الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة التشكيلي المغربي المغترب عادل حواتا

قراءة في تجربة التشكيلي المغربي المغترب عادل حواتا

عندما يرفض الأثر الفني… حدود وجغرافيا الوجود

لطالما مثلت هواجس الفنان المرتبطة ببيئته وثقافته المحيطة المحدد الأبرز لأهم سمات فكره، فسواء كان رافضا لهذا الواقع أو متماهيا معه فهو ينتج وفقه آثاره الفنية التي يصوغها بطريقة مبتكرة يختزل من خلالها هذا الواقع إلى أعمق درجات التجريد ليخلق عوالم جديدة وفضاء اكبر للتّخيّل.
حيث يقول فرويد في كتابه حياتي والتحليل النفسي”ينسحب الفنان كالعصابي، من واقع لا يرضي إلى دنيا الخيال هذه، ولكنه على خلاف العصابي يعرف كيف يقفل منه راجعا ليجد مقاما راسخا في الواقع…” وهذا القول ربما ينسحب على ما يمارسه الفنان التشكيلي المغربي عديل حواتا والذي ولد بالمغرب سنة 1978 تحديدا بالدار البيضاء أين درس الفنون التشكيلية ومن ثمة سافر إلى بلجيكا ليواصل مغامرته الفنية وفق برامج مختلفة. تعكس أعمال هذا الفنان نظرته وموقفه من عدة قضايا تمسّه مباشرة فقد جرب كثيرا الاشتغال على قضيّة الحدود التي تفّصل عدّة ثنائيات، حيث شحن أثاره الفنيّة بطاقة رفض كبيرة لما يحدث اليوم من صراعات وحدود جغرافية ، رصدت من خلالها ملامح الفنان وعلاقته بالحياة والجغرافيا التي تحيط بنا إضافة إلى “الفلاش باك” الذي عادة ما يعيد الفنان إلى أبرز لحظات الطفولة وتمثلات الماضي بتفاصيله المختلفة التي خزّنتها ذاكرة الفنان.
فمبدع الأثر الفني يتأثر وينتج وفق سياق تاريخي اجتماعي وثقافي…وهذا ما يجعل دلالات الأثر نسبية قابلة لتعدد القراءات والتأويلات وهذا بدوره يثري قيمة الأثر ويعطيه أبعادا إضافية. لذلك يقف متلقي آثار عادل حواتا الفنية أثناء قراءتها على عدة تفاصيل تعد من أهم قواعد البناء التشكيلي لديه.

*جدليّة اللّون والشكل فعل مؤسس :
هندسة شكلية ولونية تختزل في ثناياها الكثير، فطبائع الموجودات هنا على هذا المسطح متعدد الملامس والحياكات هي صور لماهيات أخرى جاءت لتضيف إليها ما ينقصها لأنها تمتلك في ذاتها أبعادا جمالية. حيث تظهر لنا أعماله الفنية على النحو الذي أراد إظهاره للمتلقي بحيث يسعى من خلال هذه الجدليات إلى خلق فضاء هندسي يمكنه من التواصل معه وتمكينه من عدة فرضيات للتحاور.
هذه الجدلية اللونية والشكلية التي تجتاح كيان اللوحة تتجلى من خلالها التباينات صريحة ومباشرة حيث أحدث ديناميكية في تكوينات الفنان فتارة تغرق اللوحة في الألوان وتجتاح الأشكال كسيل ينهمر فيأخذ في طريقه الكثير من تفاصيل الأشكال والرموز والعلامات لتبدو لنا محرّفة مشوهة نوعا ما، وأحيانا أخرى نراه يحدد جيدا مساره اللوني والشكلي فيتلاعب كما يشاء بجغرافيا اللوحة التي يرسم لها حدوده الخاصة، كما يتركها منفتحة أيضا في كثير من الأحيان. تتنوع تركيباته داخل إطار اللوحة فمنها ما يأخذ المركز ومنها ما يتركّز على الأطراف يمينا أو يسارا ومنها ما يمثل قاعدة اللوحة أو يعتلي سطحها، ومنها ما يحتلّ و يشّغل كامل فضاء اللوحة. يختزل عادل حواتا من خلال تراكيبه الهندسية بحرفية بالغة الوجود ضمن تكوينات يجتمع من خلالها الشكل واللون كتوأمين ملتصقين يكملان بعضهما لإدراك كنه الجمال الساكن داخله والمحيط به، تظهر لنا هذه التكوينات المتكاملة جينيا للوهلة الأولى وكأنها مرتجلة نابعة من لاوعي الفنان، لكن المتأمل جيدا يمكن أن يقف على خضوعها لذهنية غاية في الدقة بحيث لا مجال فيها لتحريك شكل أو لون من مكانه لأنه يفقد حينها العمل توازنه و قوته التكوينية، وهذا يدل على دقة بالغة نابعة من غوص الفنان داخل أعماقه كإنسان لاستخلاص جوهر الإشكاليات الراهنة التي تسكنه ومثلت هاجسا دفع بالتصعيد قدما.
يدرك عادل حواتا إشكالياته روحيا قبل أن ينقلها على سطح لوحاته بحيث يخلق من خلالها جغرافيا تشكيلية جديدة للكون ويختزل من خلالها الوجود، فهذا الفنان مسكون بهاجس إنساني فيّاض هاجس الحدود، وتجاوزها نحو المطلق ربما حدود بين السماء و الأرض، بين اليابسة والمحيطات بين الثقافات والديانات، بين البشر، بين الأجساد…ربما هذا ما يفسر ميله إلى الألوان الترابية بمختلف تدرجاتها والأزرق بمختلف تجلياته، ألوان حارة وأخرى باردة إضافة إلى الحضور الكاسح للأبيض والأسود كقيم تغذي وتتغذى من روح الأثر. وكذلك ميله إلى اختزال الكون في أشكال هندسية هي المربع و رمزية احتوائه والدائرة وكونيتها والمثلث ولا محدوديته والسهم وسحرية حركته والعلامات وبنيتها المتقاطعة… وخطوط لا محدودة لا متناهية تعبر نحو المطلق أشكال وألوان متعانقة ومتضادة في تناسق بهيج تنبئ بإنصهارها في أي لحظة.
جغّرافيا الأثرّ الفني:صراع الملامس والحياكات:
فيما يخص الملامس والحياكات تميزت أعمال عادل حواتا بكثافة عالية في هذا الجانب، حيث نوع الفنان من أدوات الرسم التي اعتمدها ولكل أداه أثرها وفعلها على سطح اللوحة فاعتمد عادل الحبال والقطع المعدنية وكثير من الأسلاك و كل ما تقع عليه يديه من بقايا علب وأغطية وكرتون الخ… ليؤثث من خلالها سطح لوحاته بتركيبات يغير فيها حتى يصل إلى تركيبته النهائية من ثمة يضع ألونه أين يجب أن تكون لتنسحب فيما بعد أدواته ببطء من فوق المسطح كمن يهاجر موطنا ظنه مثواه الأخير فتترك حدودها وأهم سماتها كآثار شكلية ترسم ملامح هذا العالم الجديد وتتسرب من تحتها بعض الألوان التي تعطي قراءات إضافية وإضافات عفوية لهذه الصرامة التي تميز وتعم المكان. بمثابة أشكال هندسية تؤثث مساحة الفعل، هندسة شمولية ملخصة إلى أقصى درجات الاختزال فقد نهل عادل حواتا الكثير من الهندسة الجغرافية فجعل لإشكالياته المخفية لغة مرئية، صورا تتجاوز المألوف نحو التعبير الجمالي المغرق في التجريد. تمكن من خلاله الفنان من إيجاد ذلك الحبل السري الذي يربط الفن بالحياة حيث عمد إلى خلق تحولات جغرافية هائلة وبناء تكوينات خاصة قوامها خطوط ومربعات ودوائر وأقواس ومثلثات وأسهم وعلامات…سافرت كاستعارات ومجازات إلى عوالم التشكيل وهذا ما أعطى أشكاله وألوانه وملامسه استقلالية كبيرة داخل إطار اللوحة فداخل جغرافيا لوحات عديل حواتا لا شيء ساكن كل شيء متحرك وكأنه صراع بين مكونات اللوحة السابق ذكرها من يحتل الرقعة الجغرافية الأكبرّ، صراع بين أشكال هندسية و أخرى غنائية بين النور والعتمة بين المادي والروحي بين درجات لونية قاتمة و أخرى مضيئة بين الناتئ والغائر بين الأملس و الأحرش…وكأني بعادل حواتا يخطف تناقضات الكون وحدوده ليعكسها بأسلوبه الجمالي الذي يخفف من حدّتها. حيث يبني لوحته هندسيا بالشكل واللون والملمس والضياء لتصبح متماسكة تعكس قوة هندسة صورة الطبيعة مترجمة رحلة البحث عن أسرار الجمال من خلال دراسة الأجسام و الموجودات و المبالغة في انحرافات بعض الخطوط والتركيبات اللونية والشكلية لتحقيق الانزياحات الفنية الممكنة.
عادل حواتا…فنان يرسم الكون بشكل موجز وأنيق ودقيق… هنا على هذه الرقعة الجغرافية الافتراضية (اللوحة) يحتفي هذا الفنان بتناسق المتضادات.

دلال صماري

إلى الأعلى