الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فرنسا والشعوب المغاربية : جراح لم تندمل بعد!

فرنسا والشعوب المغاربية : جراح لم تندمل بعد!

د.أحمد القديدي

” اليوم هو أن حلقة جديدة أضيفت إلى سلسلة الأزمات المتعددة والمتجددة بين فرنسا والجزائر وفي الحقيقة بين فرنسا والإقليم المغاربي كله وتؤكد هذه الحلقة بأن الجراح التاريخية بين ما كان يعرف بالأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وبين مستعمراتها القديمة لم تندمل بعد بل لا تزال تنزف بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط…”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تعرض يوم السبت 17 أكتوبر الماضي وزير الاتصالات الجزائري في مطار (أورلي) بباريس الى عملية تفتيش لدى شرطة المطار بلغت حد التدقيق البدني من نزع الحزام والحذاء وتفتيش جيوب البدلة إلى أخر هذه الإجراءات التي اعتبرتها السلطات الجزائرية مهينة (ونحن معها) لأن الوزير يحل في باريس في مهمة رسمية تندرج ضمن وظيفته وهو يحمل جواز سفر دبلوماسي! وأعقب هذه الحادثة احتجاج من وزارة الخارجية الجزائرية ودعوة السفير الفرنسي للاستفسار ثم تعبير الخارجية الفرنسية عن (الأسف لوقوع هذا الحادث)
وكما هو متعارف في الأعراف الدبلوماسية (وفي معاهدة فيانا لسنة 1961) فإن التعبير عن الأسف لا يعني تقديم (الاعتذار) وللتذكير فقد سبق أن قدمت الخارجية الفرنسية (الاعتذار الرسمي) بعد حادثة مماثلة تعرض لها وزير الخارجية بالمملكة المغربية صلاح الدين مزوار في مارس 2014 في مطار شارل ديغول وهو متجه من لاهاي الى الرباط عبر باريس! فاختلف السلوك الحكومي الفرنسي في الحادثتين رغم أنه لقائل أن يقول بأن كلا الوزيرين من بلدان مغاربية جارة وصديقة! فلماذا تعتذر فرنسا في الأولى وتعبر عن أسفها في الثانية؟
المهم اليوم هو أن حلقة جديدة أضيفت إلى سلسلة الأزمات المتعددة والمتجددة بين فرنسا والجزائر وفي الحقيقة بين فرنسا والإقليم المغاربي كله وتؤكد هذه الحلقة بأن الجراح التاريخية بين ما كان يعرف بالأمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وبين مستعمراتها القديمة لم تندمل بعد بل لا تزال تنزف بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وقد مر على استقلال الجزائر (أخر معقل للاستعمار) أكثر من نصف قرن. ولم يخطأ زملاؤنا الإعلاميون الجزائريون (وبعض نواب البرلمان) حين علقوا على الحادثة بقولهم أنها وقعت يوم 17 أكتوبر كأنما المقصود أن تحيي فرنسا بطريقتها الخاصة مجزرة يوم 17 أكتوبر 1961 في باريس حين قمعت الشرطة الباريسية بقيادة (موريس بابون المتعاطف مع النازية) مظاهرة مدنية سلمية نظمتها الجالية الجزائرية يومها للمطالبة باستقلال الجزائر فردت الشرطة ومعها ميليشيات يمينية متطرفة بقتل حوالي مائتي شهيد جزائري إما برصاص الشرطة أو بإلقاء الأبرياء في نهر السين ليتوفاهم الله غرقا ثم جهز الاستعمار محتشد (سان موريس لوزاك) لسجن من ألقي عليهم القبض من المناضلين المنادين باستقلال بلادهم. فلعل إحياء هذه الذكرى الأليمة كما يقول بعض الزملاء الجزائريين هي التي جعلت الشرطة الفرنسية تهين وزيرا جزائريا بشكل لا يليق بمعاملات بين الدول ذات السيادة!
وللعلم فإن هذه الممارسات تخرج عن كونها مجرد “أخطاء فردية تستدعي أسف الحكومة الفرنسية” لأنها امتداد لتيار فكري سياسي ذي تأثير في الطبقة السياسية والرأي العام في فرنسا وأوروبا عموما ونذكر بأن كل الرؤساء الفرنسيين سبق أن رفضوا مطلب الدولة الجزائرية بالاعتذار عن جرائم الإبادة التي اقترفها استعمارهم (في الحقيقة استخرابهم) خلال 130 سنة في الجزائر ويكفي أن نعد جريمة الجنرال (جيرو) الذي قام سنة 1848 بإحراق غابة جبلية كاملة تحصنت فيها قبيلتان جزائريتان بالنساء والأطفال والمسنين هربا من القمع فلم ينج من القبيلتين مسلم واحد وحرقوا عن أخرهم
ونعد أيضا مجزرة مدينة سطيف يوم 8 مايو 1945 التي استشهد فيها حوالي 50000 مواطنا جزائريا تظاهروا ضد الظلم والتمييز العنصري ورفعوا راية بلادهم! ونعد المجازر التي تمت منذ اندلاع الثورة الجزائرية سنة 1956 الى غاية التحرير والاستقلال سنة 1961 والمليون شهيدا الذين سقوا بدمائهم الزكية أرض الجزائر! الشهداء الذين ماتوا تحت التعذيب على مدى سنوات واعترف الجلادون في مذكراتهم بأنهم قتلوهم!
وليت الأمر وقف عند رفض الاعتذار بينما فرنسا تطالب تركيا بالاعتذار عما سمته مجزرة الأرمن! لأن حكومة الرئيس شيراك تقدمت بمشروع قانون للبرلمان في 28 فبراير 2005 يعيد الاعتبار لكل المعمرين (اي المستوطنين) وكل الجنود الذين حسب هذا القانون (ساهموا في إشعاع فرنسا وقوتها وازدهارها في المستعمرات التي كانوا فيها وخاصة شمال إفريقيا (تونس والجزائر والمغرب) وبلدان إفريقيا! ثم يدعو القانون أن يقع تدريس هذا الجانب الإيجابي من الاستعمار في المدارس الفرنسية وتأصيل هذه المبادئ لدى الناشئة !!! وبالطبع اعترض المعترضين على هذا القانون العجيب ومن فرنسا ذاتها لأنه يشكل عملية سطو على التاريخ وانتزاعه من أيدي المؤرخين لتتولى الدولة كتابته حسب توجهات أيديولوجية! والغريب أن الرئيس شيراك هو نفسه الذي كان تقدم باعتذار الدولة الفرنسية لليهود ولإسرائيل يوم ألقى خطابه في ملعب (فال ديف) بمناسبة إحياء ذكرى 16 يوليو 1942 يوم حشدت السلطة الفرنسية آلاف المواطنين الفرنسيين اليهود مع عائلاتهم في هذا الملعب المحتشد قبل إرسالهم الى الموت في المعتقلات النازية!
بالإضافة إلى أن فرنسا هي التي ابتدع المشرع فيها قانونا يحمل اسم النائب الذي تقدم به وهو (قانون غايسو) الذي يحكم بالسجن والغرامة والتجريد من الشهادات العلمية كل مؤرخ يعبر عن شكوك في الأرقام التي تقدم رسميا عن المحرقة النازية لليهود أو حتى يثبت بالدليل أن الأرقام والمعطيات ليست هي الحقيقة !
وبهذا القانون تم الحكم على المفكر الفرنسي (روجيه جارودي) سنة 1998 وعلى كثير من المؤرخين.
احتفظت الذاكرة العربية بمواقف يمينية عنصرية لم تصدر عن معارضين بل صدرت عن أعلى رؤوس السلطة بحثا عن أصوات الناخبين المتطرفين مثل الكلمات النابية التي تفوه بها الرئيس ساركوزي عن بعض الشباب الفرنسي من أصول عربية حين نعتهم بالنفايات التي يجب التخلص منها بـ(الكارشير) ومثل ما صدر عن الوزيرة السابقة والقيادية في حزب ساركوزي (نادين مورانو) التي قالت منذ أيام قليلة تعقيبا على اجتياح المهاجرين العرب والأفارقة لسواحل أوروبا :”إن أوروبا قارة مسيحية يهودية عرقا وثقافة” ! خلاصة القول إننا أمام تركة مخلفات الحروب الصليبية والاستعمار ولا يزال الغرب يحمله بوعي أو بدون وعي!

إلى الأعلى