الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قصص قصيرة جدا

قصص قصيرة جدا

مكالمة لدار نشر

اتصال هاتفي في منتصف الليل، يرفع مدير دار النشر الهاتف، وبكل أريحية يتوقّع اتصال الكاتب القلق على ظهور كتابه في حفل الدار، صوت غليظ من الضفة الأخرى: “هل حفل توقيع مجموعة (في انتظار الربيع) غدا مثلما أعلنتم؟”. المدير باندفاع: “نعم، غدا في الساعة السابعة تحديدا”. المتصل: “ممتاز”.
الكلمة التي تحمل اهتزازات كثيرة، ومعاني غير مريحة، أعقبها: “نتمنى لكم التوفيق” جملة أخيرة، وجدت طريقها للسانه، وتبعها بجملة: “لوجود الكاتب في ضيافتنا، نقترح أن يؤجل التوقيع في الوقت الحالي”.
وبكل بساطة ختم مكالمته “سنبلغكم بالموعد الجديد متى نزل المطر علينا، وعليكم أيضا، برحمة”.

عين حمراء
“صوتك يا هذا نشاز” جرذ تلمع عيناه الحمراوان، ويصرخ على صرصور في زاوية البيت الكبير، الصرصور مندمج في الغناء. “إن لم تسكت سأرتكب فيك جريمة”. وصل صوته للزوجة الفأرة، خرجت من مكانها تتمخطر، وبعين باردة نطقت “أنا من أمرته بالغناء فصوته يعجبني”.
انكمش الفأر في مكانه، وذاب في حجمه، فمسح الصرصور على شاربه، وأكمل غناءه.

خلاط
قدري أن يمتزج كل شيء يدخل جوفي. بسرعة وبدون سابق انذار يتحول الصلب إلى سائل، والقوي إلى ناعم، والضعيف إلى ذرات.
وأنا.. أنا.. أكتب عن كل الذين يدخلون في الخلاط. مجرد صحفي، فهل أكون شيء آخر غير الذي خلقت له!!!
هروب
كان ترتيبها السابعة على مستوى أخواتها، انسحبت في الليل، وفي يدها حقيبة صغيرة مبللة بالدمع، كان المصباح الوحيد الشاهد على هروبها، وحملت معها أيضا قلبا يتكسر منذ سنوات تحت قدم أخيها يمارس يوميا رفع كلمة لا في وجه خاطبيها.
قررت أن تلقي خلفها التاريخ المشرّف لعائلة من عوانس.

صوت من داخل قبر
تسمع أصوات من داخل قبره. سمّي بقبر المسحور. وبعض المتشدّدين أطلق عليه بقبر المعذب في الأرض.
مشكلته الوحيدة إنه مات في الصحراء وإلى جواره (غرشة) خمر، فهل من العطش شربها؟ أم هي السراب الذي جمع كل قواه نحوه، ولما وجدها خالية خرّ صريعا، أم كانت فعلا رفيقته في آخر مشوار إلى دخل جوفه؟!.
أقاويل لم تهدأ، والقبر ما زال يخرج أصواتا أشبه بالصفير، وكأنه قنينة يدخل الهواء بداخلها، فتنفث ذلك الصوت مثل الصرير. ولما سئل الشيخ الجليل قال: الله العليم.

صدفة قاسية
ورقة نقدية من فئة المائة بيسة رماها في وجهه بعد الحاح السؤال. ذكّره بها الجرّاح الذي كان يتيما، واليوم كبر، عندما عرف اسمه وسأله أين يسكن. أخبره عن الحادثة وكيف هو يومها كان محتاجا فعلا لمائة بيسة لشراء قلم. أحمر وجهه المريض خجلا، واصل الجراح شكره لأنه بيده الممدودة تلك تعلم.
استند المريض إلى سريره داعيا ربّه بأن يكون بيد الجرّاح شفاء قلبه.

أحلام الإشارة الضوئية
انتهت مناوبته في الساعة الثالثة صباحا. حمل حقيبته، وزوجته إلى السيارة. كانت وجهته القرية التي يعشق كل ما فيها. أمام أول إشارة مرورية غازله النوم. ثاني إشارة قاوم بصوت المذياع. ثالث إشارة طلب من رفيقة دربه أن تكون الحارس لهما، وبمجرد رؤية اللون الأخضر توقظه وينطلقان. توقفت كل حواسه، وغادرت زوجته معه في رحلة الاحلام. “شاهدنا جثتين هامدتين داخل سيارة” هكذا تم ابلاغ الشرطة. بعد أن استنفدت أبواق السيارات صبرها، ومع قوة صراخ المارة لم يرمش لهما جفن. ثلاث سيارات وصلت لمكان الجريمة: الإسعاف والشرطة والدفاع المدني، وختم المصور الصحفي وصوله متأخرا بعض الوقت بحجة أن الجريدة تحت الطبع. الطرق الحاد على الزجاج أفاق الزوجان. هرب فجأة كل من وقف حول السيارة. نزلت النافذة ببطء والعيون تلمع احمرار من داخلها. تسلل الشرطي بسؤاله من بعيد ” ماذا حصل لكما؟! تفاجأ الرجل بوجوه كثيرة تحدق بهما. “سيدي أنا شرطي وكنت في مناوبتي للفجر، وطلبت من هذه الشقية التي تشخر إلى جواري، بأن توقظني بعد أن أخذ إغفاءة، فسافرت معي كما ترى”. انفجر بالضحك كل من في المكان. شفع له طريقته في تقليد الميت الحي من صدور استمارة المخالفة، ولكن على وعد أن يقف على جانب الطريق، ويكمل ما تبقى له من الأحلام.

قسوة
لسانها قاس، ولكن قلبها رحيم..
قرّرت ذات عمر: “إذا تزوجت هذا لا تمش في جنازتي” بذلك زادت المسافة التي بينهما!

سيارة الرفاهية
في عامي الأول الكلّ يتباهى بي، ويتمسح بي، والمدح لا يتوقف عن ذكر محاسني، ويفضلني الجميع في الرفقة. أنتشي بالسرعة والإعجاب والفخر لذا أجعلُ الأوراق تتطاير من حولي، والغبار يتراقص في الهواء.
بعد ثلاثة أعوام يتسلل الملل إلى نفسي، ولا يقودني الا من ضاقت يده، وأصبح مثل حالي لا يملك قرارة نفسه سوى سائق خلف مقود، وظيفته. من يومها انتظر الكلمات تتحول بي من جسم متحرك إلى ساكن وخردة على أرصفة ورشة.

عنوان ربيع
” مطلوب في المحكمة الابتدائية” هكذا حمل الاتصال له الخبر المفجع، بعد نشر الإعلان في الجريدة الرسمية. اسمك الثلاثي “ربيع”. محاولات كثير بُذلت للوصول لعنوانك لم تفلح أي منها. ” “وهل توجد عنونه صحيحة يمكن الاستدلال بها في المدينة؟ حُررت له ورقة كتب حبرها المدعي العام بالمحكمة. زاد من حرارة اسئلته “ما هي تهمتي وسبب استدعائي؟” اتضح من الأوصاف المكتوبة لدى المحكمة، وعنوان المكان الذي يقطن فيه بأنه الرجل صاحب العنوان الخطأ. ” الحمد لله تاريخي مشرف لم أدخل باب المحكمة من قبل”. كلماته المريحة، قابلها ردة فعل غاضبة من المدعي العام بالمحكمة الذي انفجر فيه ” كان ذلك قبل أن تقع في مخالفة عنوانك يا ربيع. أنت الآن متهم بالصوت والصورة بانك تجاوزت بتهجمه على السلطات ووصفتها بانها لا تجيد وضع العنونة!

فجل
قضية خلع رفعت في المحكمة على الزوج، بأنه يكثر من أكل الفجل قبل النوم. وافق القاضي على قبول الطلب شكلا باستكمال الإجراءات، مع عدم التنفيذ الا بعد انتهاء موسم جني محصول!

حظوظ
نملة سيئة الطالع. كان يومها من أوله لآخره تقذف بقطعة خبز أمامها لتقودها لمملكة النمل بتفاخر. كان صيدها الأول طوال عمرها في العمل. بعد أن وصلها الإنذار الأخير بالطرد. مخاط عجوز نزل عليها متناثرا، وعجن لها كل ما جمعته في ثواني، فخرجت بروحها فقط.

مغامر
كان يدفعُ نحو حتفه. لم يسمع لنداء عقله. فدخل عرين الأسد برغبته، فتحقق مناه، بأن سجلت حالته لأشهُر بأنه “الميت الذي ما زال حيا”. محاولات كثيرة وتدخلات عاجلة عُملت لإنقاذه -أجريت له سبع عمليات، لفتح الفم، والعينين، والأذنين-ولكنها جميعا لم تُفلح! ولم يرض الا بتوقف قلبه!؟

د . سعيد محمد السيابي

إلى الأعلى