الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / حين يَصْدُق نتنياهو وهو يكذب!

حين يَصْدُق نتنياهو وهو يكذب!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

حتى الصهاينة يكادون يجمعون على أن نتنياهو يكذب كما يتنفَّس، وأنه يواصل الكذب دون أن يرف له جفن أو يفارقه شحوبه. لسنا هنا بصدد الانشغال بتفنيد لا نرى من حاجة إليه لأكاذيبه المرسلة التي لا تنقطع، ومن أواخرها حكاية المفتي والمحرقة، التي جلبت له السخرية وارتدت عليه. لعل الانجرار إلى مثل هذا الآن بالذات ضرب من إضاعة الوقت، وإجمالًا، قد يكون، وكما يفعل البعض، انجرارًا يريده نتنياهو إلى حيث التفاصيل التي قد تحجب الرؤى المهتزة عن اللحظة الفلسطينية الفارقة وتصرفها عن أبجديات الصراع ومسلماته.
ما نريد قوله، هو أن نتنياهو يَصْدُق أحيانًا وهو يكذب، وربما هو أقل كذبًا، أو أكثر صراحةً، من غيره من دهاة الصهاينة وعرَّابيهم الغربيين المنافقين… يَصْدُق عندما يعبِّر بأكاذيبه المفضوحة خير تعبير عن طبيعة الحالة الاستعمارية العدوانية الصهيونية بكامل تجلياتها الإجرامية المرافقة لأمد اغتصابها لفلسطين… ولنأخذ مثلًا، أو اثنين:
صدق وكذب حين هبَّ ليخفف من استشراء جائحة الذعر الذي شاع وضرب أطنابه بين صهاينة الكيان الغاصب إثر اندلاع الغضبة النضالية الفلسطينية الراهنة قائلًا: إننا “سنحيا للأبد بالسيف”… صدق لأنه وصَّف واقع حالة استعمارية استيطانية إحلالية غازية جُلبت وفُرضت وقامت واستمرت بالسيف وحده، وبالتالي، وبالضرورة، كان أنها قد ووجهت وتواجه وستواجه بمقاومة وصمود أسطوريين على امتداد وجودها وحتى زوالها، وفقط بما قال نتنياهو إنها ستستمر به، ومن قبل أمة ترفضها ومنطقة تلفظها وشعب مناضل ظل يخط بدمه شعاره الجمعي المعبر عن توقه المعمّد بالتضحيات: فلسطين من نهرها إلى بحرها… وكذب عندما قال باستمرارها إلى الأبد، لأن أبده مخالف لسنن التاريخ وقوانين الجغرافيا وحقائقهما، ويزري به ويشكك فيه، بل ويكذِّبه، هلعهم الهستيري، الذي استدعاه لأن يخف للتخفيف منه بمزيد من انفلات العدوانية الدموية الباطشة، وأن يتحايل لتهدئته بإخبارهم بأنه يجري العمل على تطبيق يتيح للمستعمر منهم استدعاء أمن الاحتلال واستنفاره بكبسة زر على هاتفه الجوَّال… وتصوروا لو تم هذا كم كبسة زر ستنهال على رأس قواه الأمنية في الثانية من جمهور يدب فيه الرعب لدرجة أن يقتل اليهودي يهوديًّا للاشتباه بأنه عربي، وحيث باتت الأرض الفلسطينية بكاملها بالنسبة لمذعوريه ميادين تحتلها أشباح تحمل سكاكين لطعنهم وتقود سيارات تتحفز لدهسهم. بل إن كل الفلسطينيين الآن في نظرهم مشاريع لفدائيي طعن وإن بلا سكاكين وداهسون وإن بلا سيارات، وعليه، ها هم يحوِّلون كل الأرض الفلسطينية السليبة إلى ميادين إعدامات ويتحوَّل جمهورهم بكامله إلى فرق إعدامات.
وصدق وكذب عندما طرح معادلته الرامية إلى ما تدعى بـ”التهدئة”، أو هذا المطلب الصهيوني البحت الذي يجهد الأميركان وامتداداتهم العربية لتسويقه، والهدف منه الالتفاف على الهبَّة النضالية الشعبية الفلسطينية المستمرة والمتصاعدة والحؤول دون تحوُّلها المتسارع إلى الانتفاضة الثورية الشاملة… معادلته القائلة، “الصلاة للمسلمين والزيارة لغيرهم” في المسجد الأقصى، في سياق زعمه القائل بالتزامه المحافظة على الوضع القائم في الحرم القدسي دون تغيير. إنها ذات تلك التي تحوَّلت لاحقًا إلى ما عرفت بمقترحات كيري الخطيرة الرامية إلى تثبيت حق غير العرب والمسلمين فيما هو حق العرب والمسلمين وحدهم… أي صدق ومن بعده كيري عندما قالا “بدون تغيير”، وقصدهما التهدئة لكن تحت حراب الاحتلال، وكذبا معًا لأن تثبيت حق الزيارة لغير المسلمين هو في حد ذاته تقسيم للحرم، وممارسة سيادية للاحتلال عليه وشرعنة لها، ناهيك عن سابق تحويل المقدسيين إلى “مقيمين” وبقائهم تحت طائلة حرمانهم من هذه الإقامة، أي عرضةً لتشريدهم بالتدريج بشتى الذرائع ومختلف السبل.
لذا، فإن أي موافقة على تهدئة كيري، تجري السمسرة لها الآن على قدم وساق، هي تنازل مضاف ممن يعترفون أصلًا بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وبالتالي لا يصعب عليهم الاعتراف بسيادته على الحرم القدسي، لا سيما وأنهم يتجاهلون أن أكناف بيت المقدس ليست بالأقل قدسية منه، وإن المقدسيين يستشهدون من أجل الوطن، بمعنى الأرض والهوية، وليس من أجل نصب كاميرات لمراقبة ركوعهم وسجودهم، أو ما لا هدف له سوى التجسس عليهم لصالح أمن المحتلين، ومنه حماية المقتحمين المنتهكين لحرمة مُقدَّسهم، أي لا ينظرون للموافقة على نصبها إلا كضرب من تعاون أمني مع المحتل، وإغفال لكون شرارة الهبَّة المقدسية وإن انطلقت من الأقصى فإن منطلقها الرئيس هو مواجهة الاحتلال.
التغيير في الأوضاع القائمة في الحرم القدسي، الذي يحاول كيري بعد نتنياهو ومعهما بان كي مون خداعنا بزعم التزام المحافظة عليها ومقايضة الهدوء تحت الاحتلال بها، بدأت خطاه الأولى فعلًا بإطلاق كيري ومون عليه “جبل الهيكل/ المسجد الأقصى”، وهو مستجد أميركي، وتجاوز لقرارات الأمم المتحدة على سوءتها من أمينها العام، لصالح حلم تسيبي حوتبولي نائبة وزير خارجية الكيان الصهيوني، حين هتكت ستر التضليل التهدوي لاحقًا بقولها إن “حلمي هو أن أرى علم إسرائيل يرفرف فوق جبل الهيكل”… حلم حوتبولي هذا يفسِّر لنا معادلة نتنياهو التهدوية الزائفة وينسف أخدوعة رعاية التعهدات الأميركية للأكاذيب النتنياهوية…
لا يستشهد الفلسطينيون ويصابون ويعتقلون ويحاصرون ويشردون في احتجاجات دوافعها مطلبية، أو ما يتكاتف الآن كل متواطئي العالم لحرف الدم الفلسطيني المقاوم باتجاهه، وإنما لأنهم يعيشون حالة من حراك ثوري دائم هدفه تحرير الأرض وكنس محتلها والعودة إليها.

إلى الأعلى