الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

اليعاربة والفرس … وصراع المصالح في الخليج (2)

لم تدع فارس سبيلاً إلا وسلكته من أجل إضعاف القوة البحرية العمانية، بل كانت رغبتها في ذلك من أهم الأسباب التي دفعت بها إلى احتلال بعض المقاطعات العمانية، وحدث ذلك على عهد نادر شاه ، وقد يكون من المفيد قبل أن نصل إلى ظروف هذا الاحتلال التي استطاعت به فارس أن تحرز سيطرة مؤقتة على عمان، أن نسجل هنا استمرار المحاولات الفارسية للحصول على دعم أوروبي لها، إذ أنه على أثر فشل فارس في الحصول على مساعدات بحرية من شركة الهند الشرقية الإنجليزية، قررت الالتجاء إلى فرنسا، وكان ذلك على عهد لويس الرابع عشر حيث تم توقيع معاهدة بين فارس وفرنسا في عام 1708م، كانت تحتوي على بعض النصوص السرية التي تقضي بأن يقوم الفرنسيون بإرسال أسطول لمساعدة فارس في احتلال مسقط.
وعلى الرغم من توقيع تلك المعاهدة، إلا أن فرنسا ترددت كثيراً في تقديم تلك المساعدة وتركز الكثير من المصادر على الجهود الكبيرة التي بذلها الشاه لكي يحث فرنسا على تنفيذ المعاهدة، من ذلك ما يذكره ماسون Masson في كتابه عن التجارة الفرنسية، أنه في عام 1714م أرسل شاه الفرس مبعوثاً إلى لويس الرابع عشر لكي يطلعه على الصعوبات التي تتعرض لها فارس، ولكي يعقد محالفة مع فرنسا بقصد القضاء على قوة عمان البحرية، ويضيف فلاسون Flasson بأن تمنح مسقط بكافة تحصيناتها إلى الحكومة الفرنسية، كما التزمت فارس بأن تبذل أقصى ما في وسعها لطرد الدول الأخرى المنافسة لفرنسا في سيطرتها على طريق الهند.
وفي أغسطس 1715م تم التوصل إلى اتفاقية بين البلدين كانت أهم ما تنص عليه إعفاء الفرنسيين من دفع رسوم الاستيراد والتصدير، وعدم تحديد حجم تجارتهم ومنحهم نفس الامتيازات التي تمنح مستقبلاً للدول الأوروبية الأخرى، لكن هذه الاتفاقية لم توضع موضع التنفيذ، إذ رفضت حكومة الشاه المصادقة عليها بسبب عدم الإشارة إلى قيام تحالف بين فرنسا وفارس، وعلقت فارس المصادقة على تلك الاتفاقية إلى حين وصول السفن الفرنسية إلى الموانئ الفارسية، وحينما وصلت بعض السفن الفرنسية إلى ميناء بندر عباس في عام 1721م، تم التصديق على المعاهدة التي طال انتظارها، بيد أن الانتصار الذي حققته الديبلوماسية الفرنسية كان انتصارا قصير الأجل، إذ سرعان ما تطور الموقف بشكل حال دون تمكن فرنسا من انتزاع أية فائدة من تلك المعاهدة، ولعل فرنسا اتجهت بعد ذلك اتجاهاً معاكساً حين عملت على تطوير علاقتها بمسقط، وزيادة حجم تجارتها مع عمان عن طريق مستعمرتها في جزيرة موريشيوس ، وكان السبب في ذلك يرجع في الدرجة الأولى إلى الفوضى التي اجتاحت فارس وأدت إلى غزو الأفغان لها في عام 1722م.
ولما كان الغزو الأفغاني لفارس قد أسفر عن انهيار واضح لمركزها في مياه الخليج، فقد حاول نادر شاه بعد تحرير بلاده من الاحتلال الأفعاني، وعقب وصوله إلى السلطة، والغائه الأسرة الصفوية الحاكمة ، تقوية مركز فارس في الخليج العربي ومن ثم عمد إلى تأسيس أسطول فارسي لم يكن لفارس عهد به من قبل.
وقد بدأ نادر شاه يوجه اهتمامه نحو انشاء ذلك الأسطول منذ عام 1734م، حين أرسل لطيف خان إلى ميناء بندر عباس، وحمله بضعة رسائل إلى ممثلي شركتي الهند الشرقية الإنجليزية والهولندية، يخبرهم فيها بأمر تعيينه للطيف خان قائداً للأسطول الفارسي، وطلب في تلك الرسائل من ممثلي الشركتين مساعدته في شراء بعض السفن، وفي نفس ذلك العام أصدر نادر شاه تعليماته إلى لطيف خان بتوسيع ميناء بوشهر، بهدف استخدامه قاعدة للأسطول الفارسي المتوقع إنشاؤه.
والجدير بالذكر أن لطيف خان قد ألح على ممثلي الشركتين الإنجليزية والهولندية بأن استجابتهم لرغبة الشاه هي الضمان الوحيد للابقاء على امتيازاتهم، مما اضطر الشركتان الإنجليزية والهولندية إلى تقديم بعض السفن اللازمة لتأسيس الأسطول الفارسي.
كما كان الانتعاش البحري الفارسي مرتبطاً أيضاً بتردي أسرة اليعاربة في مشكلاتها الداخلية وصراعاتها الأسرية، مما أدى إلى انهيار تفوقها البحري، وهو الأمر الذي سيدفع بنادر شاه إلى احتلال عمان وتأسيس سيادة فارسية شاملة عليها، وهذه المحاولة لها أهميتها الخاصة، وذلك لأن عمان كانت أهم قوة محلية في الخليج العربي، ومن ثم كان القضاء على قوتها واحتلال مقاطعاتها يعد نجاحاً كبيراً لنادر شاه، إذ أن ذلك كان يخلصه من أكبر منافس له في زعامة الخليج، بيد أن ذلك الدور الذي قام به في تاريخ بلاده كان مرتبطاً بحياته، إذ إنهارت القوى البحرية الفارسية في أعقاب اغتياله في عام 1747م، وعادت القوى العربية البحرية تستأنف نشاطها من جديد.

محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ الحديث والمعاصر
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى