السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الجزائري بشير مفتي لـ ” اشرعة ” : ما يهمني في الكتابة ” هو ما ينهش الإنسان من الداخل”

الروائي الجزائري بشير مفتي لـ ” اشرعة ” : ما يهمني في الكتابة ” هو ما ينهش الإنسان من الداخل”

مادمت أكتب فهذا يعني أنني أقاوم، وأواجه الظلام..
رواياتي سوداوية بالفعل، والعناوين تعكس ذلك جيداً..

دمشق ـ من وحيد تاجا :
قال الروائي الجزائري بشير مفتي إن البداية كانت مع القراءة، وهنالك من يكتشف عبر القراءة أنه يستطيع الكتابة وهنالك من يكتشف فقط أنه قارئ كبير.. واعترف في حواره الجميل مع ” اشرعة ” ان رواياته سوداوية بالفعل.. وأضاف مستدركا : ” ولكن مادمت أكتب فهذا يعني أنني أقاوم، وأواجه الظلام، أي أبث الأمل في النفوس والرغبة في الحياة رغم كل شيء ..واعتبر المفتي ان شجاعة الكاتب أن يستمر على قيد الحياة ويناضل بأفكاره ومواقفه ويبدع في مجالات إبداعه.
ويعتبر بشير مفتي احد اهم الروائيين الشباب في الجزائر ولد عام 1969 بالجزائر العاصمة بدأ الكتابة في منتصف الثمانينيات، نُشرت أول أعماله في العام 1992، وهي مجموعة قصصية بعنوان “أمطار الليل”، ثم تلتها أعمال روائية من بينها “المراسيم والجنائز” ، و”أرخبيل الذباب” ، و “بخور السراب”٬ و”أشجار القيامة”. و”خرائط لشهوة الليل”. ” و” دمية النار “، ” أشباح المدينة المقتولة “. سيرة طائر الليل

* كيف كانت البدايات .. ومن هم الكتاب الذين تركوا أثرا فيك وشكلوا مرجعيتك..؟

** أتساءل بدوري متى جاءت الكتابة، ومتى بدأت أستوعب أنني انخرطت في هذا الشيء الذي يصعب تحديده، ذلك أنني يوم بدأت أكتب كان فقط لتلبية حاجة ملحة للتعبير عن النفس، وأظن لم يكن يخطر ببالي أنني سأصبح “كاتبا” أي ذلك الشخص الذي سيخصص معظم حياته للكتابة، لم يكن هدفي أن أصبح كاتباً، هذا كان شيئا بعيدا أو يشبه الحلم، أو كان حلماً مستبعداً نظرا للظروف التي نشأت فيها، وهي ظروف اجتماعية صعبة، لم تكن تسمح بمثل هذا النوع من الأحلام، فأنا أنتمي لعائلة فقيرة، وبسيطة، وكان أقصى ما يتمناه لي الجميع من خلال التعليم أن أحصل على عمل وأساعد في مصاريف البيت، لكن حدث شيء مفاجئ في الطريق، حين اكتشفت القراءة، ومن خلالها اكتشفت طريقي، اقصد هذا العالم اللانهائي الذي هو الأدب، حيث أصبت بضربة عشق صاعقة لم افطن منها حتى الآن، وهي التي سيرت خطواتي بهدوء وبطء، وتوتر مرات أخرى وجعلتني أكتب ما كتبت .. أو أنخرط في هذا المسار المعقد والجميل، ولكن دون كذب على النفس أو إدعاء، أو مراوغة، لأن قراءة الكتاب المتميزين كانت تجعلني أشك، وهي حتى الآن تخلق بداخلي الشك، وأنا أطالع كثيرا وأنهل من منابع كثيرة، ليس الأدبية فحسب بل حتى الفلسفية والتاريخية والفنية..وأعتقد أن القراءة بالرغم من أنه من شأنها أن تساعدك على الفهم والنضج تدخل في عقلك وقلبك الريبة من الأشياء التي تكتبها، تظل تنظر لها دائما بنقص.
أحببت كثيرا قصص كافكا، روايات ميشيما، أرنستو ساباتو، ألبيركامو، سارتر.. فلسفة هيدجر، نيتشه، سيوران ..أحببت قصص غسان كنفاني، عوالم جبرا ابراهيم جبرا، قصص ابراهيم اصلان، روايات نجيب محفوظ، روايات محمد ديب، “نجمة” كاتب ياسين ..مقالات المفكر المغتال بختي بن عودة..الخ
نعم يمكن القول أن البداية كانت مع القراءة، وهنالك من يكتشف عبر القراءة أنه يستطيع الكتابة وهنالك من يكتشف فقط أنه قارئ كبير.

* منذ مجموعتك القصصية الأولى “أمطار الليل” 1992، لفت أسلوبك الجميل في استخدام اللغة نظر القراء والنقاد، والتي كانت اقرب إلى الشعر منها الى السرد الكلاسيكي. وسؤالي بداية عن اللغة في أعمالك .. ورأيك في تلاشي الحدود بين الأجناس الأدبية..؟

**أعتقد أن اللغة مكون أساسي من مكونات النص الأدبي، ولكن لا أظن أن النص الأدبي يكتفي باللغة فقط كي يكسب مشروعيته، الأدب كل متكامل، ويجب أن يكون فيه اهتمام بكل الأركان التي تشكله في نهاية المطاف، ومن جهتي لم أهتم باللغة كما قد تجد هذا الاهتمام عند كتاب ربما غلب عليهم الجانب اللغوي الشعري أكثر من غيره، مثلما هو الشأن مثلا مع حيدر حيدر، فاللغة تصبح هي العالم الأكثر حضورا وظهورا في نصوصه القصصية أو الروائية رغم أن الروايات التي كتبها تحمل مواضيع تاريخية وسياسية واجتماعية مختلفة، ونفس الشيء ربما ينطبق على تجربة متميزة في السرد العربي تحضرني الآن وهي تجربة سليم بركات مثلا، إنهم نوعية من الكتاب على اختلافهم يذهبون باللغة إلى أقصى حدودها، ويمنحونها بهاءًا قل له نظير، أما في تجربتي فاللغة حاضرة ولكن برؤية مغايرة فمنذ قصص أمطار الليل 1992 وقصص الظل والغياب 1995 حتى أول رواية 1998 كانت اللغة تبحث عن خصوصيتها، وكنت مقتنعا بفكرة أندريه جيد أن ما يهمني في الكتابة ” هو ما ينهش الإنسان من الداخل” ولهذا جاءت لغتي في الكتابة لغة داخلية، فهي تتعمد الحفر في داخل الروح البشرية وعادة ما تسرد رواياتي على لسان الراوي أو أبطال الرواية، فهم ينقلون العالم من زاويتهم الخاصة، ومن خلال بوحهم الخاص، وهذا يجعلك تنظر للحقيقة كما للحكاية على أنها مسألة ذوات نسبية وليس حقيقة مطلقة.
أما بالنسبة لتلاشي الحدود بين الأجناس الأدبية فأنا أعتقد أنني ذهبت للرواية لأنها جنس أدبي مفتوح على مختلف الأنواع الأدبية وهو يسمح بالاختراق والتنوع ويستطيع أن يكون بالفعل فسيفساء لكل الفنون والآداب، وهذا يعطيك كروائي فرصة أن تفعل ما تشاء، وتجرب ما تُريد، هي أرض للاحتمالات وفضاء للتعدد، وهذا ما أهلها أن تكون أدب العصر الذي نعيشه من دون منازع.
أتذكر غارسيا ماركيز عندما قرأ “المسخ” لكافكا التي يتحول فيها بطله غريغوري سامسا إلى خنفساء أنه اكتشف خصيصة مهمة في الأدب أننا نستطيع أن نفعل به ما نشاء من خلال “التخيل” وربما كان ذلك مرجعا من مراجع الواقعية السحرية في أميركا اللاتينية لاحقاً.

* أول ما يلفت النظر في رواياتك هي الأسماء “المراسيم والجنائز” أرخبيل الذباب” بخور السراب” خرائط لشهوة الليل”.. ” أشباح المدينة المقتولة” ..كيف تختار الاسم .. وهل يكون هو المدخل للرواية عندك..؟

** لم يحدث ولا مرة واحدة أن جاء العنوان قبل الانتهاء من كتابة الرواية، ومن جهة ثانية لا أطيل التفكير في العنوان، فأنا أجده مبثوثا داخل التفاصيل الداخلية للرواية وهو يكون أمينا في التعبير عن عوالم الرواية وأجوائها وحالات شخصياتها النفسية، وهي عناوين تجعل القارئ يعرف ماذا ينتظره مع كل رواية، فأنا لا أمارس عليه الخداع، فرواياتي سوداوية بالفعل، والعناوين تعكس ذلك جيداً، لأنها مرتبطة بالحديث عن مراحل محددة من تاريخ الجزائر المعاصر حينما سادت فيه حرب قاسية وحكمه منطق عنف متوحش. ورغم أنني أكتب عن الجزائر إلا أنها وجدت صدى عند قراء عرب ولم استغرب ذلك لأن الأوضاع العربية متقاربة كثيرة عند الحديث عن قمع الحريات أو الاستبداد أو ظلم النساء أو قصص الحب ومآلاتها الفاشلة..أو العلاقة المشوهة بين الديني والحياتي، وهذا جيد في حد ذاته، لأنني تعرفت على مدن وبلدان عربية كثيرة من خلال أدبها قبل أن أزور بعضها ويهمني أن يعرف القراء العرب الجزائر من خلال كتاباتي الروائية حتى لو أعطتهم الانطباع أننا بلد يعاني كثيرا، لكن الحياة تولد حتى في دوائر الألم وتستمر رغم أنف السواد.

* شكل المثقف ومواقفه من الأحداث والواقع والمرأة والحب محورا أساسيا في كل أعمالك تقريبا .. ويرى البعض انك ” ظلمته” أحيانا .. ؟

** في الرواية لا أدري إن كنا نظلم الشخصيات التي نكتب عنها، أو حتى نحاكمها نحن نحاول أن نقدمها بصورتها الإنسانية، وهذا ما أفعله، فأنا عندما أصور شخصية مثقف تماما كما أصور شخصية جلاد مثلا في “دمية النار” أعطيه فرصة كي يشرح وجهة نظره، أتركه يعبر عن داخله وماذا يحدث فيه، عادة ما نعتقد أن “الشر” شيء غير إنساني، ولكن الواقع يقول أنه جزء من هذا الإنسان، وأنا منذ بداياتي مع الرواية كان سؤال العنف مقترنا عندي بسؤال فلسفي عن شرّانية الإنسان ، وكيف يتحقق الشر في روح وواقع الإنسان؟ وقد يتجسد هذا في مواقف مثقفين أو جلادين أو سياسيين ..الخ ..هنا لا أراني أقسو على هذه الفئة بل أعبر عنها من زوايا نظر مختلفة، ولأنهم الأقرب إليّ فأنا أحب أن أكتب عمن أعرف جيداً، الكتاب، الفنانين، المثقفين..الخ

* وبالتالي ما هو دور المثقف برأيك .. كيف ترى طبيعة علاقته مع السلطة السياسية..؟

** لحد الساعة لم أسمع بمثقف استدرجته السلطة إليها وبقي على نفس وضعيته الأولى، دائما إن دخل المثقف السلطة فقد دوره الرئيسي وهو “النقد” نقد هذه السلطة أو أي سلطة أخرى، لأن هنالك من يقبل أن يتعارض المثقف مع السلطة السياسية فقط ويتناسى أنه قد يتعارض مع السلطة المجتمعية بقيّمها المتخلفة، أو السلطة الدينية بمواقفها المتحجرة ..المثقف معارض، وأنا لست مع فكرة أن يعرض المثقف نفسه للخطر، فمن العبث أن نربط هذا بالشجاعة. شجاعته أن يستمر على قيد الحياة ويناضل بأفكاره ومواقفه ويبدع في مجالات إبداعه.

* وجد احد النقاد (المراسيم والجنائز) ، شهادة على واقع وشهادة على حضور ذات معذّبة ومتميزة في رؤيتها وعذابها وفي تعاملها مع الشخصيات التي تتحرك على الرقعة الروائية. ولكن عاب عليها الميل إلى التقريرية والتسجيل.. ما رأيك .؟

** من طبعي أن لا أتذمر من “النقد” إن كان يقدم براهين وحججا مقنعة، وأيضا لأنني لا أنطلق في الكتابة كما قلت سابقا من يقين أنني أقدم “الأفضل” أو النص الكامل، الذي من وجهة نظري هو غير موجود إلا في وجداننا، ونحن نعمل ككتاب على أن نصل إليه يوماً ونحن ندرك أن ذلك فقط مجرد تحفيز لنا، وليس ممكنا تحققه، وهذا ما يجعلني أتقبل النقد إن كان ينخرط في هذه الرؤية المدعمة بحجج وبراهين، ولا عيب أن تتلطخ روايتي الأولى بالتقريرية والتسجيلية، ففي كل رواية توجد مساحات أكثر كثافة، ومساحات تجد فيها المباشرة فقلة هم الكتاب الذين يحافظون على نفس المستوى داخل رواية واحدة، وإن حدث فهذا لا يحدث كثيرا. وهذا ما قاله نقاد آخرون عن هذه الرواية بل هنالك من ركز على الجوانب الشعرية في الرواية، وهذا يعني أن النقاد يختلفون في نظرتهم أو زاوية تركيزهم على جانب معين وإهمال جوانب أخرى، ونحن حتى الآن نفتقر للنقد المتكامل الرؤية والأدوات والذي يسمح في النهاية بإعطاء وجهة نظر محترمة ومعقمة عن النص.

* هل أنت متشائم في الحياة إلى الحد الذي تذهب إليه في أعمالك.. ؟

** أي كاتب أو فنان أو مبدع أو مثقف يملك قدرا كبيرا من التشاؤم لا يمنعه ذلك من أن يعيش حياته بصورة طبيعية مثل غيره من الناس باختلاف عميق أنه يطرح أسئلة كثيرة عن واقعه، وله رؤية فلسفية للوجود تجعله يفكر بعمق في قضايا قد لا ينتبه لها غالبية الناس، فالحياة تبدو للكاتب في حد ذاتها تراجيدية أي نحن نولد لنموت، ونعيش قليلا ثم نرحل عن الحياة، والحياة التي نعيشها قليلة الأفراح كثيرة الأحزان، وهذا يجعلك تنظر إلى الأمور من زاوية أخرى غير التي ينظر لها الآخرون، ولكن مادمت أكتب فهذا يعني أنني أقاوم، وأواجه الظلام، أي أبث الأمل في النفوس والرغبة في الحياة رغم كل شيء

* يشكل التداخل بين الكاتب والسارد في رواياتك التباسا لدى القارئ ..اقتحام المؤلف للنص في رواية ( شاهد العتمة). والحوار بين ليليا عياش والمؤلف في “خرائط لشهوة الليل”..؟

** أحب فكرة الالتباس، حيث يلتبس الأمر على القارئ فلا يعرف من هو هذا ومن هو ذاك، أريده أن يدخل معي في لعبة الكتابة فيفكر مثلا أن هذه الشخصيات ليست هي الواقع وإن مثلته أو جسدته بعض الشيء، وأن يفهم أحيانا أنها مجرد شخصيات ورقية لا أقل ولا أكثر، فأنا لا أحب وهم أن يشعر القارئ أنه أمام الحياة نفسها، بل هو في لعبة الأدب التي تسمح بكل أشكال الاختراق واللبس والتماهي بين الواقع والأحلام والكوابيس والخيالات وفي نفس الوقت هو يقرأ حكاية تشبه الواقع ولكنها ليست الواقع الحقيقي.

* المكان هو البطل الأساسي في معظم أعمالك .. وأغلبها يدور حول المدينة بشكل رئيسي..؟
** لقد ولدت في هذه المدينة الجميلة والمتوحشة، المدينة الكولنيالية بامتياز، الجزائر العاصمة، ولهذا أجد للمكان تأثيرا على وجداني قبل أن يكون له دور في تأطير رواياتي، وأنا أعتقد أن من ولد وعاش في مدينة ويحمل ذكريات عن مدينته تكون علاقته بالمكان أقوى وأرسخ ، وأنت تعلم أن معظم كتاب الرواية الجزائرية منذ الستينيات والسبعينيات هم كتاب قادمون من الريف وعلاقتهم بالمدينة هي علاقة اغتراب كامل، ليس اغتراب الفنان فحسب والذي هو أمر طبيعي ومشروع، ويحدث لي أن اشعر به أنا أيضاً، بل اغتراب عن المكان نفسه، فتبدو العلاقة مع المدينة سطحية وهشة، بل تعيسة جدا تعبر عن الاضطهاد الذي يحس به الريفي مع المدينة، وتتعجب كيف أن هؤلاء الكتاب من الجيل السابق وحتى اللاحق لا يستطيعون ذكر حتى أسماء الأحياء، ولا الشوارع، فالمدينة عندهم مجردة وهلامية، وهذا راجع من جهة للأصول الريفية (وكان يمكنهم الكتابة عن الريف وهذا ليس عيبا) ومن جهة ثانية إلى أنهم لم يعتبروا المكان ذا أهمية كبيرة في النص الروائي .. أو أظن هذا. البعض طبعا يتحجج بالقول ليس عندنا مدينة لأن المدينة أكبر من مجرد فضاء مديني بل ثقافة مدينة، وهذا صحيح إلى حد ما، لكن الرواية تؤسس لتلك الثقافة المدينية ولا تعمل على تدميرها هي الأخرى.

* لجأت الى تعدد الأصوات الساردة في ‘المراسيم والجنائز’، وتقنية الرواية داخل الرواية في ‘أرخبيل الذباب’ ، ثم عنصر السخرية من الرواية في ‘شاهد العتمة’ ، ولعبة الزمن في’ بخور السراب’. كيف تنظر الى موضوع التجريب والحداثة في العمل الروائي ..؟

** في البداية كان محاولة لإثبات الخصوصية، حيث التجريب هو طريقة لفرض اختلافك عن الآخرين، لكنه بالنسبة لي لم يكن تجريبا لذاته، أو تجريبا للتجريب، كان تجريباً يخدم النص، يخدم قصة الرواية، ومن البداية أدركت أنه يجب الخروج من أحادية الراوي لتكسير فكرة أن الحقيقة ملك لشخص واحد، يجب أن تكون مفتوحة على تعددية الرؤى، أو ما يسميه باختين بـ”البوليفونية” ..وأيضا بما أن معظم رواياتي كانت تدور حول مرحلة معينة كان عليّ أن أجد في كل رواية طريقة جديدة لحكاية الحكاية، فلا تظهر رواياتي كأنها نسخ مكررة عن بعضها البعض، راسلني مرة قارئ وقال لي ” كأنني اقرأ نفس الرواية لكنني لا أشعر مع ذلك أنها نفس الرواية” وهذا ما كنت أهدف إليه، أن لا يشعر القارئ أنني أكرر شيئا أو أعيد الحكاية مرت عدة.
بالنسبة للحداثة اقتنعت بها كعمل أصيل تقوم به، وليس كاستيراد تقنيات حداثية، الكثير من الكتاب يقلدون ما يكتبه الأجانب أو طرقهم على الأقل، أما أنا فلا أحب التقليد ، وبالنسبة لي الحداثة هي أن أبدع ذاتي بذاتي، هي الأصالة بامتياز، والأمر يتعلق كذلك بالتراث، هنالك من يقلد الكلاسيكيات التراثية أو يكتب بلغتهم ظنا منه أن هذه هي الخصوصية والأصالة، والحق أن الخصوصية تأتي من الإبداع وليس المحاكاة، من الفردية وليس من بصمة الجماعة.

*تعتمد في رواياتك كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق.. وقد لفتني بصراحة هذا الربط المتماسك بين الخاص والعام وبين السياسي والاجتماعي في معظم أعمالك.. ؟

** كما أشرت فانا أهتم بما يجول في داخل الإنسان من تمزقات، وأسئلة، وهي الأماكن التي حتى السينما الفن البصري الكبير اليوم عاجزة عن التقاطها بشكل صحيح، واعتبر هذا من خصوصيات الرواية بشكل خاص، عالم الداخل الغني بالأحلام والأوهام والمشاعر والتخيلات والحقائق ..كأنني أقول أن الحقيقة لا توجد إلا في هذا العمق، ما يقوله الإنسان للآخرين، ليس هو حقيقته دائما، أو هو لا يقدر عن الإفصاح إلا عن جزء يسير منه، بينما ما يثور فيه يظل مستورًا غالب الوقت، ودوري ككاتب أن أفضح هذا المستور، أو أحاول بقدر ما تسمح لي به حدودي الأدبية أن أخرجه من الباطن إلى الظاهر.

*أيضاً.. تزدحم أعمالك عادة بالكثير من الشخصيات، وتوصف رواياتك بأنها روايات قصص. والسؤال.. هل تكون ” الحكاية ” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك عندما تقوم بكتابة رواية..؟

** تبدأ الرواية عندي من هاجس مؤرق يستمر معي فترة طويلة وينضج أو يختمر مع الوقت قد تكون بحوزتي في البداية رؤية شبه واضحة وأعرف إلى أين أذهب به، لكن عندما ينتقل الأمر إلى فعل الكتابة تتغير الأمور جذريا، أو تنقلب جذريا، أصبح لا أعرف إلى أين؟ ومرات أورط نفسي في حكاية أعرف أن العثور لها على مخرج أمر صعب، لكنه التحدي الذي أفرضه على نفسي أن أغامر وأجد المخارج والحلول، وإن اصطدمت بجدار ما يصعب عليّ تجاوزه، أعيد النظر من جديد في الحكاية فأحذف ما أحذف وأترك ما أترك، وأكتب شيئا آخر، تستمر عملية التخلق بهذا الشكل فترة طويلة حتى أنتهي من النص دون أن أنتهي منه فعلياً، لهذا أتركه بعض الوقت ينتظر ثم أعود إليه، فيقنعني بعض الشيء ومن تم أدفعه للنشر.

*” الحب والموت” ثيمات أساسية في جميع أعمال بشير مفتي والهاجس الروائي له، كما يقول رشيد بوجدرة . وسؤالي ماهو مفهومك للموت, ولماذا يحظى بهذه المساحة في جميع أعمالك تقريبا..؟

** أعتقد أن أهم سؤال طرحته على الآخرين وأنا طفل صغير ليس من أين نأتي؟ بل لماذا نموت؟ وكان ذلك مرتبطا بوفاة جدي من أمي على ما أذكر، وعندما شاهدت الحزن يعكر صفو العائلة لفترة طويلة، وكان ذلك بسبب الموت، رحيل شخص لم أكن أعرفه جيدا ولم يلمسني موته كثيرا كي أكون صادقاً، ولكن درجة تأثير الموت على من هم أقرب إليّ أفراد عائلتي جعلني أحس به موجعاً ومخيفا للغاية. كلنا نعتبر الموت أمرا طبيعيا، لكن شخصيا فكرت في المسألة بشكل مختلف أو احتججت على الموت لأنه يأخذ منا أقرب الناس، وليس موتنا هو المزعج بل موت من نعرف ومن نحب، ثم في فترة الشباب والقراءة وبعض النضج جاءت مرحلة الحرب الأهلية الداخلية والتي لم يعد الموت طبيعيا بل بقرار ناس يقاتلون في سبيل معتقداتهم أو ناس يريدون الحفاظ على سلطتهم، وهنا ظهر القتل والعنف المتوحش، وصار الموت حالة تصاحبني وتصاحب كل الجزائريين صباح مساء، نعيش تحت رائحته وفي ظل خوفه، وفي هذه الفترة ايضا عشت قصة حبي الاولى وظهر لي الحب كمخلص من كل هذا الذي يحيط بي، وكمقاومة للموت الأعمى، وأظن هكذا تشكلت العلاقة الثنائية بين الحب والموت وظهرت في مختلف أعمالي الروائية الأخرى.

*في رواية ” بخور السراب ” ذهبت بعيدا وبعمق باتجاه الفلسفة ..بحيث كانت رواية فلسفية بامتياز ..؟
**صديقي أستاذ الفلسفة هزرشي عبد الباقي هو الذي قرأ الرواية قراءة فلسفية وهو أمر نادرا ما يحدث عندنا أن تتحاور الفلسفة مع الأدب، واعتبرت هذا شيئا جميلا في حد ذاته، فأنا كما أخبرتك أطالع الكتب الفلسفية للمتعة الفكرية ولأجد بعض الأجوبة عن أسئلة الحياة وما وراءها، وأحب في الفلسفة أنها تذهب بك إلى بعيد في التفكير أو إمكانية التفكير، هي تعطيك مساحة شاسعة من الحرية لتفكر بنفسك ولنفسك، على عكس الخطابات الأخرى التي تعمل على قمع حرية تفكيرك من البداية وهي تشهر في وجهك الإجابات الجاهزة وتمنع عنك تجاوز حدودك معها.
“بخور السراب” هي رواية واقعية وإن تميزت بشيء فهو أنها استثمرت في الجانب السحري للواقع، فهي من جهة لا تخرج عن الواقع التسعيني بالجزائر العنف والقتل والدم، ومن جهة ثانية يوجد البحث الفردي عن الخلاص من خلال “كتاب سحري” يقع عليه بطل الرواية، وعلاقة سحرية بين الأب والابن ، وبحثا عن منفذ روحي حتى لا يأكل العنف كل ما في دواخلنا الإنسانية من حب وأمل. إنها معركة الإنسان في الحياة هل يتجاوزها بالحلول الدنيوية، أم بالحلول الغيبية؟

*هل تتقصد أن يعيش قارئ رواياتك حالة من القلق، كما حدث معي أثناء قراءتي لأعمالك بشكل عام.. ولاسيما ” أرخبيل الذباب ” و” خرائط لشهوة الليل”.. ؟

** لا أخفيك أنني لا أتعمد ذلك، لكن أحب في نفس الوقت أن يشعر القارئ بقلق أثناء القراءة، أحبه أن يتورط في المسالك الصعبة التي يعيشها ابطال الرواية، أحب أن يشعر بغضبهم وقلقهم وحزنهم وأن يطرح معهم نفس الأسئلة التي يواجهونها وتعذبهم، لأنني سأشعر حينها أنني وفقت في خلق علاقة بين روايتي ومن يقرأها، وهذا ما يحدث معي دائما عندما أطالع روايات تهمني او تعجبني مثل روايات وقصص كافكا حيث تجد نفسك من البداية داخل عالمه الروائي، كما لو أنه يخاطبك أنت لوحدك، فتندمج معه في ذلك القلق القويّ والمثير، قد يزعجك الأمر بداية ولكن ستتآلف معه بعدها، لأن القلق لم يعد لا قلق الروائي ولا الشخصيات بل قلقك أنت، فأنت متورط الآن وعليك أن تجد طريقك لوحدك بعدها.

* غالبا ما تلجأ في رواياتك إلى تنبيه أن ((هذه الرواية من خلق الخيال وأي تطابق قد يحدث بينها وبين الواقع ليس إلا من باب الصدفة والصدفة فقط)). لماذا ..وهل كنت تقصد توجيه القارئ باتجاه معين من خلال هذا التقديم ..؟

استعمل هذا التنبيه في أغلب رواياتي، والحق أنه موجه لبعض النقاد وليس للقراء، فالنقاد عادة ما يبحثون عن حياتك الشخصية في الرواية، يعجبهم أن يجدوا الروابط بين حياتك وشخصيات رواياتك، وأنا شخصيا أكتب روايتي بطريقة حرة، ولا أتعامل مع شخصيات الواقع إلا كمادة خيالية أضيف لها الكثير، ولا أحب أن تقرأ الرواية كتعبير مباشر عن الحياة الواقعية.

*ما رأيك بالضجة التي أثيرت حول الجوائز العربية، ومنها البوكر، مع الإشارة إلى أن رواية “دمية النار” رشحت الى جائزة البوكر في دورة 2012. ؟

** إذا كان الهدف من الضجة أو حتى النقد تطوير آليات اشتغال جائزة أدبية كبيرة فهذا مُرحب به، ولكن أحيانا تشعر أن الرغبة تذهب إلى أبعد من توجيه اللوم والنقد للتصحيح بل للتدمير، وهذا ما أرفضه، وكما عبرت عن رأيي دائماً بوضوح تام، أنا لا أكتب من أجل نيل جائزة فإن جاءت فمرحبا بها وإن لم أحصل عليها فأنا مستمر في الكتابة والحلم، ولا يزعجني أن لا أنال أي جائزة، وطبعا أنا ضد الذين يكتبون من أجل الحصول على الجوائز، أو من يشاركون ثم يلعنون، لا أحَد ضرب أحدا لكي يشارك، ثم من يفز بالجائزة ليس يعني أنه أحسن من الآخرين، بل هو أحسن في نظر لجنة الجائزة، وأعتقد أن الجوائز عربيا تحتاج إلى وقت كي تنضج وتخرج طبعا من حسابات لا علاقة لها بالأدب وعلينا أن نترك لها فرصة من أجل ذلك.

إلى الأعلى