الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / خصوصية الأدباء والفنانين

خصوصية الأدباء والفنانين

أ.د. محمد الدعمي

نظرًا لأن رجال الأدب والفن والثقافة عامة عصيون على الانتظام في أنظمة ماكينة العمل في المؤسسات والشركات عامة والدوائر الحكومية خاصة، يندر أن تجد من بين القائمين على إدارة المؤسسات الثقافية في عالمنا العربي من هو أو هي من أهل الثقافة والفنون والآداب. لنلاحظ هنا أن أولي الأمر عامة، هم أرباب سياسة، وغالبًا ما يصعب عليهم التعامل مع أمزجة الأدباء والفنانين المتضخمة، الأمر الذي يضطرهم حال استلام السلطة أو الإدارة الحكومية إلى تعيين من هم من أتباعهم أو مريديهم سياسيًّا، على رأس المؤسسات الثقافية، ابتداءً من وزارات الثقافة وانتهاء بمحرري الآنية الإعلامية.
يكتفي أولو الأمر، والحال هذه، بتوصية من يتعين على رأس المؤسسة الثقافية بأن يتذكر دائمًا بأنه يتعامل مع أدباء ومثقفين، بمعنى التعامل، ليس مع أفراد عاديين في المجتمع، لأن هؤلاء الكتاب الخياليين والشعراء والمفكرين يتميزون بذوات متضخمة، وليس بذوات عادية، معتقدين بأنهم مركز العالم، علمًا أن تضخم ذات الأديب أو الشاعر إنما يكون مبعثه الدفين هو “عقدة تفوق”. هو لا يخفي شعوره بأنه أفضل من سواه من العامة اضطرارًا، ولكنه يتصرف حسب آلية وذبذبة تفرض على رؤساء المؤسسات الثقافية الشعور بأنهم إنما يتعاملون مع حالات خاصة تتطلب مرونة قصوى، وكأنهم أطباء نفسيون يتعاملون مع أفراد غير أسوياء، بمعنى أنك تتعامل مع أفراد يمكن أن يفعلوا أي شيء ويمكن أن يفاجئوك بأغرب السلوكيات والإعلانات.
وإذا كان القائمون على المؤسسات الثقافية أفرادًا يحملون هوية سياسية وينفذون إرادة سياسية، وليست ثقافية أو أدبية أو فنية صرف، فإنك غالبًا ما تجد في سلم الإدارات وهو يواظب على تذكيرهم بأن “حذار استفزاز الأدباء والمثقفين والفنانين”. يكفي تحييدهم، على أقل تقدير، إن لم تتمكن من كسبهم. هذا ما انتبه إليه أولو الأمر في حالات كثيرة تستحق الرصد والتحليل، منذ العصر الوسيط في عالمنا الإسلامي: وبعكسه، فما معنى أن يزن الخليفة أو الأمير قصيدة المدح بميزان الذهب ليهدي شاعرها ما يساوي وزنها ذهبًا صافيًّا؟
أما في عصرنا هذا، فلم يبقَ الشاعر ذو الصوت المسموع والعالي هو الذي يحتكر تشكيل الرأي العام: “مع أو ضد” هذا النظام وذلك الشاخص الحكومي، باعتبار إنهاء وسائل الإعلام هذا الاحتكار لأنها الأكثر وقعًا في نفوس كتل القراء ومؤشرات تفضيلاتهم الذوقية أو الاجتماعية أو السياسية.
وإذا ما كان عصر الإعلام هو العتلة الأساس في تشكيل الرأي العام طوال حوالي قرنين من الزمن (خاصة عبر القرن التاسع عشر والقرن العشرين)، فإن قبضة الإعلام الفولاذية على الرأي العام راحت تتراخى وتضعف أمام قبضة قنوات الاتصال الاجتماعي التي أخذ الكثيرون يعتمدون عليها بدائل عن نشرات الأخبار. بل ألاحظ هذه الأيام أن هناك من الشعراء والأدباء والكتاب الذين يعمدون إلى نشر نتاجاتهم بأسمائهم على صفحاتهم الخاصة في وسائل الاتصال الاجتماعي، قافزين على سلطة المحرر وعلى مقص الرقيب في آن واحد.

إلى الأعلى