الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : اجتماع فيينا بين المراوغة أو الحل

شراع : اجتماع فيينا بين المراوغة أو الحل

خميس التوبي

نتائج الاجتماع الوزاري في فيينا الأسبوع الماضي في نظر المتفائلين قد مهَّدت الأرضية لانطلاق العمل السياسي لحل الأزمة السورية، خاصة بعد تأكيد البيان الختامي للاجتماع على بقاء سوريا دولة موحدة، والاتفاق على تشكيل حكومة غير طائفية ولا تقصي أحدًا قبل إجراء انتخابات يشارك فيها السوريون وبإشراف من الأمم المتحدة، بالإضافة إلى محاربة الإرهاب.
إلا أن محركات هذا العمل السياسي ـ في تقديري ـ والمتمثلة في سبع عشرة دولة شاركت في الاجتماع، بدت غير عاملة كلها، فهناك أكثر من محرك لا يزال معطوبًا وغارزًا في أوحال الطائفية والحقد والكراهية المطلقة للشعب السوري، ومستنقعات دعم الإرهاب، ما أثر بشكل أو آخر على عمل باقي المحركات، حيث هناك من ظل على عهده القديم ممسكًا بيد خنجرًا مسمومًا، وبالأخرى حقيبة أموال لدعم الإرهاب، وثمة من يناور ويراوغ وينافق.
في الحقيقة، إن تلك النتائج تبين مدى ما وصلت إليه القوى الغربية الاستعمارية الامبريالية مدعومة بذيولها وأدواتها في المنطقة من تكالب مريع لا تريد تلك القوى أن تبرح مكانها حتى تضع الدولة السورية بين أنيابها، ويمكن قراءة ذلك من خلال الآتي:
أولًا: الإصرار على محاولة استبعاد الرئيس السوري بشار الأسد من المشهد السياسي لسوريا، لما تمثله شخصيته القيادية من ضمانة لبقاء سوريا ووحدتها، وليقين المتكالبين على سوريا بمدى ما يحظى به الرئيس بشار من شعبية واسعة تؤهله لقيادة سوريا في المرحلة الراهنة والقادمة في أي انتخابات يخوضها، سواء كانت انتقالية أم رئاسية، ما يعني استعصاء سوريا على خروجها من محور المقاومة، وحرمان القوى المتكالبة من نصيبها من الكعكة السورية، وبالتالي أي موقف مضاد تبديه تلك القوى لاختيارات الشعب السوري يعني مزيدًا من الافتضاح والانكشاف لما تدَّعيه من مبررات لتدخلاتها من قبيل “مساعدة الشعب السوري”، فضلًا عن أنه يعد تدخلًا سافرًا في الشأن الداخلي السوري وتعديًا على حقوقه وعدم احترام خياراته.
ثانيًا: وهذا مرتبط بما قبله، إن الإصرار على استبعاد الرئيس السوري ودوره في المرحلة الانتقالية، يناقض ما جاء في بيان اجتماع فيينا وهو “تشكيل حكومة انتقالية جديرة بالثقة وغير طائفية ولا تقصي أحدًا”. وإذا كان شخص الرئيس السوري محسوبًا على مكون من مكونات المجتمع السوري، فإن ذلك يعد إقصاء للمكون بأكمله، لا سيما إذا كان هذا المكون عدَّ الرئيس بشار ممثله في الحكومة الانتقالية أو في العملية السياسية. كما يناقض هذا الطرح بأن “العملية السياسية ستكون سورية ـ سورية”؛ أي شأن سوري بحت. وهذا اعتداء صريح على حق من حقوق الشعب السوري.
ثالثًا: الإصرار على تصنيف التنظيمات الإرهابية بين “معتدل” تمثله عصابات ما يسمى “أحرار الشام وجيش الإسلام والجيش الحر وجيش الفتح” وغيرها، و”غير معتدل” ويمثله تنظيم “داعش”، في مفارقة صارخة ومستفزة للعقل والمنطق، وخارجة عن جميع الأعراف والشرائع، فلا يوجد قاتل “عنيف” وقاتل “رحيم”، بل كلاهما مجرم قانونًا وشريعة؛ ولذلك ليس هذا التصنيف سوى ذريعة لدعم الإرهاب لاستنزاف الدولة السورية.
رابعًا: إعلان الولايات المتحدة قائدة معسكر التآمر والعدوان على سوريا، عن إرسال قوات خاصة إلى شمال سوريا. وقد نقلت وكالة رويترز عن وزير الخارجية الأميركي جون كيري قوله في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره القرغيزي في العاصمة القرغيزية بيشكيك أمس الأول إن الرئيس أوباما اتخذ قرارًا في غاية القوة والفعالية والبساطة يتماشى تمامًا مع سياسته المعلنة بضرورة دحر وتدمير “داعش”. أما وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر فأعلن أن القوات الخاصة التي قرر الرئيس أوباما إرسالها إلى شمال سوريا بهدف المساعدة في محاربة تنظيم “داعش” ستكون معرضة للخطر، وأن “دورنا واستراتيجيتنا بالأساس دعم القوات التي تحارب “داعش”، ولم يستبعد كارتر إمكانية إرسال المزيد من القوات الخاصة إلى شمال سوريا إذا حقق الانتشار الأولي نجاحًا. قائلًا: سنواصل الابتكار والبناء على ما يتحقق وسندرس ذلك وسننقل توصيات للرئيس.‏
وما يمكن فهمه من هذين التصريحين أن الولايات المتحدة ليس واردًا في حساباتها محاربة الإرهاب بما فيه إرهاب “داعش”، إذ لا يعقل أن تتخلص من صنيعة صنعتها هي وأدواتها وذيولها بهذه السرعة قبل أن تتحقق الأهداف الموضوعة؛ ثم لو كان الهدف محاربة داعش لتوجب على واشنطن التنسيق مع موسكو ودمشق لهذا الغرض، ولهذا من الواضح أن القوات الخاصة لها دور وظيفي تبريري لتوفير الحماية لتنظيم “داعش” ومن معه من التنظيمات الإرهابية من أي عمليات عسكرية روسية، حيث سيكون وجود هذه القوات الأميركية الخاصة التي سيتزايد عددها تباعًا ـ كما جرى في العراق ـ في المناطق التي يتمركز أو يندس فيها إرهابيو “داعش”، إذ من الوارد جدًّا أن يطلب الأميركيون من الروس عدم استهداف المناطق التي توجد بها القوات الأميركية الخاصة.
الخلاصة هي، أنه ليس من السهل أن يسلم معسكر التآمر والعدوان الأمر لروسيا وإيران وسوريا والصين وبدون أي ثمن؛ ولذلك يحاول هذا المعسكر إما الإبقاء على مناطق سوريا خارج سلطة الدولة وبقبضة العصابات الإرهابية وتقديم هذه المناطق على أنها بقبضة ما يسميها “المعارضة المعتدلة” عملًا بالقول “عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة” ليفاوض أو بالأحرى ليبتز. وإما أن اجتماع فيينا يراد منه تعطيل العمليات العسكرية الروسية ـ السورية، بهدف إعادة تجميع صفوف عصابات الإرهاب وتموضعها، لمباشرة هجمة إرهابية جديدة قد تبدأ قبل أو بعد الانتهاء من الملف اليمني. وهذا ما ستكشفه الأيام المقبلة.

إلى الأعلى