السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الهبة المنسية

باختصار: الهبة المنسية

زهير ماجد

لا يستطيع نتنياهو أن يقول لمستوطنيه أنتم في أمان تام .. يعرف أن يوميات فلسطين قتلى وجرحى منهم، والمطلوب سياسي من قبله .. أما أهل فلسطين العرب فإضافة للحقد التاريخي الذي يملكون، يمنون النفس بتصعيد أكبر، بالوصول إلى اللحظة العارمة التي يصبح فيها ضرب السكاكين بلا توقف وعلى اتساع الأرض السليبة.
من المؤسف أن تناسيا لتلك الهبة الشعبية في طريقه للتعميم. الواقع عند الإسرائيليين مضطرب تماما، هنالك تشنج وخوف، كل عربي مشكوك بأمره، كل نظرة غير طبيعية تؤدي إلى ردة فعل إسرائيلية سريعة، وكل التفاتة ليست في محلها تأخذ طابع الاستفزاز. شعب بأكمله مسيطر عليه حد السكين.
نود لو أن هنالك مدبرا يقود ضرب السكاكين بإتقان اللعبة التي لا تنتهي إلا إذا اتخذت طريق الانتفاضة الشاملة. هنالك نظرة أسى عند البعض وهم يرون شابا فلسطينيا مقتولا ودمه النازف حواليه، بينما يتعمد الإسرائيلي أن يترك الشهيد وقتا إضافيا حيث سقط وبهذا المنظر من أجل أن يراه الآخرون، ولكي يعلمهم أن نهاية مماثلة تنتظر من سيفعل فعلته، ومع ذلك ثمة من يفعل، مات إحساس الخوف عند الفلسطيني من أي مشهد كان، الروح المعبأة بالثورة لا يهمها مشهد من هذا النوع، بل يزيد عندها من حجم الغضب ومن الحقد، يدفعها أكثر إلى التنفيذ ساعة الشعور بذلك.
كل رهانات الإسرائيليين من “مفكرين” وقادة سياسيين وغيرهم باءت بالفشل دائما، إذ سقطت عندهم فكرة جيل حالي لم تعد تهمه قضية وطنه السليب، وطنه المؤسس في دمه وفي كيانه وفي حلمه وكل اهتمامه. يحتاج هذا الإسرائيلي الخائب دائما في تفكيره وظنونه أن يبدل تفكيره بالأجيال الفلسطينية التي ستظل تولد ثوارا بأشكال مختلفة .. منذ مئة عام والفلسطينيون ينقلون البندقية من كتف إلى كتف والراية الثورية من يد إلى يد، والحلم الوطني من عقول إلى أخرى .. إنها الصورة الفلسطينية الناطقة بالتعبير السري المتفاهم عليه بين أجيال لم تر بعضها البعض لكنها اتفقت على كل شيء يمت لفلسطين بصلة، أن يكون هنالك تكملة أو لا تكون فلسطين.
هي مدرسة تخرج أجيالا وراء أجيال، يولد الفلسطيني وفي دمه صور من سبقوه، وفي عينيه شرارة النصر وحلم ما سيفعل .. هي مدرسة لها لغتها الخاصة التي لا يفقهها غير الفلسطيني فتراه منذ نعومة أظفاره متقنا لها ولأسلوبها. فليست السكين التي تتحرك في يده سوى التعبير الذي تعلمه والإتقان الذي أعطاه الحيوية في فعلته.
فثوري يا جماهير الارض المحتلة “ثورتنا انطلقت قيدي من دمي للشعلة” كما تقول إحدى الأغنيات الثورية، وكما يجب أن يكون عليه الواقع الفلسطيني الذي يرابط في جرحه التاريخي ولن يتخلى عنه، ويسكن الكوفية المتمردة بكل حنينها إلى تاريخها، كما يسكن الوحي بالتغيير عقول الناشئة الذين يرهبون اليوم عالم إسرائيل كله.
الهبة الثورية الفلسطينية مستمرة لمن لم يعد يرى، أو من حاول إغلاق عينيه، أو نسي في زحمة السياسات المتلاحقة .. هنالك كل يوم عطاء فلسطيني على أرض الواقع، هنالك معركة بطلتها سكين بيد بطل مكافح.

إلى الأعلى