الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / مدينة تدمر من حسناء الشرق إلى مدينة الخراب والأشباح
مدينة تدمر من حسناء الشرق إلى مدينة الخراب والأشباح

مدينة تدمر من حسناء الشرق إلى مدينة الخراب والأشباح

دمشق ـ العمانية :
على غير اعتقاد أو حتى تصور تحولت مدينة تدمر السورية من مدينة الجمال والآثار والتراث السوري والعربي إلى مدينة الخراب وعنوان التخلف والتراجع الذي تمر به المنطقة العربية.. كانت تدمر قبل سنوات بسيطة جدا متحفاً عريقاً لا مثيل له إلا في مدينة روما.. أما اليوم فقد عاثت بها الحروب العبثية والتشدد والهمجية وتحولت إلى مدينة أشباح ولا عزاء لكل الحضارات التي تعاقبت عليها، لا عزاء للملكة زنوبيا التي قادت من هذه المدينة مع زوجها أذينة عصيانا على الإمبراطورية الرومانية تمكنا خلاله من السيطرة على معظم سوريا.
ثم قادت لوحدها غزوا على مصر قبل أن يتمكن الإمبراطور أوريليان من هزمها وأسرها إلى روما حيث توفيت هناك لأسباب غامضة. وتعني كلمة تدمر باللغة التدمرية القديمة ” الأعجوبة” وتنقل كتب التاريخ أن المدينة كانت تسمى ” تدمرتو” وتعني بنفس اللغة الجميلة. وبين الجمال والأعجوبة علاقة كبيرة جدا، فتدمر المدينة الأعجوبة حيث تفاجأ عند وصولك في قلب الصحراء أن تجد مدينة بكل ذلك الزخم من الجمال والحسن والمستوى الحضاري والثقافي الذي وصلت إليها. وكان عرب الجاهلية يعتقدون أن الجن هم من بنى المدينة وكان دأبهم عندما يعجبون بشيء يفوق خيالهم، أو قدرتهم على الإتيان بمثله أن ينسبوه إلى الجن!!. وكان الإغريق والرومان يطلقون على مدينة تدمر اسم ” بالميرا” نسبة إلى النخيل الذي يكثر في واحاتها الوارفة.وكانت عين ماء كبريتية تتدفق من قلب أحد الكهوف هي المقوم الأول لنشوء هذه المدينة وسط الصحراء ويعود ذلك إلى الألف العاشر قبل الميلاد.
رغم أن أقدم وثيقة وجدت تدل أن تدمر كانت قائمة من زمن حمورابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وكانت هذه الوثيقة قد وجدت في منطقة كبادوكيا بالأناضول.
ومن الآثار التي تعود إلى القرن الحادي عشر ق.م وتدل على وجود مدينة تدمر ما يقول الملك الآشوري تغلات فلاصر الأول في حولياته: “حاربت سكان تدمر الآراميين وعدت بالغنائم إلى آشور”.وفي القرن الثاني قبل الميلاد كانت تدمر قد استقرت كإمارة عربية. وهناك شواهد مادية وأدبية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد تدل على أن تدمر كانت تضم آنذاك مدينة على جانب من الأهمية. وتحكي الروايات والكتب القديمة أنه في عام 14 ق. م أرسل مارك أنطونيو فرسانه إلى تدمر لنهبها حيث كانت تعيش في بحبوحة من العيش ونعيم بفضل صلاتها التجارية، إلا أن تلك الحملة لم تنجح فقد أخلى أهل تدمر مدينتهـم وعبروا الفرات بزوارقهـم، وعبر النهر أخذوا يصلون فرسان أنطونيو بوابل سهامهم الشهيرة.
ويذكر الكثير من المؤرخين أن تدمر قبل أن تلحق بروما كان لها نظام حكم يقوم على مجلس للشيوخ ومجلس للشعب، مع الإبقاء على دور العشيرة المهم. وهذا الحكم لم يتغير كثيراً بعد الوصاية الرومانية على تدمر وكتابعة لروما أخذت تدمر تدفع الجزية، لكنها بقيت برغم ذلك منتعشة اقتصاديا، وتزايد نشاط طرقها التجارية.
وفي عام 106 م فقدت البتراء استقلالها على يد الرومان. وكانت البتراء محطة رئيسية على طريق الحرير، ومنافسة لتدمر على الطرق التجارية، وبفقدها استقلالها أخذت تدمر مكانتها وأصبحت أهم محطة على هذا الطريق التجاري دون منافس ما بين مصر وجزيرة العرب وأوروبا من جهة وفارس والهند والصين من جهـة ثانية. وكانت هذه الفترة الزمنية من أكثر ما عرفت تدمر انتعاشا اقتصاديا، فأكملت بناء معابدها ونظمت شوارع مدينتها.
المدينة القديمة في تدمر كانت تعتبر المزار الأهم في هذه المدينة قبل أن تعيث بها يد الخراب والتدمير مشيدة وفق الطراز المعماري الروماني. وتشاهد في المدينة أروقة طويلة متفرعة تؤدي لأبنية مختلفة، كالمسرح وميدان الشعب وقوس النصر والحمامات. وهذه المدينة الرومانية رغم قدمها إلا أن الزائر يقف أمامها وقفة إعجاب وإبهار أمام تلك العقول التي خططتها وفق ذلك النسق التخطيطي المتميز. ولم يغفل الرومان الجوانب الثقافية في مدينتهم فقد بنوا مسرحا على طريقة المسارح الرومانية وهو بناء نصف دائري قطر صحنه 20 متراً تقريباً وعدد درجاته 13 أما منصة التمثيل فطولها قرابة 50 مترا في عمق عشرة أمتار تزينها أعمدة رومانية غاية في الجمال. وقد أعيد ترميم المسرح عام 1952. على أن أهم الآثار القديمة في مدينة تدمر هو معبد ( بل ) الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 19 ميلادية إلا أن أحد أجزائه والذي يعرف ( بقدس الأقداس ) فقد أنجز عام 32 م والمعبد بطول 205 أمتار وعرض 210 أمتار يتوسطه هيكل ومذبح ، وزخرفته ذات طراز روماني إلا أن عناصره تعود إلى المعابد الكنعانية. واكتسب الفضاء المقدس الذي أعد للطواف هيبته المقدسة من الجدران التي زينت بالشرفات . وما يشاهد الآن من أبراج دفاعية على محيط السور فتعود للفترة الأيوبية و المملوكية في القرنين 12 م و 13 م . كان يدخل إلى المعبد عن طريق سلم عريض يصعد منه إلى رواق خارجي فيه ثمانية أعمدة، وعلى جانبي الرواق يوجد برجان، أما الباحة الداخلية فيدخل إليها من ثلاثة أبواب ضخمة كانت من الذهب والبرونز سرقت منذ عهد قريب، ويحيط بالمعبد من الداخل أربعة أروقة: الرواق الغربي وفيه 390 عمودا عاليا لم تبق صروف الدهر منها سوى سبعة، وتحت الأعمدة يمتد الدرج الذي يستخدم لتقديم الأضاحي. والأروقة الأخرى تنتصب مزدوجة وعلى أعمدتها حوامل تنصب فوقها تماثيل المشاهير. وفي المعبد هيكل فيه محرابان يحتوي الشمالي منها على تماثيل الآلهة التدمرية الثلاثة الكبرى وصفه مؤلف من قبة واحدة مزدانة بصور الكواكب السبعة.
وليس بعيداً عن معبد “بل” كان يقع متحف تدمر وأول ما تشاهد عند دخولك للمتحف تمثال أسد تدمر وهو من منحوتات القرن الأول قبل الميلاد، يرمز لآلهة الحرب عند العرب ( اللات ) وعلى يد الأسد اليسرى كتابة تدمرية تقول: “إن الربة اللات تبارك كل من لا يسفك الدم في المعبد” وهذا يدل على أن من دخل المعبد فإن دمه آمن.. لكن اليد الهمجية والعابثة لا تجيد القراءة ولا ترى أمامها إلا الدماء.وعند العتبة الأولى من المتحف تشاهد نموذجا لكهف يمثل عيشة إنسان العصر الحجري ونموذج الكهف مكتشف في مدينة تدمر.ويستطيع المتحف أن يعيد الزمن للوراء لآلاف القرون بدأت في تصوير التسلسل الحضاري الذي يحكيه المتحف لمدينة تدمر. وتستطيع أن تقف من خلال المتحف على تاريخ اللغة والكتابة التدمرية وأبجدياتها القديمة وأرقامها.ولن يخذلك التجوال في المتحف إذا كنت تريد التعرف على جميع تماثيل وآلهات العالم أجمع فكأنها جميعها تجمعت في هذا المتحف من كثرتها وتنوعها.
وقت غروب الشمس هو الوقت الأمثل لزيارة قلعة فخر الدين، والتي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السادس عشر ويحيط بالقلعة خندق عميق يمنع الوصول إليها إلا عن طريق جسر ضيق، ومن فوق القلعة تستطيع أن ترى آثار تدمر جميعا.. اليوم من فوق هذه القلعة تستطيع أن ترى خراب تدمر بأكملها ومن ورائها خراب سوريا والمنطقة بأسرها.رويدا رويدا كانت الشمس تغادر المدينة فيما أشعتها الجميلة تعطي المكان أبعادا رمزية وتخفي كل ما حدث في هذه المدينة الجميلة.

إلى الأعلى