وتم إنشاء جبهة التحرير الوطني الجزائري بعد تم حل جميع الأحزاب والفصائل السياسية ضمن تلك الجبهة، فكان جيش التحرير الوطني هو جناحها العسكري (تماما كما فعلت حركة “فتح” لاحقا وبعد سنين حيث عمدت بعد انطلاقتها إلى تسمية قوات العاصفة فصيلها العسكري) .. وكانت تهدف المهمة الأولى للجبهة في الاتصال بجميع التيارات الأسياسية والسياسية المكونة للحركة الوطنية .. وكان تحديد تاريخ انطلاق الثورة هو في ليلة يوم أحد كتاريخ للانطلاق المسلح يخضع لمعطيات تكتيكية عسكرية، منها وجود عدد كبير من جنود وضباط الجيش الفرنسي في عطلة نهاية الأسبوع يليها انشغالهم بالاحتفال بعيد مسيحي..
أما النداء الذي أطلقته الثورة فكان على الشكل الآتي: أيها الشعب الجزائري .. أيها المناضلون من أجل القضية الوطنية … أنتم الذين ستصدرون حكمكم بشأننا، نعني الشعب بصفة عامة، والمناضلون بصفة خاصة، نعلمكم أن غرضنا من نشر هذا الإعلان هو أن نوضح لكم الأسباب العميقة التي دفعتنا إلى العمل، بل نوضح لكم مشروعنا والهدف من هملنا ومقومات وجهة نظرنا الأساسية التي دفعتنا إلى الاستقلال الوطني في إطار الشمال الإفريقي، ورغبتنا أيضا هو أن نجنبكم الالتباس الذي يمكن أن توقعكم فيه الامبريالية وعملاؤها الإداريون وبعض محترفي السياسة الانتهازية. ثم عرض البيان أسباب الانطلاقة والتحرك الثوري الذي عرف به وهي: ــ إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية . ــ احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني.
ونعود إلى كتاب اللواء خالد نزار فيقول “تزامن عامي الأخير في المدرسة مع اندلاع الثورة المسلحة التي كثيرا ما كان التلاميذ يتحدثون عنها” الحمدلله لقد حان الوقت لكي يقرر الجزائريون ضد التمييز والبذخ، وينهضون من أجل الحرية والاستقلال .. لقد كانت مدرسة القليعة بوتقة حقيقية أعطت للثورة أفضل جنودها ولا يوجد مدرسة في الجزائر وفرت للثورة ما وفرته القليعة”.
دارت الحرب إذن بين الجيش الفرنسي والثوار الجزائريين في كل مكان وخصوصا في جبال الأوراس الشهيرة، والذين استخدموا حرب العصابات بصفتها الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوة جرارة مجهزة أكبر تجهيز خصوصا وأن الثوار لم يكونوا يملكون تسليحا معادلا لتسليح الفرنسيين، استخدم الثوار الجزائريون الحرب النفسية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية.
صحيح أن الثورة الجزائرية تلقت دعما من شتى الاتجاهات، كانت المساعدات المصرية والدعم الذي قدمه جمال عبدالناصر للجزائر لم يقدمه أي آخر .. وحين سألت مرة الرئيس المرحوم أحمد بن بلله أثناء زيارة له لبيروت عن الدعم المصري للجزائر قال “بأننا ندين لعبدالناصر تلك المرحلة من عملنا الوطني، ولولا الدعم المصري لما وصلت الجزائر بسرعة إلى الاستقلال والحرية”. أحد القيادات الجزائرية تحدث عن هذا الدعم فقال: إن أي جزائري لا ينسى أن مصر الشقيقة تعرضت لعدوان كبير شنيع كانت فيه ضحية تأييدها للشعب الجزائري المناضل (العدوان الثلاثي 1956) .. ولا ينسى أي جزائري أن انتصار الشعب المصري في معركة بورسعيد التاريخية ليس إلا انتصار لمواجهة من مواجهات القتال العديدة التي تجري في الجزائر منذ ثمانية وثلاثين شهرا، وأن الشعب الجزائري المنهمك في معركة التحرير الكبرى ليبعث إلى الشعب المصري الشقيق وبطله القائد جمال عبدالناصر بأصدق عواطف الأخوة والتضامن. ومما قاله القيادي: لو عندنا طائرات لطرنا .. لو عندنا عصافير لطرنا .. لو عندنا بواخر لذهبنا .. إذا انتصرت مصر انتصرت الثورة الجزائرية، وإذا انهزمت مصر انهزمت الثورة الجزائرية.
إضافة إلى عملية الدعم الصرية وكيفية نقل السلاح المصري الذي كان معظمه صناعة مصرية، وعبر الدواب التي كانت تمشي أسابيع قاطعة آلاف الكيلومترات لتصل إلى الجزائر .. كان إرسال السلاح إذن شاقا جدا، ومع ذلك لا بد من الاعتراف أنه أن يصل وبعده كان يتم الاستيلاء عليه من قبل لصوص في بعض بلدان المغرب العربي.
ومثلما كان الدعم العسكري والسلاح من القاهرة، كانت العاصمة المصرية أيضا الداعم السياسي حيث وضعت فيها أول مقر للخكومة الجزائرية المؤقتة في التاسع من نوفمبر 1958 فكانت معظم النشاطات السياسية والدبلوماسية لجبهة التحرير الجزائري تجري في القاهرة. كما أن مصر قامت بتمثيل الجزائر في مؤتمر باندونج عام 1955م.
ومع دعم السلاح والدعم السياسي جاء الدعم المالي، فقد كانت أول صفقة سلاح من أوروبا الشرقية بتمويل من مصر بلغ حوالي مليون دولار .. وإضافة إلى ذلك الدعم المنوع، كان هنالك دعم ثقافي وفني، فالنشيد الوطني الجزائري ألف كلماته الشاعر الجزائري في العام 1954 مفدي زكريا، وقام بتلحينه اثنان من الجزائريين لم يعجب اللجنة الخاصة، فكان أن اختير الملحن والموسيقار المصري محمد فوزي لهذا الغرض، ونجح في إقناع اللجنة والشعب الجزائري الذي ما زال يترنم بنشيده الوطني .. وعندما عرض مال على الموسيقار فوزي مقابل عمله رفض تماما واعتبر أن لحنه هدية للثورة الجزائرية .. ومما يقوله ذاك النشيد التاريخي: “قسما بالنازلات الماحقات/ والدماء الزاكيات الطاهرات/ والبنود اللامعات الخافقات/ في الجيال الشامخات الشاهقات/ نحن ثرنا فحياة أو ممات/ وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر/ فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا … إلى أن يقول: “يا فرنسا قد مضى وقت العتاب/ وطويناه كما يطوى الكتاب/ يا فرنسا إن ذا يوم الحساب/ فاستعدي وخذي منا الجواب/ إن في ثورتنا فصل الخطاب/ وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر/ فاشهدوا .. فاشهدوا .. فاشهدوا “.. وكانت فرنسا قد رفضت هذا المقطع وأخبرت المسؤولين الجزائرين بذلك، لكن قيادة الثورة أصرت عليه.
“بطولات”
كأي ثورة في العالم، عرفت الجزائر بطولات شعبية جسدت قدرات هذا الشعب وإيماناته وعزمه على نيل استقلاله مهما كلف الأمر من تضحيات .. لذلك ما زال يسطع في سمائها أسماء عديدة لبطلات تجاوزت أعدادهن المئات وربما الآلاف، لكن أبرزهن كانت جميلة بو حيرد التي اشتهرت بمناعتها وصبرها، فصارت أيقونة الثورة الجزائرية، وباتت جميلة معروفة جدا في الأوساط العربية والعالمية، وحمل فيلم سينمائي اسمها، فيما يقول الجزائريون إن هنالك مثيلات وأكثر لها .. وكانت جميلة قد زارت لبنان مؤخرا وتم الاحتفال بها. وكان الشاعر نزار قباني قد قال فيها شعرا مطولا نوجز منه ما يلي: “الاسم جميلة بو حيرد/ رقم الزنزانة تسعون/ في السجن الحربي بوهران/ والعمر اثنان وعشرون/ والشعر العربي الأسود/ كالصيف كشلال الأحزان/ الاسم جميلة بوحيرد/ اسم مكتوب اللهب/ مغموس في جرح الشعب/ في أدب بلادي في أدبي/ الاسم جميلة بو حيرد/ أجمل أغنية في المغرب/ أطول نخلة لمحتها واحات المغرب/ أجمل طفلة أتعبت الشمس ولم تتعب/ يا ربي هل تحت الكوكب/ يوجد إنسان/ يرضى أن يأكل أن يشرب/ من ألم مجاهدة تصلب”.
وكذلك حال رجالات الجزائر الذين لم يبخلوا بالنفس وقدموا أيضا تضحيات جمة وصلت إلى مليون ونصف مليون شهيد .. لعلنا نذكر منهم المناضل علي لابوانت الذي انخرط في صفوف النادي الرياضي بالعاصمة الجزائرية ومارس رياضة الملاكمة، وهناك تعرف على أكثر الوطنيين الذين زرعوا فيه فكرة الثورة، وأثناء قضائه فترة في السجن فهم معنى التضحية فانضم إلى صفوف الثورة الجزائرية ضمن فوج الفدائيين في العاصمة وشارك بعدة هجمات على مراكز الجيش الفرنسي والشرطة أيضا .. استشهد لابوانت حين قام الفرنسون بنسف المنزل الذي كان فيه وبرفقته مناضلين أمثال حسيبة بوعلي ومحمود بوحميدي وعمر الصغير ..
ظلت حرب التحرير قائمة حتى العام 1962 حين أعلن الرئيس الفرنسي شارل ديغول بنفسه استقلال الجزائر في الخامس من يوليو من ذاك العام .. انتصرت الجزائر بعد مخاض طويل دفع ثمنه الشعب الجزائري قاطبة، وأثبت قدرته على التحدي .. بعد مئة وثلاثين عاما مع محاولات فرنسة الجزائر، لم تتمكن فرنسا بكل إمكانياتها وما فعلته أن تبقى على أرض شربت الحرية والكرامة وعرفت العزة واستفاقت دوما على الثورات التي لم تتوقف خلال تلك السنوات الطويلة. عادت الجزائر عربية الوجه واللسان والقلب والعمق، عادت لتقدم لأمتها ما يجب أن تقدمه، فكانت لها وقفات في حرب العام 1967 وفي حرب أكتوبر أيضا، ويدعم الثورة الفلسطينية وفي تقديم الخبرات لها والإمكانيات التي احتاجتها خلال مسيرتها الثورية.
انتصرت الجزائر فكانت نصرا للأمة، وسجلت بذلك قوة كبيرة في العمل العربي المشترك. وستظل تلك الدولة العملاقة مفخرة للتاريخ النضالي وعلامة مضيئة للشعوب المكافحة من أجل الحرية والاستقلال والسيادة والكرامة.

إلى الأعلى