الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / بعيدٌ من هنا

بعيدٌ من هنا

تتسلَّق ُأصابع الفجر ِالناعس ِأكتاف الجبال المترائية من دخان سيجارته وَهْوَ يهبط الشَّارع إلى ناحية الدكَّان المسدول بالمزلاج الحديدي، وَهْوَ يرفع المزلاج، بيد ٍمتشقِّقة، لينكشف بابٌ زجاجيّ يشفُّ عتمة داخله، قبل أن يَلِجَ المفتاح في القفل، ويشدُّ المقبض على اصطفاف السِّلال ِالمبعثرة هنا وهناك. يتوَّرد ُخدَّ السماء ِبحمرة ٍتتثاءب بزقزقة ِالعصافير على الأغصان، وهدير مَكَنَة ِالشَّاحنة المتباطئة عند عتبة الدكَّان، يظهر من خصاصها الزُّجاجيّ المُغبَّر شَعْرٌ أشعث، وفمٌ متثاءبٌ، وهو يهبط من الشَّاحنة صائحاً نحو العتبة:
- تعال هوووه .. عليّ شغل ٌكثير هذا اليوم .. تعال استلم هذه الصناديق، ووقَّع على هذه الأوراق.
لم يتوانَ من تثبيت الباب مفتوحاً بقطعة خشبية لقيها قريبة، ثمَّ راح يحصي الصناديق الهابطة من بطن الشَّاحنة على المساحة التُّرابية، ويتحرَّى عمَّا في جوفها الكارتوني من الخضار، إلى أن انتهى من توقيع استمارة الاستلام والفاتورة وهو يسعل ُمتحشرجاً وينفث ُمن السيجارة المشتعلة بطرف فمه:
- هذه المرة الصناديق على التَّمام بالضَّبط .. يا ليت لو يستمر الوضع على المنوال هذا.
- أنت لا تخاف من شيء .. وما دمت ُأنا من يجيء بالصناديق فالوضع سيمضي على خير، لا تقلق .. أراك غداً .. المشوار طويل اليوم.
استضاء قرص السَّماء ِالمتمدِّد عبر السُّحب البيضاء المتناثرة، وأدار ظهره إلى الدَّاخل حيث الصَّناديق المتراكمة وكومة الغبار المتفشَّى في عتمة ِالزَّوايا المتصاعدة بظلال الأفق ِعلى صدر الدكَّان، ثمَّ أشعل عقب السيجارة وعبَّ من اشتعالها المتوهِّج نفساً نافثاً لدخان ٍيتلوَّى في تقاسيم الفراغ. وصيحات الأولاد قرب الباص المتوقّف عند الزَّاوية المحاذية لزاوية الدكَّان، والهدير الصَّاخب لتوقُّف ِشاحنة النفايات قرب الحاوية الضخمة، والسعلة المفتعلة من خنجرة ِرجل ٍيقف على العتبة،ِ عن عصا ترتجُّ يده عليها، وعن خطوةٍ متثاقلة ٍتتخطَّى العتبة بصعوبة انحناء ظهره المحدَّب، وخشونة ثقل نبرته تمزّق كومة الغبار المتفشّي:
- العوض على الله! لا حيلة ولا قوَّة على المشي إلى هنا .. ألم الركبة والظَّهر .. هات، اسمع، العملية الجراحية التي سمعناها صحيحة .. يقولون جرَّبها مسنُّون آخرون ونجحت ْتماماً .. ما رأيك؟! .. ما بقى من العمر بقية على كلِّ حال.
طنين ُالذُّباب ِقريباً، طنين ٌأزيزيّ مزعج يحاذي نفسَ السيجارة المشتعلة، والرَّجل المنحني الظَّهر يقتعد أقصى الرُّكن، مقرفصاً، لا يعدو أن قال بصوته المتحشرج الثقيل:
- لا تفكر .. نحجز غداً، ونسافر الأسبوع القادم إذا اقتضى الأمر .. الكبر والعجز لا يرحم، والعملية يقولون أكيدة، نسافر إلى هناك، ونرجع شباباً وبصحة وعافية، وماذا تريد أكثر من هذا!! .. اسمعها مني ولا تفكّر حتَّى.
لا تتجاوز الأنحاء المترامية الأفق عن محيط الحارتين القريبتين من هنا، وهذا السُّوق الصَّغير، وذاك الشَّارع المتلوّي إلى أسفل المنحدر بعيداً حيث تتلألأ أنوار المدينة هناك. وإذا كانت حقيقة ضآلة البقعة الجغرافية هذه واضحة،ً إلا أنَّ الأقوال فيها تنتشر ناراً متسارعة، ولا تفوت ُأن تدوي في جوِّها لتهدأ بعد ذلك وتموت، لتولد مرة أخرى وتلاقي ذات المصير. لكن، هذا الخبر مختلفاً، أكَّدهُ الكثيرون ممن عادوا من هناك، من القارة البعيدة، شباباً جديداً، بعد أن خرجوا إليها، مسنُّون جدًّا.
الرَّجل المنحني الظَّهر يسعل ُبشدَّة، ينهض ُبتثاقل ٍشديد متِّكئا بارتجاج عصاه في يده المتشققة. وقبل أن تستقرُّ عصاه واقفة ًبجسده المترهِّل، حتَّى أطفأ عقب السيجارة على صحن على صحن المنفضة المعدنية، واستمهله ُبإشارة ٍمن سبَّابته قائلاً:
- لحظة! لحظة! أجلس، دعنا نفكر في الموضوع قليلاً.
الشَّمس ُيستقرُّ وهجها على ستارة الدكَّان، وطنين الذُّباب ِما يزال يطنُّ حولهما، ورماد السيجارة ما يزال مشتعلاً على المنفضة المعدنية، فيما طيور الأفق ما تزال على قرص ِالسَّماء المترامية تزقزقُ مبتعدة ًعن الدكَّان، عن السُّوق الصَّغير، عن الحارتين القريبتين من هنا.

منهل الرئيسي

إلى الأعلى