الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا الإنسان.. وعربة السياسة أمام الحصان

سوريا الإنسان.. وعربة السياسة أمام الحصان

علي عقلة عرسان

في بلادنا، السياسة تطيل أمد الحرب، والحرب بدورها تفتح شهية الساسة لمزيد من امتصاص الدماء، وإدخال الشعوب في أسواق البيع والشراء، ودوامات العنف والبؤس والشقاء. الحرب حرب مصالح، ومرابح، ومحاصصات ضيقة ورخيصة ومدمرة، وحرب نفوذ، وهيمنة، واستعمار، وأسواق بين الدول التي تملك السلاح، والمال، والقرار، وفيما بين رؤوس الرؤوس في تلك البلدان خاصة، حيث صراع الاستراتيجيات على الثروات، والسياسات، والإرادات، والقرارات، والثقافات. العالم لم يخرج أبدًا من قبضة الأقواياء، ولا من قبضة الطغاة، ولا من شهوات مصاصي الدماء، والمفتونين بالعظمة، ومنطق القوة. وإن نظرة عابرة يلقيها المرء على تاريخ الصراعات الدامية، منذ فجر التاريخ والحروب بالأدوات البدائية، “عصر الكتابة والتأريخ بما له وعليه”، إلى العصر النووي.. تبين حقيقة استرار الصراعات الدامية، وتجدد الحروب البونية، العالمية، ونمو الإهاب،، إرهاب الإمبراطوريات، والدول، وإرهاب الطغاة واللصوص.
في فيينا ٢ يجتمع – اجتمع أمس ـ ممثلو خمسة عشر دولة، ممثل الاتحاد الأوروبي.. والملخص المكثف لأولئك: رأسان، وجناحان، وبعض القوادم.. أما ما تبقى فخوافٍ أقرب إلى هوامش الهوامش في رعيل دول العالم الموزّعة بين تابع وخائف وزاحف وطامع، وقابع في كهف يجتر بؤسه ويبكي مآسيه. خلاصة ما سيصلون إليه، ويبنون عليه، ويتطلعون إلى تنفيذه هو، كما قال قائلهم، اتفاق جنيف ١، تلك الوثيقة التي وضعها كوفي أنان، ووافقت عليها الأطراف المشاركة، وأقرها مجلس الأمن الدولي، وبنى عليها قرارات وتحركات وخطوات؟! وإذا كانت فيينا لا تعدل الأساس المرجعي، ولا تضيف إليه، وتستند إليه.. فلماذا إذن قضينا أكثر من ثلاث سنوات مغمسة بالدم، وكل الأمر يتعلق بمرجعيات وأسس متفق عليها، وهو ما سيتم التأكيد عليه من جديد في فيينا ٢ التي ستعيدنا إلى جنيف ١ وجنيف ٢، ثم إلى جنيف ٣؟!
هل كان قتل مئتي ألف سوري أو يزيد، بعد ذلك التاريخ، وتكديس مئات آلاف الجرحى والمعوقين، وتدمير ٤٠ – ٥٠٪ من سوريا، ونزوح أو تهجير ملايين السوريين، وإفقار الناس وإذلالهم، ومعاناتهم.. إلخ، هل كان كل ذلك الحصاد المر، خلال تلك السنوات العصيبة، بعد جنيف ١، بسبب، أو من أجل مكافحة إرهاب “داعش” التي لم تكن قد تمددت وتضخمت وقتَلت من قتلت، وقد كانت في بدايات بداياتها آنذاك، وكان يمكن محاصرتها بما يتكفل بشلها؟! أم أنه كان من أجل أن تشب عن الطوق، وتستنسر، وتصبح ذريعة الذرائع لإشعال المنطقة، وإدخالها في الفتنة، وتحقيق أهداف من لهم أهداف في ذلك كله؟! أم أن ذلك كان تصميمًا من المقامرين على رهان “من يخسر الحرب ومن يربحها في سوريا”، في الوقت الذي كان كل الكلام السياسي والدبلوماسي يقول: “لا يوجد حل عسكري للأزمة السورية، بل حلول سياسية فقط؟! وهل يصح عقلًا أن يستمر اشتعال النار، وتتحول الحرب إلى فتنة مذهبية، “سنية – شيعية”، تفتك بالمنطقة وبعلاقات العالم الإسلامي بعضه ببعض، وأن تستمر الصراعات الرهيبة الدامية، ويستمر الخلاف بين من يرعونها ويمولونها ويخوضونها لأمر مفاده “أن يستمر الرئيس بشار الأسد حاكمًا في سوريا، أو أن يتنحى”؟! إنه إذا صح مثل هذا، فهو الإفلاس المطلق للعقل والحكمة والمسؤولية والأخلاق، ولكل سياسة، حيث يتبين أنها لم ترق إلى الحد الأدنى من مستويات أحط أنواع النفاق السياسي، وانعدام البعد الإنساني والأخلاقي.
نحن اليوم أمام وجه من وجوه “حقيقة من حقائق السياسة”، تلك المتعددة الأقنعة، والوجوه، والألسن، والخطابات، والذرائع.. حقيقة أن سوريا وشعبها ضحية، وأنها أصبحت مثلث موت، وبؤرة يقتتل فيها الكبار، ويرتهنها أو يضحي بها الصغار.. حتى غدت هي وشعبها، ومستقبلها، وتراثها، وتاريخها الحديث، مزَق بلد، ومناقع دم، ومساحات بؤس، ودارَ حرب على الهوية والعروبة والدين.. وعلى أي شكل من أشكال الاستقلال والسيادة والقرار والإعمار والاستقرار.
إن المعلن السياسي، مما هو متفق عليه، بين المجتمعين في فيينا، هو استمرار الحرب في سوريا، وبالنتيجة على سوريا.. إنها حرب على الإرهاب، على “داعش” وربما على “النصرة” أيضًا، ولكنها تدور على الكل في إطار محاربة الإرهاب.. أما ما تبقى من مواضيع فيينا فهو موضوع خلاف دول ومحاور، قد تتقارب وجهات النظر حوله أو تتباعد. ولكن حتى المتفق عليه ليس هناك موقف موحد منه في العمق، ولا أسلوب موحد، ولا تعاون مؤكد، حول مواجهته.. فكل يبدي عزمًا ويخفي رسمًا.. والسياسة فن الخداع، والتمويه، وحفر الأنفاق، وتبادل النفاق.. وكأن بين جهابذتها اتفاق على ما يقول المثل: “الكذب ملح الرجال، وعيب على اللي يصدق؟!”
بوضوح تام، أكد الجانب الروسي، قبيل الاجتماع في فيينا، على لسان بوجدانوف، نائب وزير الخارجية “على ضرورة أن يتم، بالتوازي مع المفاوضات السورية، تحديد الزمر الإرهابية، والجهات المسلحة القادرة على مكافحة الإرهاب والانخراط في العملية السياسية.. وأن الأطراف المشاركة ستتبادل قوائم بالجماعات الإرهابية، وستحدد فصائل المعارضة التي ستنخرط في العملية السياسية”. وقال الوزير جون كيري: “متفائلون بإمكانية المضي قدمًا في المفاوضات من أجل سوريا، لكن الأمر يبقى صعب جدًّا”. ومن التصريحين الصريحين للرأسين الدوليين المحركين، نستنتج أمرين مهمين، ومقلقين في الوقت ذاته:
الأمر الأول: الحرب في سوريا سوف تستمر، تحت لافتة “محاربة الإرهاب”، وأن من سيخوضونها على الأرض، هم بالدرجة الأولى، من تبقى من أبناء سوريا، بغطاء جوي يتم التنسيق بين الأطراف التي ستقوم به، ولكل مشارك نصيب بما في ذلك “إسرائيل” التي تحتل الجولان، وتسبح بحرية في الفضاء السوري، ففي السياسة لا يوجد أعمال ولا جمعيات خيرية.
الأمر الثاني: الصراعات السياسية بين الأطراف الدولية المعنية، لا سيما بين الرأسين والجناحين والقودام، سوف تستمر أيضًا، فـ”الأمر معقد جدًّا” كما قال جون كيري.
أما الذرائع لاستمرار ذلك الصراع، المتخفي تحت اسم الخلاف، فحدث عنه ولا حرج، وأخرج من متاهاته إن استطعت، فمنه ما هو حول:
١ – بقاء الرئيس الأسد أم تنحيه عن السلطة، “ذهابه”، وإلى أي وقت يكون بقاؤه إن هو بقي، ومتى يحدث ذلك، وكيف؟! وهل هناك اتفاق ما، حول ذلك الأمر وعلاقته بالمرحلة الانتقالية؟!
٢ – المحادثات بين المجتمعين، التي ستحيل أو تتحول إلى جنيف، قد تمتد، وقد تطول، فليس من الممكن الاتفاق على أمور معقدة جدًّا في جلسات قليلة.. إنها محادثات دولية، قد تفضي إلى شيء، وقد لا تفضي إلى شيء، فهي معقدة جدًّا؟! وإذا لم تفضِ إلى اتفاق، فنحن ذاهبون إلى حرب أوسع مدى. ٣ – الأقليات وما يُسمى مشكلتها، أو مشكلاتها. وكأن ذلك لم يكن ذريعة التدخل الاستعماري في المنطقة، تاريخيًّا. والأقليات هنا ليست مثل مسمار جحا، لأنها مسامير، ولكل مسمار جحاه الخاص الذي يأتي ليتفقده، رغم أنف أصحاب البيت. وعلى الرغم من أن تاريخ المنطقة يبين أن الأقليات كانت محمية من الأكثرية دومًا، إلا أن التدخل يتم باسمها أو بسببها، أو بادعاء من بعضها، في حالات كثيرة. وفي الوضع السوري خاصة، الأقليات محمية من جهة، وهي تحكم وتتحكم من جهة أخرى، وتجعل الأكثرية بلا حماية وبلا غطاء، ومع ذلك تلقى من يساعدها على البطش بالأكثرية وتهميشها. ولهذا قراءته الخاصة، ودلالاته الأوسع، وربما الأخطر.
٣ – نظام الحكم المستقبلي في سوريا، وخيارات السوريين.. أولئك الذين لن يكون لهم خيار حر، إلا في كيفية الاقتتال، والإقبال على ميادينه المشتعلة بالأسلحة الفتاكة، والنوايا السيئة. حيث سيكون كل طرف في الحوار السياسي، السوري ـ السوري، للتوصل إلى اتفاق وتفاهم وتعاون، حول قضايا كثيرة، تمتد من مستقبل الرئيس، ونوع نظام الحكم، والدستور.. إلى معالجة قضايا الجيش والأمن، والصراع على “المحاصصات الطائفية، والإثنية، والمذهبية وغيرها، تلك التي تكمن خلف واجهات الأقليات التي تثار كلما هدأت نار وتوجهت القلوب نحو استقرار. وفي هذا كله سيقف كل طرف دولي وراء الطرف السوري الموالي له، يدعمه ويعمل من خلاله على تحقيق أهدافه وحماية مصالحه.. من ثم لن يكون هناك استقلال جدي للمتحاورين، ولا إرادة حرة، ولا قرار مستقلي، ولا اتفاق حتى على إعادة إعمار ناجحة، لأن الشركات ودولها تقف وراء المتفاوضين على ذلك، وتتدخل في المفاوضات.. فالأطراف المتحاورة ستكون على علاقة وطيدة جدًّا مع الجهات التي تدعمها أو تستعملها، أو تتقاتل مع سواها، بالوكالة، من خلالهم.. كما كانت تفعل في أثناء الحرب، وستبقى تفعل إن آل الأمر إلى سلم، فتحيي الصراعات الدامية من جديد. وإذا حدث، ووقف الطرف الدولي على مسافة ما من الحوار والمتحاورين السوريين، وهو أمر مستبعَد، فإن أي طرف في الحوار السوري ـ السوري، من الأطراف التي سيحددها المجتمعون في فيينا لخوض مفاوضات سورية ـ سورية، سوف يستدعي تدخل من يقف وراءه، عندما يعجز هو عن تحقيق ما يريد داخل المفاوضات. هذا عدا رفض من لا يكون طرفًا في المفاوضات السياسية، للمفاوضات ذاتها ولنتائجها. وهكذا يفشل، أو لا يصل، الحوار السياسي التفاوضي إلى نتيجة.. ويؤدي ذلك إلى تعقيد الأمور، وزيادة الفساد، وتجدد الصراع.. ويكون ذلك كله في مصلحة الأطراف الدولية المعنية بالمسألة السورية، وفي مصلحة الكبار ومن صنعهم ويصنعهم الكبار، وتبقى سوريا، ويبقى شعبها في دوامة الحرب والصراعات والتمزقات والمعاناة.
لقد وصلت المسألة السورية إلى حد فقدان السوريين السيطرة على أي من شؤونهم، سواء أكانوا في المشهد السياسي، أم في المشهد القتالي، أم في المشهد المأساوي الذي ينمو ويكبر في الداخل والخارج، ويفترس الإنسان والأمل. وأصبحت الدول تبحث حال سوريا في غيابها، وتتكلم “باسمها”، وكأنها المريض الميؤوس منه، مسجى على فراش وحوله “ورثة؟!” من خارج إطار لحمه ودمه، يتناوشونه بادعاء الحرص عليه، وهم يريدون أكل لحمه حيًّا. الشعب السوري اكتوى حتى العظم بنار الحرب، وتجار السياسة والحرب، وفقد الكثير من الإمكانيات والقدرات والطاقات المنقذة المحرِّرة، أو تلك التي تحمي، وتبني، وترفع الظلم، وترسخ الوجود بمعناه الشامل المتكامل، والحرية ومفاهيم العدالة والقيم الإنسانية. وسوريا شعبها أولًا وأخيرًا.. وبهذا المعنى فقد ضعُفت وأُضعِفت، وبعضها هُمِّش وبعضها أبعد، وبعضها استبعِد.. ومعظم أناسها، وفق درجات ومستويات ومسؤوليات، بدت لهم المأساة على وجه من وجوه حقيقتها، وفي بعض أبعادها.. ولكن للأسف الشديد، ما زال معظم الناس مشدودين إلى الرهانات المدمرة، الرهانات الخاسرة، القتالة.. والكثير الكثير منهم يستمرون في القتال تحت رايات وشعارات تحولت شيئًا فشيئًا إلى لافتات وشعارات مذهبية، ورسخت من العداوات، ونمت من الأحقاد، ما هو أسوأ من الأسوأ. وهناك الظاهرة الأشد خطورة على البلد والشعب والمستقبل، تلك التي ترى النجاة والخلاص، لسوريا وللسوريين، على أيدٍ غير أيدي السوريين؟! بل وهناك من لا يرى خلاصًا إلا بالخلاص من سوريين، على أيدي غير السوريين؟! وهكذا تستمر الفاجعة، وتنمو، وتولد فواجع، ويعجز العقل عن الاستيعاب والتفكير والتدبير، وتعجز الأنفس والبصائر والأبصار عن رؤية تكاثر الأخطار. ومن مستنقع دم، إلى مستنقع دم، يزحف السوري وفي قلبه رعب وألم.. وعينه ترقب الآتي، لكنه لا يفك ارتباطه بالأمل، مهما كبر الألم، وصغُرَت نافذة الأمل.
إننا بعد ما يقرب من خمس سنوات داميات، ليس كمثلها سنوات شقاء لوطن وشعب، نوعَد بأشهر وربما بسنوات من الجلسات واللقاءات والمشاورات والمؤتمرات، التي قد تفضي إلى مفاوضات سورية ـ سورية، محكومة بالسياسات والمصالح والاستراتيجيات الدولية، وبإرادات لنا شبه مشلولة، حيث تتحكّم بها إرادات من يقف خلفها ويحركها، ويحميها. وليس في هذا مخرج صحي سليم، من برزخ الألم القتال المقيم، ولا من الضياع الفتاك، ولا من النفاق الدولي الذي ابتلينا به، ولا من العته والعمه المتعددي الأشكال والألوان اللذين أصبنا بهما، ولا هو بطريق الخلاص، ممن يراهنون على أرواحنا وتعاستنا ومستقبل وطننا، ويخوضون حروبًا يحققون بها “انتصارات” هي الهزائم الماحقة للشعب والوطن والمستقبل، ليصلوا إلى حلول عسكرية لمسألة يقولون: “ألا حلول لها إلا الحلول السياسية”، وفي الوقت ذاته يُدَمَّر البلدُ، ويموت الإنسان، وهم يضعون عربة السياسة أمام الحصان؟!

إلى الأعلى